نتنياهو في أصعب اختبار: هل بدأ سقوط الرجل الذي لا يُهزم؟
نتنياهو في أصعب اختبار: هل بدأ سقوط الرجل الذي لا يُهزم؟
بقلم: خالد خليفة
يدخل بنيامين نتنياهو الانتخابات المقبلة وهو في وضع لم يعتده طوال سنواته الطويلة في الحكم. فالرجل الذي نجح مراراً في النجاة من الأزمات وإعادة بناء تحالفاته، يجد نفسه اليوم محاصراً من الداخل والخارج، ومطوقاً بأزمة سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية يصعب تفكيكها في وقت واحد.
لم تعد المشكلة التي تواجه نتنياهو مجرد تراجع في الشعبية أو صعود خصم سياسي جديد، وإنما انهيار تدريجي للبيئة السياسية التي مكّنته من البقاء. فالليكود لم يعد القوة اليمينية الوحيدة القادرة على استقطاب الشارع، والمعسكر اليميني نفسه بدأ يتشقق، بينما تتقدم قوى جديدة من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية السابقة لتقديم نفسها بديلاً عن نتنياهو.
وإذا كانت الانتخابات السابقة قد أتاحت له في كل مرة العثور على مخرج، فإن الانتخابات المقبلة قد تكون مختلفة؛ لأن نتنياهو سيخوضها وهو يحمل على كتفيه أثقال سنوات الحرب، وإخفاق السابع من أكتوبر، وتعدد الجبهات، والانقسام الداخلي، والتوتر مع الحليف الأمريكي، وتراجع الثقة بمؤسسات الحكم.
السابع من أكتوبر هو العنوان الأثقل في هذه المعركة. فقد حاول نتنياهو مراراً توزيع مسؤولية الإخفاق على الأجهزة الأمنية والعسكرية، لكن موقع رئيس الحكومة يجعل من الصعب عليه التخلص من المسؤولية السياسية. فالهجوم لم يكن مجرد فشل استخباراتي أو عسكري، وإنما انهيار لمنظومة أمنية كانت تقدم نفسها للإسرائيليين باعتبارها الأكثر قوة وقدرة على الردع.
ولهذا تحولت مسألة التحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر إلى قضية سياسية من الدرجة الأولى. فالإسرائيليون لا يريدون فقط معرفة من أخطأ، وإنما يريدون معرفة كيف وقع ما وقع، ومن يتحمل المسؤولية، ولماذا لم تكن الحكومة مستعدة لسيناريو كهذا. وكلما تأخر التحقيق، ازداد الانطباع بأن نتنياهو يحاول شراء الوقت وتأجيل لحظة الحساب.
وفي الوقت نفسه، يجد الرجل نفسه أمام حرب مفتوحة على جبهات عدة. غزة لم تتحول إلى ملف مغلق، والضفة الغربية بقيت ساحة توتر، ولبنان جبهة قابلة للاشتعال، وسوريا جزء من صراع النفوذ الإقليمي، وإيران بقيت الخصم الأكبر في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية. وإلى جانب هذه الجبهات العسكرية، هناك جبهات أمنية وسيبرانية ودبلوماسية وسياسية تستنزف الدولة والمجتمع.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في استراتيجية نتنياهو: فكلما فتح جبهة جديدة، بدا في الظاهر أكثر قوة، لكنه في الواقع يضيف عبئاً جديداً إلى دولة منهكة وجيش يعتمد بصورة كبيرة على قوات الاحتياط. وبعد سنوات من الحرب، لم يعد السؤال الإسرائيلي مقتصراً على كيفية تحقيق الانتصار، بل أصبح: ما هو تعريف هذا الانتصار؟ ومتى تنتهي الحرب؟ وما الثمن الذي ستدفعه إسرائيل مقابل استمرارها؟
هذه الأسئلة تضرب في صميم صورة نتنياهو بوصفه "رجل الأمن". فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا لم تكن مرتبطة باستراتيجية سياسية واضحة. وقد يكون استمرار الحرب مفيداً له سياسياً في المدى القصير، لكنه يتحول مع مرور الوقت إلى عبء انتخابي، خصوصاً عندما لا يستطيع تقديم تصور مقنع لليوم التالي.
الأخطر من ذلك أن المعسكر اليميني الذي اعتمد عليه نتنياهو بدأ يتآكل من الداخل. فالأحزاب الحريدية تضغط للحصول على امتيازات واستثناءات، وفي مقدمتها قضية التجنيد، بينما ينظر قطاعات واسعة من الإسرائيليين العلمانيين والاحتياط إلى هذه المطالب باعتبارها ظلماً فادحاً. كيف يمكن لجندي أن يقضي مئات الأيام في الخدمة العسكرية، ثم يرى آخرين يحصلون على الإعفاءات والامتيازات نفسها؟
لقد أصبح ملف الحريديم أحد أكثر الألغام السياسية خطورة أمام نتنياهو. فهو يحتاج إلى أصواتهم لبقاء حكومته، لكنه يدفع ثمناً اجتماعياً وسياسياً مقابل كل تنازل يقدم لهم. وبذلك يتحول الائتلاف الذي يفترض أن يحميه إلى أحد مصادر ضعفه.
وفي الجهة المقابلة، تتشكل معارضة أكثر تنوعاً من أي وقت مضى. فغادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، يبرز بوصفه أحد أخطر المنافسين على صورة نتنياهو الأمنية. وهو لا يأتي إلى السياسة من خلفية حزبية تقليدية، بل من قلب المؤسسة العسكرية، حاملاً تجربة الحرب وفقدان ابنه فيها، ومحاطاً بشخصيات أمنية وعسكرية سابقة.
وتكمن خطورة آيزنكوت بالنسبة إلى نتنياهو في أنه يستطيع مخاطبة الجمهور الذي طالما احتكره الليكود: جمهور الأمن والجيش واليمين التقليدي. فهو لا يقدم نفسه باعتباره رجل سلام أو خصماً للدولة الأمنية، وإنما باعتباره بديلاً عن طريقة نتنياهو في إدارة الأمن والحرب.
إلى جانب آيزنكوت، يتحرك نفتالي بينيت ويائير لابيد في الوسط السياسي، فيما يحاول يائير غولان إعادة بناء اليسار والوسط من خلال حزب الديمقراطيين، بينما يحتفظ أفيغدور ليبرمان بقاعدة انتخابية مهمة داخل الشارع الروسي والعلماني. وإذا نجحت هذه القوى في تنسيق مواقفها، فقد يصبح إسقاط نتنياهو ممكناً، حتى لو لم تكن متفقة على كل شيء.
لكن المفارقة أن الخطر الأكبر على نتنياهو قد يأتي من اليمين نفسه. فظهور قوائم يمينية جديدة وانشقاقات من داخل الليكود قد يؤدي إلى تفتيت أصوات المعسكر. وإذا فشلت بعض هذه القوائم في تجاوز نسبة الحسم، تضيع أصواتها؛ وإذا نجحت، فإنها تسحب مقاعد مباشرة من الليكود.
وهذه هي المعادلة التي يخشاها نتنياهو: يمين متعدد القوائم، ومعارضة تتوسع، وصوت عربي يمكن أن يصبح حاسماً، وجمهور إسرائيلي يبحث عن بديل بعد سنوات من الحرب. لذلك قد لا تكون المعركة المقبلة معركة بين نتنياهو وحزب واحد، وإنما بين نتنياهو وتراكم كامل من الأزمات.
ومع ذلك، فإن سقوط نتنياهو لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة. فالمعارضة قد تنجح في إسقاطه، لكنها لن تجد بسهولة إجابات عن مستقبل غزة والضفة الغربية، والعلاقة مع لبنان وسوريا، والصراع مع إيران، ومسألة الدولة الفلسطينية، وحدود العلاقة مع الولايات المتحدة.
لكن شيئاً واحداً تغير: نتنياهو لم يعد الرجل الذي يبدو غير قابل للهزيمة.
لقد أصبح أمامه حساب سياسي مؤجل منذ السابع من أكتوبر، وحرب طويلة بلا نهاية واضحة، وجبهات متعددة، وشرخ اجتماعي حول التجنيد، ويمين متخاصم، ومعارضة تتقدم، وقوى عسكرية وأمنية سابقة تبحث عن قيادة جديدة.
ولهذا فإن الانتخابات المقبلة قد تكون أكثر من مجرد انتخابات. قد تكون لحظة الحساب التي يكتشف فيها نتنياهو أن أعوام المناورة السياسية لم تعد تكفي لإنقاذه، وأن أخطر خصومه هذه المرة ليسوا خصومه في المعارضة، بل الأزمات التي تراكمت حوله حتى أصبحت أكبر من قدرته على إدارتها.
إذا تمكن خصومه من توحيد هذه الأزمات في مشروع سياسي واحد، فقد تبدأ فعلاً مرحلة ما بعد نتنياهو. أما إذا عادوا إلى خلافاتهم، فقد يمنحونه فرصة جديدة للنجاة.
وفي كل الأحوال، فإن المعركة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً ليس فقط لمستقبل نتنياهو، وإنما لمستقبل إسرائيل نفسها.