حديث عن المسؤولية الوطنية وسواها!
كثيرة هي الدعوات التي صدرت مؤخرا عن قوى وشخصيات وأوساط تدعو القيادات العربية إلى دراسة جدية لفكرة بناء تحالف انتخابي شامل أو جزئي يعزّز التمثيل العربي في البرلمان. تحالف يستطيع أن يتجاوز الشكل الراهن لاصطفاف القوى الانتخابية في مجتمعنا ويُعطي معنى جديدا للانتظام السياسي وفكرة الشراكة السياسية.
ويسوق الداعون لأشكال ما من التحالف جملة مسوّغات منطقية وجدية، لا يُمكن ردّها بأي ادعاء من الصنف ذاته. بل إن الرائي إلى الحراك الانتخابي في شروط سياسية كالتي نحن بها لا يفهم، أحيانا، أنماط هذا الحراك ومؤدّاه. فلماذا لا تتحرك القوى الفاعلة انتخابيا باتجاه التفكير في رفع نسبة التصويت لدى المواطنين العرب ولدى قوى يسارية يهودي، غير محدودة كما يتمّ الادعاء، في وقت تميل فيه هذه النسبة إلى التدني ـ وفق الاستطلاعات المنشورة ـ بينما تميل المعدلات في المجتمع اليهودي إلى الارتفاع؟ أو لماذا لا تجتهد القوى الفاعلة في زيادة التمثيل البرلماني للعرب ما دامت تدعي كلها أن العرب هنا ومصالحهم غايتها ومنتهى الأرب بالنسبة لها؟ سيأتي نشطاء أحزاب وتيارات ويفلحوا فينا وفي المواطنين شروحات تبريرية في جميعها. وتبقى الأمور على حالها قيادات تضعنا دائما على حدّ السكين ورهائن اللعب في الوقت الضائع. والأنكى أنها "تفلت" فينا كلما سألنا واستدركنا واتهمتنا بالتقاعس وبالتخاذل وما إلى ذلك.
لكن ربما صار علينا أن نكاشف بعضنا أكثر مما فعلناه حتى الآن. وربما أننا أخطأنا حين أغفلنا مسائل وقضايا بيننا وركّزنا على المحاسنة في الكلام والمخاطبة أملا منا في أن يستدرك هذا الحزب أو ذاك ويعمد إلى تغيير الموقف من فكرة التحالف يوما أو يومين قبل الموعد الأخير لتقديم القوائم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل التحالفات الانتخابية عندنا تمت تقريبا في اليوم الأخير لمهلة تقديم القوائم أو في الطريق إلى لجنة الانتخابات المركزية. وسنظل نحمل هذا أملا.
إن العلاقات بين القيادات والأطر الفاعلة لا تنشأ ولا تتطوّر عشية الانتخابات. بل الأصحّ أن نعتبرها تتجسّد وتتضح أيام الحراك الانتخابي. وهي في هذا الجزء من الوقت تكون محصّلة تراكمات وأحداث مصمّمة حزبيا وحراك جرت من قبل، أو "الشكل الطبيعي" لمضمون العلاقات القائمة على مدار العام. وعلينا أن نقرّ أن هذه العلاقات في أساسها وفي سيرورتها تراوح بين اللا ـ علاقة وبين التوتر والعداء.
هذا هي طبيعة العلاقات على العموم بتفاوت من مرحلة لأخرى أو بين إطار وآخر. بمعنى ما أن الحراك الانتخابي هو المرآة التي تعكس العلاقات. أما الصورة المنعكسة في المرآة فتعود لتشكّل سلسلة أحداث مصممة لهذه العلاقات وهكذا حتى قيام الساعة أو ربما إلى ما بعد ذلك! ومن أهم العوامل التي تخلق هذه الأجواء كون الهويات الحزبية تطورت منذ بدايتها كعصبيات أو هويات مشحونة تضادا وتقابلا. فليس خافيا على أحد أن العداء المستفحل بين كوادر التجمّع وبين كوادر الجبهة، مثلا، لا يُمكن قياسه بمعايير سياسية.
بل ربما احتجنا إلى معايير من علم النفس الجماهيري لفهمه أو إدراك معدلاته. وليس خافيا في السياق نفسه أن أسوأ تركة أورثها عزمي بشارة لحزبه وللثقافة السياسية هنا هو هذه النزعة إلى بناء تميّز "التجمع" ضديا مع "الجبهة" وشحنا عشوائيا ضد خطها وقياداتها وتاريخها وصولا إلى إشاعة حديث التخوين ومشتقاته.
وسار على دربه جيل من الكتبة والمتحدثين وصولا إلى طلاب الجامعات سنة أولى. فكلهم يرددون الهتاف ذاته والمقولة ذاتها كأنها آية من آيات الله البينات! هذا فيما دأبت الجبهة بقياداتها باعتبارها المستأنَف عليه والمدّعى ضده إلى ردّ الصاع صاعين، فردّت أحيانا نشوء التجمّع إلى ما ورد في وثيقة كينيغ! بمعنى أن تهمة التخوين قابلتها تهمة معاكسة لها في الاتجاه.
وللحقيقة علينا أن نشير إلى حقيقة أن الجبهة عندما قامت على أساس تجربة الحزب الشيوعي وقوى حليفة فعلت ذلك من خلال ثلاثة مركبات أساس، فكرة الجبهة الشعبية على النموذج الشيوعي (أذكر شيوع كتاب ديمتروف بين النشطاء في حينه) وعلى مناهضة سياسات السلطة وأحزابها وعلى مناهضة قوائم انتخابية وقوى داخل المجتمع العربي مرتبطة بأحزاب السلطة مباشرة. أما تلك القوى الانتخابية التي جاءت من بعد الجبهة فقامت على أفكار مناوبة وفي مواجهة السلطة لكنها في مواجهة الجبهة أيضا واستئنافا على ما كرّسته من فكر وتجربة ورصيد.
وهنا ربما يكمن مصدر التوتر الأساس بين "الجبهة" وبين سواها من قوى سياسية نجحت في مواضع عديدة في إظهار الجبهة نوعا من هيمنة أو سلطة داخل مجتمعنا! والملفت أن الجبهة رأت في نفسها أحيانا كثيرة سلطة بحقّ وحقيق وهذا ما عقّد الوضع!
لقد ساعدت هذه الحقيقة التاريخية في تحويل الانتماءات الحزبية إلى انتماءات عصبية بغيضة وليس في مستوى العلاقات بين هذه الأحزاب فحسب، بل في مستوى النظر إلى الدنيا وشؤونها. كل شيء يصنّف على الهوية. وهذا ما يذكّر في حالات الحروب الأهلية حيث كان يُذبح الناس على الهوية ويُقنصون كالحمام البريّ على الهوية. وصناعة الهوية ـ وهذا أبرز في التجمّع ـ تتمّ ، ما العمل، كما هو في صناعة الهوية من خلال مثلنة الذات وإلغاء الآخر إذا أمكن. ولأن ذلك غير ممكن عمليا فإن اللغة هي ساحة الوغى. فيها تتم المحاكمات الميدانية وفي منعطفاتها المعتمة تتمّ الاغتيالات والإعدامات والقنص بعد أن يتمّ تحويل الحروف على خناجر أو غيرها من أدوات.
ولأن الجبهة هي الأقدم وهي من ضمن المستأنف عليهم وعلى نهجهم، فإن كثيرا من العداء أنتجته القوى السياسية غير الجبهوية تجاه الجبهة وقيادتها في كل مرحلة من المراحل. فإن ما كتبه منافسو الجبهة (والحزب الشيوعي) عن قياداتها لهو أقسى وأمضّ بكثير مما كتبه ممثلو السلطة أنفسهم على تناوبهم. ولم يكن بوسع الجبهة إلا أن تردّ وأحيانا بعنف ليثبت المنافسون لأنفسهم ولها أن ادعاءهم صحيح بخصوص هيمنتها!
إن نفسية العداء آنفة الذكر تتحول إلى توترات موسمية ـ في الانتخابات مثلا ـ أو إلى أنماط سلوك يدلّ الشاذ فيها على العام. لكنها على العموم ترسم مشاهد من البؤس ومن الأسى. وما يميّز هذه الأنماط ويشكّل قاسمها المشترك هو أنها تعدم فكرة الشراكة أو حتى التنسيق ولو بخصوص شيء ما. حتى النشر المتبادل ـ المتبهدل ـ فيعكس مدى السهولة في الإلغاء أو التخوين أو الافتراء أو الرعونة التي يتعامل فيها المعنيون مع الثقافة السياسية ومع المجتمع كمفهوم يتعدى عدد الأفراد الذين يشكلونه! وهنا مقتلهم ومقتلنا. فإن ثقافة سياسية تقوم على التحشيد الضدي وعلى الاستعداء لا بدّ أن تُفضي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي بدل ترميمه أو تطويره أو بنائه.
بمعنى أن الأحزاب ـ وهنا كلها ـ لا تُعر فكرة البناء المجتمعي أي اهتمام. بدلالة أن أداءها في المحصّلة إنما يؤدي إلى العكس من ذلك (لا يختلف أحيانا عن أداء الحمائل خاصة عندما تغيب حدود الحزب بالحمولة أو العكس). بل نراها مختزلة في مهمتين اثنتين، الأولى والأهم ـ ترتيب شؤون البيت وإقامة التوازنات الداخلية أي الحفاظ على الوجود (خذوا دلالات عملية تشكيل القوائم وانتخاب/اختيار المرشحين). الثانية ـ تحقيق مكاسب حزبية من خلال افتراض إمكانية التميّز وتثبيت الحزب ماركة سياسية مسجّلة.
وهذا يعني أن معظم الموارد والطاقات محشّدة في السياسات الداخلية ـ داخل الحزب وداخل الجماهير العربية (سنترك جانبا العمل البرلماني للأحزاب لأنه يتمّ بحكم الشرط ومساحة اللعب وطبيعة الحال). فلا يبقى إلا القليل منها ـ إذا بقي ـ لبناء الإنسان أو تمكينه أو تنشئته بمنحى بديل لمنحى السلطة وأحزابها.
في مثل هذه الحالة يبدو لنا الحراك الانتخابي للقيادات العربية حراكا نحو الداخل والتنافس نحو الداخل تناحريا وتنافريا. والأخطر أن الأحزاب العربية في المحصّلة لا تظهر كقوى تسعى إلى فرض تحدٍ على أحزاب السلطة بقدر ما تقيم حواجز في طرقات بعضها البعض. ومن هنا ليس صدفة أننا لم نستطع حتى الآن أن نشكّل سؤالا أخلاقيا مدويا أمام النُخب الإسرائيلية. فالرجاء ألا يحدثنا أحد بعد الآن عن المسؤولية الوطنية لأن الناس تبدو أكثر مسؤولية من قياداتها تتحمّل وتعض على جروحها وتذهب إلى صناديق الاقتراع. لكننا للأسف تظلّ القيادات على اعتقادها الخاطئ أنه نوع من تجديد الثقة ولكن شبّه لهم. أنها المسؤولية الوطنية والمواطنية عند الناس بالدرجة الأولى!