الماضي الجميل يشدّني إليه
الماضي الجميل يشدّني إليه ، كلّما أثقل الحاضرُ روحي ، وكلّما شعرتُ أنّ شيئًا عزيزًا قد تسلّل من بين أيدينا ولم ننتبه إلى فقدانه . أحنّ إلى ذلك الزمن البسيط ، حين كانت الحياة أقلّ ترفًا ، ولكنّها أكثر دفئًا ، وحين كان البيت متواضعًا ، لكنّ أبوابه وقلوب أهله مفتوحة للجميع . لم تكن الجيوب ممتلئة ، ولم تكن الموائد تعرف ما تعرفه موائد اليوم من وفرة ، لكنّ القلوب كانت عامرةً بالقناعة ، والنفوس تعرف معنى الرضا ، والجارُ كان جارًا حقيقيًّا ، والإنسانُ للإنسان كان سندًا وسترًا وأمانًا . أحنّ إلى وجوه الناس يوم كانت الابتسامة صادقة ، والكلمة لها وزنها ، والوعد عهدًا ، والضيفُ صاحبَ دار، ومساعدة المحتاج واجبًا لا مِنّة ، واحترام الكبير خُلُقًا لا يحتاج إلى تعليم. كان الفقر موجودًا نعم والف نعم .....
وكان العوز يطرق أبوابًا كثيرة ... نعم لكنّ الفقر لم يكن قادرًا على أن يُفقر القلوب . كان الناس يتقاسمون الرغيف ، وربما كانت لقمةٌ صغيرة تُشبِع أكثر من مائدةٍ فاخرة ، لأنّها كانت تُقدَّم بالمحبة. وكان الفرح يسكن في أشياء بسيطة : جلسةٌ أمام البيت مع فنجان من القهوة ، حديثٌ مع جار ، ضحكةُ طفل بريء ، أو لقاءٌ عابر يتحوّل إلى ذكرى لا تُنسى .
أين ذهبت تلك الأخلاق الجميلة التي كانت تلوّن المجتمع ؟ سؤال يراودني كثيرًا .. أين ذهب ذلك الحياء الذي كان يزيّن الوجوه ، وتلك الشهامة التي كانت ترفع قدر الرجال والنساء ، وتلك الرحمة التي كانت تجعل الناس يشعرون بآلام بعضهم بعضًا ؟ لا أقول إنّ الماضي كان كاملًا ، فما من زمنٍ يخلو من النقص ، ولكنني أشتاق إلى روح ذلك الزمن… إلى بساطته وعفويته ، إلى ناسه الذين كانوا يملكون القليل ، لكنهم يمنحون الكثير واتوق الى محبّة طاغية لا الى عنف مستشرٍ وقتل يخربش كلّ مساءاتنا .
وربما لهذا يشدّني الماضي إليه كلّما تقدّم بي العمر؛ لا لأنني أريد أن أعود إلى الوراء ، بل لأنني أتمنى أن يعود إلينا شيءٌ من ذلك الجمال ، وأن تعود المحبة إلى القلوب والرحمة إلى النفوس ، والصدق إلى الكلمات ، وأن يبقى الإنسان إنسانًا بعيدًا عن اللون والمعتقد والفكر المختلف .. فما أجمل أن نتقدّم إلى المستقبل ، دون أن نترك خلفنا أجمل ما علّمنا إيّاه الماضي. فالماضي الجميل لا يعيش في السنين التي مضت ، بل يعيش فينا… ما دمنا نحفظه في القلب ونورثه لأبنائنا .