الآثارُ الحضاريَّةُ لِتَحْويلِ الدِّينِ إلى أيديولوجيا
إنَّ تحوُّلَ الدِّينِ إلى أيديولوجيا لا يقفُ عندَ حدودِ التَّحوُّلِ في طريقةِ الفهمِ أو التَّفسيرِ، ولا يظلُّ محصورًا في المجالِ العقديِّ أو الفكريِّ، وإنَّما يمتدُّ أثرُهُ إلى البنيةِ العميقةِ للمجتمعِ والإنسانِ والثَّقافةِ والسُّلطةِ والعلاقاتِ بينَ الأفرادِ والجماعاتِ، فحينَ يُختزلُ الدِّينُ في منظومةٍ أيديولوجيَّةٍ مغلقةٍ، فإنَّهُ يفقدُ تدريجيًّا قدرتَهُ على إنتاجِ المعنى الأخلاقيِّ والحضاريِّ، ويتحوَّلُ مِنْ قوَّةٍ تُحرِّرُ الضَّميرَ إلى قوَّةٍ قد تُعيدُ تشكيلَهُ وفقَ حدودِ الجماعةِ ومصالحِها وتصوراتِها، ومن هنا فإنَّ الخطرَ الحضاريَّ لا يكمنُ في مجرَّدِ اختلافِ النَّاسِ في فهمِ الدِّينِ، فالتَّنوُّعُ في الفهمِ والاجتهادِ ظاهرةٌ ملازمةٌ للتَّجربةِ الإنسانيَّةِ، وإنَّما يكمنُ في تحويلِ فهمٍ بشريٍّ معيَّنٍ إلى حقيقةٍ مطلقةٍ، ثمَّ تحويلِ هذهِ الحقيقةِ المزعومةِ إلى معيارٍ للحكمِ على الآخرينَ، ثمَّ بناءِ منظومةٍ اجتماعيَّةٍ وسياسيَّةٍ على أساسِ هذا الحكمِ.
عندَ هذهِ النُّقطةِ يبدأُ الانتقالُ مِنَ الدِّينِ بوصفِهِ رسالةً ذاتَ أفقٍ أخلاقيٍّ وإنسانيٍّ إلى الأيديولوجيا بوصفِها مشروعًا للصِّراعِ على الإنسانِ والمجتمعِ، فالدِّينُ في جوهرِهِ يفتحُ أمامَ الإنسانِ أفقَ السُّؤالِ عن الحقِّ والخيرِ والعدلِ والمسؤوليَّةِ، بينما تميلُ الأيديولوجيا المغلقةُ إلى إغلاقِ هذهِ الأسئلةِ داخلَ إجاباتٍ نهائيَّةٍ لا تسمحُ بالمراجعةِ، لأنَّ مراجعةَ الفكرةِ عندَها قد تُفهمُ باعتبارِها مراجعةً للجماعةِ، ومراجعةُ الجماعةِ قد تُقدَّمُ باعتبارِها تهديدًا للدِّينِ نفسِهِ، وهنا يقعُ الخلطُ الخطيرُ بينَ قداسةِ الوحيِ ونِسبيَّةِ الفهمِ البشريِّ لهُ، إذْ يصبحُ التَّفسيرُ البشريُّ في الوعيِ الأيديولوجيِّ بمنزلةِ النَّصِّ، ويصبحُ الاعتراضُ على التَّفسيرِ اعتراضًا على الدِّينِ، وتصبحُ المراجعةُ خروجًا على الجماعةِ، ويصبحُ النَّقدُ فعلًا عدائيًّا، وبذلكَ تُغلقُ الدَّائرةُ على الإنسانِ، فلا يعودُ قادرًا على التَّمييزِ بينَ ما هوَ إلهيٌّ وما هوَ بشريٌّ، وبينَ ما هوَ أصلٌ وما هوَ اجتهادٌ، وبينَ ما هوَ ثابتٌ وما هوَ قابلٌ للتَّأويلِ والتَّطويرِ.
إنَّ تحوُّلَ الدِّينِ إلى أيديولوجيا لا ينتهي عندَ حدودِ التَّغييرِ في طريقةِ قراءةِ النَّصِّ أو إعادةِ تشكيلِ الخطابِ الدِّينيِّ، بل إنَّ أخطرَ نتائِجِهِ تظهرُ عندما تنتقلُ الفكرةُ مِنْ حيِّزِ التَّصوُّرِ إلى حيِّزِ الحياةِ، فتبدأُ بإعادةِ تشكيلِ الإنسانِ وعلاقاتِهِ وموقفِهِ مِنَ الآخرِ ومِنَ المجتمعِ ومِنَ السُّلطةِ ومِنَ المعرفةِ، وعندَ هذهِ المرحلةِ لا تعودُ الأيديولوجيا مجرَّدَ تفسيرٍ مغلقٍ للدِّينِ، وإنَّما تصبحُ بنيةً فكريَّةً واجتماعيَّةً قادرةً على إنتاجِ أنماطٍ محدَّدةٍ مِنَ السُّلُوكِ والوعيِ والعلاقاتِ، فالدِّينُ، حينَ يبقى في أفقِهِ الرُّوحيِّ والأخلاقيِّ، يوسِّعُ دائرةَ مسؤوليَّةِ الإنسانِ، ويضعُ أمامَهُ أسئلةَ العدلِ والرَّحمةِ والأمانةِ والحُرِّيَّةِ والتَّكليفِ، ويجعلُ الإنسانَ مسؤولًا عن أثرِهِ في الحياةِ. أمَّا حينَ يُختزلُ في أيديولوجيا مغلقةٍ، فإنَّ مركزَ الثِّقلِ ينتقلُ مِنَ القيمةِ إلى الهُويَّةِ، ومِنَ الضَّميرِ إلى الولاءِ، ومِنَ السُّؤالِ إلى اليقينِ المغلقِ، ومِنَ الإصلاحِ إلى الصِّراعِ، وهنا تبدأُ المفارقةُ الحضاريَّةُ الكبرى؛ إذْ إنَّ الدِّينَ الَّذي يفترضُ أنْ يُسهمَ في تحريرِ الإنسانِ مِنْ الخوفِ والظُّلمِ والجهلِ قد يتحوَّلُ، بفعلِ القراءةِ الأيديولوجيَّةِ، إلى منظومةٍ تُعيدُ إنتاجَ الخوفِ والتَّبعيَّةِ والانقسامِ. ولا يكونُ الخللُ عندَئذٍ في أصلِ الرِّسالةِ، وإنَّما في الطَّريقةِ الَّتي يُعادُ بها توظيفُ المقدَّسِ داخلَ مشروعٍ بشريٍّ مغلقٍ، ومن هنا فإنَّ دراسةَ الآثارِ الحضاريَّةِ لهذا التَّحوُّلِ تقتضي ألّا ننظرَ إلى الأيديولوجيا الدِّينيَّةِ باعتبارِها مجرَّدَ انحرافٍ في التَّفسيرِ، بل باعتبارِها مسارًا لإعادةِ إنتاجِ الواقعِ الاجتماعيِّ وفقَ ثنائيَّاتٍ مغلقةٍ: مؤمنٍ وغيرِ مؤمنٍ، داخلٍ وخارجٍ، موالٍ ومعادٍ، حقٍّ وباطلٍ، دونَ أنْ تظلَّ هناكَ مساحةٌ كافيةٌ للاختلافِ الإنسانيِّ الَّذي لا يعني بالضَّرورةِ عداوةً أو تهديدًا.
النّتيجةُ الأولى لهذا المسارِ هيَ تراجعُ القيمةِ الأخلاقيَّةِ لحسابِ قيمةِ الانتماءِ، فحينَ تصبحُ الجماعةُ هيَ المرجعيَّةَ العليا، قد يُقاسُ الإنسانُ بمقدارِ ولائِهِ لا بمقدارِ عدالتِهِ، ويُنظرُ إلى الموقفِ بحسبِ صاحِبِهِ لا بحسبِ حقيقتِهِ، ويصبحُ الخطأُ مقبولًا إذا صدرَ عن «نحنُ»، بينما يُرفضُ الصَّوابُ إذا جاءَ مِنَ «الآخرِ». وهذهِ النَّقلةُ شديدةُ الخطورةِ، لأنَّها تُخرجُ الأخلاقَ مِنْ مجالِ المبادئِ العامَّةِ إلى مجالِ الاصطفافِ الجماعيِّ، والقرآنُ الكريمُ يضعُ في مقابلِ هذا المنطقِ قاعدةً أخلاقيَّةً رفيعةً في قولهِ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النِّساءِ: 135].
القيمةُ هنا لا تتحدَّدُ بالانتماءِ، وإنَّما بالقدرةِ على الوقوفِ معَ العدلِ حتَّى عندما يكونُ العدلُ على حسابِ الذَّاتِ أو الجماعةِ أو الأقربينَ، وهذهِ قاعدةٌ تتناقضُ جذريًّا معَ المنطقِ الأيديولوجيِّ الَّذي يجعلُ الجماعةَ معيارًا للحقيقةِ والأخلاقِ، فالعدلُ القرآنيُّ لا يعرفُ «عدلًا للجماعةِ» و «عدلًا للآخرِ»، وإنَّما يضعُ الإنسانَ أمامَ مسؤوليَّةٍ أخلاقيَّةٍ تتجاوزُ الانتماءاتِ، ومن هنا يظهرُ أثرٌ حضاريٌّ بالغُ الخطورةِ: حينَ تتقدَّمُ الهُويَّةُ على الأخلاقِ، يصبحُ الدِّينُ قابلًا لأنْ يُستعملَ في تبريرِ ما كانَ يفترضُ أنْ يمنعَهُ، فقد تُستعملُ لغةُ الإيمانِ لتبريرِ التَّعصُّبِ، ولغةُ الدِّفاعِ عن الحقِّ لتبريرِ إلغاء الآخرِ، ولغةُ الغيرةِ على المقدَّسِ لتبريرِ العنفِ، وبذلكَ يحدثُ انقلابٌ في وظيفةِ القِيَمِ، إذْ تتحوَّلُ مِنْ ميزانٍ يُحاسَبُ الإنسانُ على أساسِهِ إلى أداةٍ يُحاسِبُ بها الإنسانُ الآخرينَ، ولا يتوقَّفُ هذا الأثرُ عندَ الجانبِ الأخلاقيِّ، بل يمتدُّ إلى بنيةِ العقلِ والثَّقافةِ، فالأيديولوجيا المغلقةُ تحتاجُ بطبيعتِها إلى تثبيتِ منظومتِها، ولذلكَ تميلُ إلى مقاومةِ السُّؤالِ الَّذي قد يكشفُ تناقضاتِها، وإلى رفضِ المراجعةِ الَّتي قد تهزُّ يقينَها، وإلى تضييقِ مساحةِ التَّفكيرِ الَّذي لا ينسجمُ معَ نتائجِها المسبقةِ.
هنا يتحوَّلُ العقلُ مِنْ أداةٍ للبحثِ عن الحقيقةِ إلى أداةٍ للدِّفاعِ عن حقيقةٍ سبقَ تحديدُها، وهذهِ من أخطرِ صورِ التَّحوُّلِ الأيديولوجيِّ، لأنَّ العقلَ لا يُلغى بالضَّرورةِ، بل قد يبقى حاضرًا، ولكنَّهُ يُستخدمُ في غيرِ وظيفتِهِ: لا لاكتشافِ الحقيقةِ، بل لتبريرِ الموقفِ المسبَقِ والدِّفاعِ عنهُ، ولهذا يلفتُ القرآنُ الكريمُ الإنسانَ إلى ضرورةِ النَّظرِ في العواقبِ وعدمِ الوقوفِ عندَ الظَّاهرِ، فيقولُ تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعامِ: 50].
فالتَّفكُّرُ في المنظورِ القرآنيِّ ليسَ ترفًا فكريًّا، وإنَّما هوَ وسيلةٌ لتمييزِ الحقائقِ وتجاوزِ القوالبِ الجاهزةِ، ومن ثمَّ فإنَّ الخطابَ الَّذي يخشى التَّفكيرَ الحرَّ ويعتبرُ السُّؤالَ خطرًا على الإيمانِ إنَّما يكشفُ، في الحقيقةِ، عن هشاشةِ بنيتِهِ البشريَّةِ، لأنَّ الحقيقةَ الَّتي تستمدُّ قوَّتَها مِنَ النَّصِّ لا تحتاجُ إلى إلغاء العقلِ لحمايتِها، ومنَ الآثارِ الحضاريَّةِ كذلكَ إضعافُ القدرةِ على التَّعايشِ معَ التَّنوُّعِ، فالمجتمعاتُ لا تتكوَّنُ مِنْ أفرادٍ متطابقينَ في أفكارِهم ومعتقداتِهم وثقافاتِهم، وإنَّما تتشكَّلُ مِنْ تعدُّدٍ في الرُّؤى والانتماءاتِ والمصالحِ والتَّجاربِ، وكلُّ مشروعٍ حضاريٍّ يريدُ الاستمرارَ يحتاجُ إلى تحويلِ هذا التَّعدُّدِ مِنْ مصدرٍ للصِّراعِ إلى مجالٍ للتَّفاعلِ والتَّكاملِ، أمَّا الأيديولوجيا المغلقةُ فإنَّها تميلُ إلى تفسيرِ التَّعدُّدِ باعتبارِهِ مشكلةً ينبغي حسمُها، لا حقيقةً ينبغي إدارتُها، ولذلكَ فإنَّها قد تُحوِّلُ الاختلافَ الفكريَّ إلى شكٍّ في النِّيَّاتِ، والاختلافَ الدِّينيَّ إلى تهديدٍ للهُويَّةِ، والاختلافَ السِّياسيَّ إلى خيانةٍ، ثمَّ تتدرَّجُ هذهِ الأحكامُ حتَّى تتحوَّلَ إلى قطيعةٍ اجتماعيَّةٍ، والقرآنُ الكريمُ يقدِّمُ في هذا السِّياقِ قاعدةً إنسانيَّةً شديدةَ العمقِ، إذْ يقولُ سُبْحانَهُ تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنةِ: 8].
تكشفُ هذهِ الآيةُ عن تمييزٍ بالغِ الأهميَّةِ بينَ الاختلافِ وبينَ العدوانِ، فالاختلافُ في ذاتهِ لا يحوِّلُ الآخرَ إلى عدوٍّ، ولا يسقطُ عنهُ حقَّهُ في البرِّ والقسطِ، وهذهِ القاعدةُ القرآنيَّةُ تنقضُ الأساسَ النَّفسيَّ الَّذي تقومُ عليهِ صناعةُ العدوِّ، لأنَّها تمنعُ تحويلَ مجرَّدِ الاختلافِ إلى مبرِّرٍ للكراهيةِ أو الظُّلمِ، ومنَ هنا فإنَّ الأثرَ الحضاريَّ للأيديولوجيا الدِّينيَّةِ لا يظهرُ فقطَ في الخطابِ الَّذي تُنتجُهُ، بل في نوعِ المجتمعِ الَّذي تسعى إلى بنائِهِ. فإذا كانَ المجتمعُ قائمًا على الثِّقةِ والحوارِ والقانونِ والمواطنةِ، أمكنَ للاختلافِ أنْ يتحوَّلَ إلى مصدرِ ثراءٍ، أمَّا إذا قامَ على الشَّكِّ المتبادلِ والتَّصنيفِ والإقصاءِ، فإنَّ الاختلافَ يتحوَّلُ إلى شرخٍ، والشَّرخُ إلى استقطابٍ، والاستقطابُ إلى صراعٍ، وقد ينتهي الصِّراعُ إلى عنفٍ يصعبُ احتواؤُهُ.
هنا تبرزُ نتيجةٌ أخرى لا تقلُّ خطورةً، وهيَ إضعافُ الطَّاقةِ الحضاريَّةِ للمجتمعِ، فالإبداعُ العلميُّ والفكريُّ والثَّقافيُّ يحتاجُ إلى بيئةٍ تسمحُ بالسُّؤالِ والتَّجربةِ والنَّقدِ والخطأِ والتَّصحيحِ، أمَّا البيئةُ الَّتي تُحوِّلُ كلَّ اختلافٍ إلى اتِّهامٍ، وكلَّ سؤالٍ إلى تشكيكٍ، وكلَّ مراجعةٍ إلى تمرُّدٍ، فإنَّها تنتجُ إنسانًا حذرًا مِنْ أفكارِهِ، متردِّدًا في التَّعبيرِ عنها، ومائلًا إلى تكرارِ المألوفِ بدلَ إنتاجِ الجديدِ.
أوَّلًا: تَراجُعُ الوظيفةِ الأخلاقيَّةِ للدِّينِ.
إنَّ أوَّلَ الآثارِ الحضاريَّةِ لتحويلِ الدِّينِ إلى أيديولوجيا هوَ تراجعُ وظيفتِهِ الأخلاقيَّةِ، فحينَ يصبحُ الانتماءُ إلى الجماعةِ مقدَّمًا على السُّلوكِ الأخلاقيِّ، قد يتحوَّلُ معيارُ الصَّلاحِ مِنَ العدلِ والأمانةِ والرَّحمةِ إلى مقدارِ الولاءِ للفكرةِ أو التَّنظيمِ أو الجماعةِ، وعندَئذٍ قد يجدُ الإنسانُ نفسَهُ أمامَ مفارقةٍ خطيرةٍ: يستطيعُ أنْ يكونَ شديدَ التَّديُّنِ في مظهرِهِ وخطابِهِ، لكنَّهُ قد يبرِّرُ ظلمًا أو إقصاءً أو كراهيةً لأنَّها تقعُ في مصلحةِ الجماعةِ الَّتي ينتمي إليها، وهنا لا يُطرحُ السُّؤالُ: «هل هذا الفعلُ عادلٌ؟»، بل يصبحُ: «هل يخدمُ جماعتَنا؟»، وهذهِ النَّقلةُ في معيارِ الحكمِ هيَ واحدةٌ مِنْ أخطرِ صورِ الانحرافِ، لأنَّها تنقلُ الأخلاقَ مِنْ مجالِ المبادئِ إلى مجالِ الولاءاتِ، والقرآنُ الكريمُ يضعُ ميزانًا أخلاقيًّا بالغَ الدِّقَّةِ حينَ يقولُ سُبحانه تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
]النِّساء: 58].
فالآيةُ تربطُ بينَ الأمانةِ والعدلِ، وتوجِّهُ الخطابَ إلى الحكمِ بينَ النَّاسِ، لا بينَ الأتباعِ وحدَهم. وفي ذلكَ تأسيسٌ لمبدأٍ حضاريٍّ مهمٍّ، وهوَ أنَّ القيمةَ الأخلاقيَّةَ لا تتغيَّرُ بتغيُّرِ الهُويَّةِ والانتماءِ. فالعدلُ لا يكونُ عدلًا إذا كانَ خاصًّا بأهلِ الجماعةِ، كما أنَّ الأمانةَ لا تتجزَّأُ بحسبِ القربِ والاختلافِ، ومن هنا فإنَّ الدِّينَ حينَ يفقدُ هذا البعدَ الأخلاقيَّ يتحوَّلُ تدريجيًّا إلى أداةٍ لتبريرِ المواقفِ، بدلَ أنْ يكونَ ميزانًا لمراجعتِها. وهذهِ هيَ إحدى أخطرِ نتائجِ الأيديولوجيا: أنْ تتحوَّلَ القِيَمُ مِنْ سلطةٍ على الإنسانِ إلى أدواتٍ يستخدمُها الإنسانُ لتبريرِ سلطتِهِ.
ثانيًا: إضعافُ العقلِ وتجميدُ القدرةِ على المراجعةِ.
منَ الآثارِ الحضاريَّةِ العميقةِ كذلكَ إضعافُ العقلِ النَّقديِّ، فالأيديولوجيا المغلقةُ تحتاجُ إلى يقينٍ غيرِ قابلٍ للاهتزازِ، ولذلكَ تنظرُ إلى السُّؤالِ بوصفِهِ خطرًا، وإلى النَّقدِ باعتبارِهِ تهديدًا، وإلى المراجعةِ بوصفِها تراجعًا أو ضعفًا، غيرَ أنَّ الحضاراتِ لا تتقدَّمُ بالعقلِ الَّذي يكرِّرُ نفسَهُ، وإنَّما بالعقلِ الَّذي يسألُ ويختبرُ ويقارنُ ويعيدُ النَّظرَ في المسلَّماتِ البشريَّةِ، وإذا أُغلِقَ بابُ المراجعةِ، فإنَّ الفكرةَ تتحوَّلُ إلى قالبٍ جامدٍ، والقالبُ الجامدُ يتحوَّلُ إلى سلطةٍ، والسُّلطةُ تحتاجُ إلى حمايةِ نفسِها، فتبدأُ بإنتاجِ آليَّاتِ الإقصاءِ، وقد دعا القرآنُ إلى عدمِ الاكتفاءِ بالظَّاهرِ وإلى النَّظرِ في العواقبِ والمعاني، فقالَ سُبْحانَهُ تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحَج: 46].
إنَّ دلالةَ الآيةِ هنا تتجاوزُ مجرَّدَ الدَّعوةِ إلى التَّفكُّرِ؛ فهيَ تلفتُ الانتباهَ إلى أنَّ العمى الحقيقيَّ قد يكونُ عمىً في القدرةِ على الفهمِ والإدراكِ، لا في العينِ الَّتي ترى. ومن ثمَّ فإنَّ أخطرَ ما يمكنُ أنْ يصيبَ الخطابَ الدِّينيَّ هوَ أنْ يمتلكَ الإنسانُ المعلوماتِ الدِّينيَّةَ، لكنَّهُ يفقدُ القدرةَ على النَّظرِ والنَّقدِ وربطِ النَّصِّ بمقاصدِهِ ونتائجِهِ.
ثالثًا: تفكيكُ النَّسيجِ الاجتماعيِّ وإعادةُ إنتاجِ الانقسامِ.
حينَ تتحوَّلُ الهُويَّةُ الدِّينيَّةُ إلى أيديولوجيا مغلقةٍ، فإنَّها قد تفقدُ قدرتَها على أنْ تكونَ عنصرًا جامعًا، وتتحوَّلُ إلى وسيلةٍ لإعادةِ تقسيمِ المجتمعِ. فبدلَ أنْ يكونَ الانتماءُ الدِّينيُّ مصدرًا للقِيَمِ المشتركةِ، قد يصبحُ وسيلةً لتحديدِ مَنْ هوَ «داخلُ الجماعةِ» ومَنْ هوَ «خارجُها»، هكذا تُنتجُ الأيديولوجيا خرائطَ اجتماعيَّةً جديدةً لا تقومُ بالضَّرورةِ على الجغرافيا، وإنَّما على الثِّقةِ والخوفِ والانتماءِ. وقد يعيشُ أفرادُ المجتمعِ في المكانِ نفسِهِ، ويتحدَّثون اللُّغةَ نفسَها، ويتشاركون التَّاريخَ نفسَهُ، لكنَّهم يشعرونَ أنَّهم ينتمونَ إلى عوالمَ متعارضةٍ.
إنَّ أخطرَ ما في هذا التَّقسيمِ أنَّهُ لا يبقى في المجالِ الفكريِّ، بل ينتقلُ إلى العلاقاتِ اليوميَّةِ، فيؤثِّرُ في الزَّواجِ والصَّداقةِ والعملِ والتَّعليمِ والمشاركةِ الاجتماعيَّةِ، ويحوِّلُ الاختلافَ الفكريَّ إلى مسافةٍ اجتماعيَّةٍ، والمسافةَ الاجتماعيَّةَ إلى قطيعةٍ، والقطيعةَ إلى خصومةٍ، ومن هنا تأتي أهميَّةُ النَّظرِ إلى التَّعدُّدِ باعتبارِهِ طاقةً حضاريَّةً يمكنُ إدارتُها، لا مرضًا اجتماعيًّا ينبغي القضاءُ عليهِ. فالقرآنُ الكريمُ يقولُ سُبحانَهُ تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هودٍ: 118].
وتكمنُ أهميَّةُ هذهِ الآيةِ في أنَّها تضعُ الاختلافَ ضمنَ حقيقةِ الاجتماعِ البشريِّ، لا بوصفِهِ حادثًا استثنائيًّا، ولذلكَ فإنَّ التَّحدِّي الحضاريَّ ليسَ في إلغاء الاختلافِ، وإنَّما في تطويرِ أدواتٍ أخلاقيَّةٍ وعقلانيَّةٍ لإدارتِهِ.
رابعًا: تراجعُ الإبداعِ الحضاريِّ.
إنَّ المجتمعَ الَّذي يخافُ مِنَ السُّؤالِ يخافُ بالضَّرورةِ مِنَ الإبداعِ، لأنَّ الإبداعَ يبدأُ غالبًا مِنْ فكرةٍ جديدةٍ، والفكرةُ الجديدةُ تحتاجُ إلى مساحةٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ تسمحُ للإنسانِ بأنْ يقولَ: ربَّما نستطيعُ أنْ نفهمَ الأمرَ بطريقةٍ أخرى.
أمَّا الأيديولوجيا المغلقةُ فتبحثُ عن الإجابةِ قبلَ أنْ تسمحَ بالسُّؤالِ، ولذلكَ قد تتحوَّلُ إلى بيئةٍ طاردةٍ للعقولِ الحرَّةِ، وعندما يضطرُّ المفكِّرُ إلى مراقبةِ أفكارِهِ خوفًا مِنَ الاتِّهامِ، ويضطرُّ الباحثُ إلى إخفاءِ نتائجِ بحثِهِ خوفًا مِنَ الرَّفضِ، ويخشى المبدعُ تقديمَ رؤيتِهِ خشيةَ التَّصنيفِ، فإنَّ المجتمعَ يبدأُ في فقدانِ أحدِ أهمِّ مصادرِ قوَّتِهِ: القدرةَ على إنتاجِ المعرفةِ الجديدةِ.
هكذا لا يكونُ التَّطرُّفُ خطرًا على السِّلمِ الاجتماعيِّ فقطَ، بل يصبحُ خطرًا على التَّنميةِ الحضاريَّةِ، لأنَّ الحضارةَ تحتاجُ إلى عقلٍ مفتوحٍ، وإلى تعدُّدٍ في وجهاتِ النَّظرِ، وإلى قدرةٍ مستمرَّةٍ على التَّجربةِ والخطأِ والتَّصحيحِ.
خامسًا: تحويلُ الدِّينِ مِنْ مصدرٍ للسَّلامِ الاجتماعيِّ إلى وقودٍ للصِّراعِ.
إنَّ من أخطرِ الآثارِ أنْ يصبحَ المقدَّسُ جزءًا مِنْ أدواتِ الصِّراعِ الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ، فالصِّراعُ البشريُّ بطبيعتِهِ قابلٌ للتَّسويةِ، لأنَّ أطرافَهُ يستطيعونَ مراجعةَ مصالحِهم وتغييرَ مواقفِهم، أمَّا عندما يُضفى على الصِّراعِ طابعٌ مقدَّسٌ، فقد يصبحُ التَّراجعُ عنهُ أصعبَ، لأنَّ التَّنازلَ لا يعودُ يُنظرُ إليهِ باعتبارِهِ تسويةً سياسيَّةً أو اجتماعيَّةً، بل قد يُقدَّمُ بوصفِهِ تنازلًا عن الدِّينِ نفسِهِ.
هنا تكمنُ الخطورةُ الكبرى: حينَ يُقدَّسُ الصِّراعُ، يصبحُ السَّلامُ موضعَ شبهةٍ، وحينَ تُقدَّسُ الجماعةُ، يصبحُ النَّقدُ خيانةً، وحينَ يُقدَّسُ التَّفسيرُ البشريُّ، تصبحُ المراجعةُ تمرُّدًا، وهذهِ هيَ النُّقطةُ الَّتي يبلغُ عندَها تحويلُ الدِّينِ إلى أيديولوجيا أخطرَ مراحِلِهِ، لأنَّ الإنسانَ لا يعودُ يقاتلُ دفاعًا عن مصلحةٍ قابلةٍ للتَّفاوضِ، بل قد يعتقدُ أنَّهُ يقاتلُ دفاعًا عن حقيقةٍ مقدَّسةٍ لا يجوزُ التَّراجعُ عنها.
سادسًا: تَراجُعُ قيمةِ الإنسانِ أمامَ قيمةِ الانتماءِ.
إنَّ النَّتيجةَ الأعمقَ لهذا المسارِ كلِّهِ هيَ أنَّ الإنسانَ قد يفقدُ مركزيَّتَهُ لصالحِ الجماعةِ، فبدلَ أنْ يكونَ الدِّينُ وسيلةً لتهذيبِ الإنسانِ وبناءِ ضميرِهِ، يصبحُ الإنسانُ نفسهُ وسيلةً لخدمةِ المشروعِ الأيديولوجيِّ، وهنا يحدثُ انقلابٌ في العلاقةِ بينَ الدِّينِ والإنسانِ: بدلَ أنْ تكونَ الفكرةُ في خدمةِ الإنسانِ، يصبحُ الإنسانُ في خدمةِ الفكرةِ، وبدلَ أنْ تكونَ القِيَمُ معيارًا للجماعةِ، تصبحُ الجماعةُ معيارًا للقِيَمِ.
هذا الانقلابُ هوَ الَّذي يفسِّرُ كيفَ يمكنُ لإنسانٍ أنْ يمارسَ القسوةَ وهوَ يعتقدُ أنَّهُ يمارسُ الفضيلةَ، وكيفَ يمكنُ أنْ يُقصي الآخرَ وهوَ يظنُّ أنَّهُ يحمي الحقيقةَ، وكيفَ يمكنُ أنْ يبرِّرَ العنفَ وهوَ يتصوَّرُ أنَّهُ يدافعُ عن المقدَّسِ، إنَّ المشكلةَ هنا ليستْ في غيابِ الدِّينِ، بل في اختطافِ الدِّينِ مِنْ وظيفتِهِ الأخلاقيَّةِ وإعادةِ توجيهِهِ لخدمةِ تصوُّرٍ بشريٍّ مغلقٍ.
سابعًا: مِنَ الانحرافِ الفكريِّ إلى الأزمةِ الحضاريَّةِ.
بهذا يتَّضحُ أنَّ تحوُّلَ الدِّينِ إلى أيديولوجيا يمرُّ بمسارٍ متدرِّجٍ، لا يحدثُ دفعةً واحدةً، يبدأُ حينَ يُختطَفُ النَّصُّ مِنْ سياقِهِ، ثمَّ يُحتكَرُ تفسيرُهُ، ثمَّ يُرفَعُ الفهمُ البشريُّ إلى مرتبةِ القداسةِ، ثمَّ تُقدَّسُ الجماعةُ الَّتي تحملُ هذا الفهمَ، ثمَّ يُوظَّفُ المقدَّسُ في المجالِ السِّياسيِّ والاجتماعيِّ، ثمَّ تُصنعُ صورةُ العدوِّ، ثمَّ يُعادُ تعريفُ الاختلافِ بوصفِهِ خطرًا، إلى أنْ يصبحَ العنفُ في بعضِ البيئاتِ نتيجةً قابلةً للتَّبريرِ، وهنا لا يعودُ الأمرُ مجرَّدَ انحرافٍ في التَّفسيرِ الدِّينيِّ، بل يتحوَّلُ إلى أزمةٍ في بنيةِ المجتمعِ نفسِهِ، لأنَّ الأيديولوجيا تكونُ قد أعادتْ تشكيلَ علاقةِ الإنسانِ بذاتِهِ، وبالآخرِ، وبالمجتمعِ، وبالسُّلطةِ، وبالحقيقةِ، ومن هنا يمكنُ القولُ إنَّ أخطرَ ما تفعلهُ الأيديولوجيا ليسَ أنْ تقدِّمَ تفسيرًا خاطئًا للدِّينِ، وإنَّما أنْ تجعلَ هذا التَّفسيرَ نظامًا شاملًا لإدارةِ الحياةِ والوعيِ والعلاقاتِ، وعندما تصلُ الفكرةُ إلى هذهِ المرحلةِ، يصبحُ الخروجُ منها أصعبَ، لأنَّ الإنسانَ لا يعودُ أمامَ رأيٍ يمكنُ مناقشتُهُ، بل أمامَ منظومةٍ كاملةٍ تحدِّدُ لهُ مَنْ يحبُّ، ومَنْ يكرهُ، ومَنْ يثقُ بهِ، ومَنْ يخافُ منهُ، ومَنْ يحقُّ لهُ أنْ يتحدَّثَ، ومَنْ يجبُ أنْ يصمتَ.
خاتِمَةٌ:
لهذا فإنَّ المواجهةَ الحقيقيَّةَ للأيديولوجيا الدِّينيَّةِ لا تكونُ بإلغاء الدِّينِ مِنَ المجالِ العامِّ، ولا بتحويلِ المجتمعِ إلى فضاءٍ خالٍ مِنَ القِيَمِ الرُّوحيَّةِ، وإنَّما تكونُ بإعادةِ الدِّينِ إلى مجالهِ الأخلاقيِّ والإنسانيِّ، وإعادةِ التَّفسيرِ البشريِّ إلى حدودهِ البشريَّةِ، وإعادةِ العقلِ إلى وظيفتِهِ النَّقديَّةِ، وإعادةِ الإنسانِ إلى مركزِ الاهتمامِ، فالقرآنُ الكريمُ يربطُ التَّغييرَ الاجتماعيَّ بإرادةِ الإنسانِ ومسؤوليَّتِهِ، فيقولُ تعالى:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [الرَّعدِ: 11].
وهذهِ الآيةُ تحملُ دلالةً حضاريَّةً بالغةَ الأهميَّةِ، إذْ تجعلُ المُحافظةُ على الإنْسانِ من أمر الله تَعالى، وتَجعلُ التَّغييرَ الحقيقيَّ مرتبطًا بتحوُّلٍ يبدأُ مِنَ الدَّاخلِ، مِنَ الوعيِ والقِيَمِ والسُّلُوكِ، لا بمجرَّدِ تغييرِ الشِّعاراتِ أو تبديلِ الهُويَّاتِ الخارجيَّةِ، ولذلكَ فإنَّ إصلاحَ الخطابِ الدِّينيِّ لا يمكنُ أنْ يكونَ إصلاحًا شكليًّا، بل يحتاجُ إلى مراجعةِ البنيةِ الفكريَّةِ الَّتي تسمحُ بتحويلِ المقدَّسِ إلى أداةٍ للهيمنةِ، وفي المُحصِّلةِ، فإنَّ الفرقَ بينَ الدِّينِ والأيديولوجيا لا يُقاسُ بعددِ الشِّعاراتِ الدِّينيَّةِ الَّتي يرفعُها الخطابُ، ولا بكثرةِ النُّصوصِ الَّتي يستشهدُ بها، وإنَّما يُقاسُ بالإنسانِ الَّذي يُنتجُهُ، وبالمجتمعِ الَّذي يبنيهِ، وبالأخلاقِ الَّتي يرسِّخُها، وبالعلاقةِ الَّتي يؤسِّسُها معَ المختلفِ، فإذا أنتجَ الخطابُ إنسانًا أكثرَ عدلًا وتواضعًا ورحمةً، وفتحَ أمامَهُ أبوابَ العقلِ والحوارِ والمسؤوليَّةِ، وأصبحَ الاختلافُ عندَهُ مجالًا للتَّعارفِ لا سببًا للكراهيةِ، فإنَّ الدِّينَ يكونُ قد أدَّى وظيفتَهُ الحضاريَّةَ، أمَّا إذا أنتجَ إنسانًا يرى نفسَهُ مالكًا للحقيقةِ المُطْلَقةِ، ويقيسُ الآخرينَ بمقدارِ قربِهم مِنْ جماعتِهِ، ويحوِّلُ الاختلافَ إلى تهديدٍ، ويستعملُ المقدَّسَ لتبريرِ الإقصاءِ أو الهيمنةِ أو العنفِ، فإنَّنا لا نكونُ أمامَ الدِّينِ في وظيفتِهِ الأخلاقيَّةِ، وإنَّما أمامَ أيديولوجيا ترتدي لغةَ الدِّينِ وتستمدُّ منهُ شرعيَّةً رمزيَّةً لتبريرِ مشروعٍ بشريٍّ.
من هنا نصلُ بهذا الطّرْحِ إلى نتيجةٍ مركزيَّةٍ: إنَّ تحوُّلَ الدِّينِ إلى أيديولوجيا لا يبدأُ عندما يُستعمَلُ الدِّينُ في السِّياسةِ فقطَ، ولا عندما يظهرُ العنفُ فقطَ، وإنَّما يبدأُ في اللحظةِ الَّتي يفقدُ فيها الإنسانُ قدرتَهُ على التَّمييزِ بينَ الوحيِ وفهمِهِ، وبينَ الحقيقةِ واحتكارِها، وبينَ الإيمانِ والانتماءِ، وبينَ الدَّعوةِ والهيمنةِ، وبينَ الاختلافِ والعداوةِ، وعندما تضيعُ هذهِ الحدودُ، يصبحُ المقدَّسُ قابلًا للاختطافِ، ويصبحُ النَّصُّ قابلًا للتَّوظيفِ، ويصبحُ الإنسانُ قابلًا للتَّعبئةِ، ويصبحُ الآخرُ قابلًا للإقصاءِ، أمَّا استعادةُ الدِّينِ إلى وظيفتِهِ الحضاريَّةِ، فتبدأُ باستعادةِ هذهِ الحدودِ جميعِها، وإعادةِ الاعتبارِ إلى العقلِ، والعدلِ، والحُرِّيَّةِ، والمسؤوليَّةِ، والتَّعدُّدِ، والكرامةِ الإنسانيَّةِ.
هكذا فإنَّ تحريرَ الدِّينِ مِنَ الأيديولوجيا ليسَ تحريرًا للدِّينِ مِنَ المجتمعِ، بل تحريرٌ للإنسانِ مِنْ استخدامِ المقدَّسِ في إخضاعِهِ، وليسَ إبعادًا للإيمانِ عن الحياةِ، بل إعادةٌ للإيمانِ إلى وظيفتِهِ الأسمى: أنْ يبنيَ ضميرًا قادرًا على التَّمييزِ، وعقلًا قادرًا على السُّؤالِ، وإنسانًا قادرًا على العيشِ معَ المختلفِ دونَ أنْ يفقدَ إيمانَهُ أو إنسانيَّتَهُ، وبذلكَ يكونُ السّؤالُ: «كيفَ يتحوَّلُ الدِّينُ إلى أيديولوجيا؟» قد اكتملَ في مسارِهِ الدَّاخليِّ: مِنْ اختطافِ النَّصِّ إلى احتكارِ تفسيرِهِ، ومِنْ تقديسِ الفكرةِ إلى تقديسِ الجماعةِ، ومِنْ تسييسِ المقدَّسِ إلى صناعةِ العدوِّ، ومِنْ صناعةِ العدوِّ إلى الآثارِ الحضاريَّةِ الَّتي تصيبُ الإنسانَ والمجتمعَ عندما يتحوَّلُ الدِّينُ مِنْ رسالةٍ تُصلحُ الحياةَ إلى أيديولوجيا تُدارُ بها الصِّراعاتُ، ومن ثمَّ فإنَّ الأيديولوجيا المغلقةَ لا تُضعفُ المجتمعَ سياسيًّا وأخلاقيًّا فحسبُ، بل قد تُضعفُ قدرتَهُ على إنتاجِ المعرفةِ والإبداعِ والتَّجديدِ، والحضارةُ الَّتي تفقدُ قدرتَها على التَّجديدِ تبدأُ في الدُّخولِ في حالةٍ مِنَ الجمودِ، حتَّى وإنْ حافظتْ على كثيرٍ مِنَ الشَّعاراتِ والمظاهرِ الخارجيَّةِ.
الأخطرُ مِنْ ذلكَ أنَّ الأيديولوجيا قد تعيدُ تعريفَ مفهومِ النَّجاحِ نفسِهِ، فلا يعودُ الإنسانُ النَّاجحُ هوَ الَّذي يضيفُ إلى الحياةِ معرفةً أو خيرًا أو عدلًا، وإنَّما قد يصبحُ النَّاجحُ هوَ الأكثرُ ولاءً للجماعةِ، والأشدُّ دفاعًا عن خطابِها، والأقدرُ على مواجهةِ خصومِها، وهنا تنتقلُ المعاييرُ الحضاريَّةُ مِنَ الإنتاجِ والبناءِ والإصلاحِ إلى الولاءِ والصِّراعِ والتَّعبئةِ،
وفي هذهِ المرحلةِ يصبحُ الدِّينُ، بدلَ أنْ يكونَ مصدرًا لتوسيعِ دائرةِ المسؤوليَّةِ، وسيلةً لتضييقِها، إذْ يشعرُ الفردُ بأنَّ واجبَهُ الأخلاقيَّ الأوَّلَ هوَ حمايةُ الجماعةِ، حتَّى إذا تعارضَ ذلكَ معَ مقتضياتِ العدلِ العامِّ، وهنا يبرزُ أحدُ أخطرِ التَّناقضاتِ الَّتي تنتجُها الأيديولوجيا: أنْ يصبحَ الوفاءُ للجماعةِ أكثرَ قداسةً مِنَ الوفاءِ للقيمةِ الَّتي يفترضُ أنَّ الجماعةَ قد قامتْ من أجلِها، إنَّ هذهِ النَّتيجةَ تكشفُ أنَّ الأزمةَ ليستْ في الدِّينِ بوصفِهِ مصدرًا للقِيَمِ، وإنَّما في تحويلِهِ إلى هُويَّةٍ صراعيَّةٍ مغلقةٍ، فحينَ يكونُ الدِّينُ أخلاقًا، يُصبحُ الإنسانُ غايةً في الإصلاحِ، وحينَ يصبحُ الدِّينُ أيديولوجيا، قد يتحوَّلُ الإنسانُ إلى وسيلةٍ لخدمةِ المشروعِ الأيديولوجيِّ، ومن هنا يمكنُ فهمُ الأثرِ الحضاريِّ الأعمقِ: إنَّ تحويلَ الدِّينِ إلى أيديولوجيا يقلبُ العلاقةَ بينَ المقدَّسِ والإنسانِ، فبدلَ أنْ تكونَ القِيَمُ الدِّينيَّةُ ميزانًا تُراجعُ الجماعةُ نفسَها في ضوئِهِ، تصبحُ الجماعةُ هيَ الَّتي تحدِّدُ كيفَ تُفهمُ القِيَمُ وكيفَ تُطبَّقُ وعلى مَنْ تُطبَّقُ، وعندَئذٍ يصبحُ المقدَّسُ محكومًا بالتَّفسيرِ البشريِّ، ولكنَّ هذا التَّفسيرَ يُقدَّمُ للنَّاسِ على أنَّهُ المقدَّسُ نفسُهُ.
هنا تكتملُ الحلقةُ الَّتي بدأناها: اختطافُ النَّصِّ يقودُ إلى احتكارِ تفسيرِهِ، واحتكارُ التَّفسيرِ يقودُ إلى تقديسِ الفكرةِ، وتقديسُ الفكرةِ يقودُ إلى تقديسِ الجماعةِ، وتقديسُ الجماعةِ يفتحُ البابَ أمامَ تسييسِ المقدَّسِ، وتسييسُ المقدَّسِ يحتاجُ إلى صناعةِ عدوٍّ، وصناعةُ العدوِّ تُنتجُ الانقسامَ، والانقسامُ حينَ يُشرعَنُ دينيًّا يمكنُ أنْ يتحوَّلَ إلى عنفٍ، والعنفُ في نهايتِهِ لا يهدمُ الآخرَ وحدَهُ، بل يهدمُ جزءًا مِنَ البنيةِ الأخلاقيَّةِ والحضاريَّةِ للمجتمعِ نفسِهِ، ولذلكَ فإنَّ مواجهةَ هذا المسارِ لا تكونُ بإقصاءِ الدِّينِ مِنَ الحياةِ، ولا بتحويلِ المجتمعِ إلى فضاءٍ خالٍ مِنَ القِيَمِ الرُّوحيَّةِ، وإنَّما تكونُ بإعادةِ التَّمييزِ بينَ الوحيِ وفهمِ الوحيِ، وبينَ المقدَّسِ والبشريِّ، وبينَ الإيمانِ والهُويَّةِ، وبينَ الدَّعوةِ والهيمنةِ، وبينَ الاختلافِ والعداوةِ، فالدِّينُ لا يفقدُ قيمتَهُ الحضاريَّةَ لأنَّهُ حاضرٌ في المجالِ العامِّ، بل يفقدُها عندما يُختزلُ في مشروعٍ لإخضاعِ المجالِ العامِّ لإرادةِ جماعةٍ تدَّعي امتلاكَ الحقيقةِ النَّهائيَّةِ، والحضورُ الدِّينيُّ الَّذي يحفظُ للإنسانِ حُرِّيَّتَهُ وكرامتَهُ، ويقيمُ العدلَ، ويصونُ التَّنوُّعَ، ويعترفُ بحقِّ المختلفِ، يمكنُ أنْ يكونَ عنصرًا مِنْ عناصرِ البناءِ الحضاريِّ، أمَّا الحضورُ الَّذي يجعلُ المقدَّسَ غطاءً للهيمنةِ والإقصاءِ، فإنَّهُ ينقلُ الدِّينَ مِنْ مجالِ بناءِ الضَّميرِ إلى مجالِ إدارةِ الصِّراعِ، وعليهِ، فإنَّ المعيارَ الأعمقَ لقياسِ سلامةِ الخطابِ الدِّينيِّ ليسَ مقدارَ ما يرفعهُ مِنْ شعاراتٍ مقدَّسةٍ، وإنَّما نوعُ الإنسانِ الَّذي يصنعُهُ، ونوعُ المجتمعِ الَّذي يُسهمُ في بنائِهِ، ونوعُ العلاقةِ الَّتي يقيمُها معَ المختلفِ، فإذا أنتجَ إنسانًا أكثرَ عدلًا ورحمةً وتواضعًا وقدرةً على التَّفكيرِ والحوارِ، فقد حافظَ على وظيفتِهِ الحضاريَّةِ، وإذا أنتجَ إنسانًا أسيرًا للولاءِ، خائفًا مِنَ السُّؤالِ، معاديًا للمختلفِ، مستعدًّا لتبريرِ الظُّلمِ باسمِ الجماعةِ أو المقدَّسِ، فإنَّنا نكونُ أمامَ منظومةٍ أيديولوجيَّةٍ، مهما ارتدتْ مِنْ لغةٍ دينيَّةٍ.
هكذا يتبيَّنُ أنَّ أخطرَ آثارِ تحويلِ الدِّينِ إلى أيديولوجيا ليسَ أنَّهُ يُغيِّرُ طريقةَ فهمِ الدِّينِ فحسبُ، بل أنَّهُ يُغيِّرُ طريقةَ الإنسانِ في رؤيةِ نفسِهِ والآخرِ والعالمِ، فينقلُهُ مِنْ إنسانٍ مسؤولٍ أمامَ اللهِ إلى تابعٍ أمامَ الجماعةِ، ومِنْ عقلٍ يبحثُ عن الحقيقةِ إلى عقلٍ يدافعُ عن الحقيقةِ الَّتي قيلَ لهُ إنَّهُ يملكُها، ومِنْ اختلافٍ يمكنُ أنْ يكونَ مصدرًا للتَّعارفِ إلى خصومةٍ تُبنى عليها الهُويَّاتُ والصِّراعاتُ، وعندَ هذهِ النُّقطةِ تحديدًا، لا يكونُ الخطرُ على الدِّينِ وحدَهُ، بل على الإنسانِ والعمرانِ والحضارةِ معًا.