كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

المحكمة في زمن الانحدار: حين يصبح المناخ السياسي حكماً مسبقاً

محمد دراوشة · 01/10/2026 الساعة 21:08

لا أتعامل مع ما يجري اليوم وكأنه مجرد معركة قانونية عابرة أو خلاف انتخابي محدود. ما أراه أعمق من ذلك بكثير. أراه انعكاساً لتحول خطير أصاب المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، تحول لم يعد يقتصر على صعود أحزاب يمينية متطرفة أو تشكيل حكومات أكثر تشدداً، بل وصل إلى مستوى المساس بالأسس التي يُفترض أن تقوم عليها أي دولة تدّعي الديمقراطية: المواطنة المتساوية، والمساواة أمام القانون، وشرعية الاختلاف السياسي.

من وجهة نظري، شهد الشارع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة عملية تطرف متسارعة ومقلقة. لقد تراجع الحديث عن المواطنة المشتركة لصالح خطاب يقوم بصورة متزايدة على الهوية القومية والإقصاء والتخوين. ولم يعد الفلسطيني المواطن في إسرائيل يُنظر إليه، في كثير من الأحيان، باعتباره مواطناً كامل الحقوق، بل باعتباره مواطناً مشروط القبول، تُراجع شرعيته السياسية باستمرار وتُفرض عليه اختبارات ولاء يومية، لا تُفرض طبعاً على المواطنين اليهود.

وأرى أن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط اتساع دائرة العنصرية في الخطاب العام، بل تحوّلها تدريجياً إلى جزء من الثقافة السياسية السائدة. فما كان يُعتبر في الماضي تصريحاً متطرفاً أو هامشياً أصبح اليوم يُقال من على المنصات الرسمية ومن داخل مراكز صنع القرار. وما كان يُعدّ انتهاكاً واضحاً لمبدأ المساواة أصبح يُقدَّم باعتباره أمراً طبيعياً أو مبرراً تحت شعارات مختلفة.

بالنسبة لي، فإن المجتمع الذي يبدأ بالتشكيك في مساواة مواطنيه أمام القانون يكون قد وضع قدمه الأولى على طريق خطير. وعندما تصبح الحقوق مرتبطة بالهوية القومية لا بالمواطنة، وعندما يُقاس استحقاق الفرد لحقوقه وفق انتمائه لا وفق إنسانيته، فإننا نكون أمام انحدار متسارع نحو شكل من أشكال العنصرية المؤسساتية التي تهدد أسس الحياة الديمقراطية نفسها.

ولهذا يصعب عليّ النظر إلى المحكمة باعتبارها مؤسسة معزولة تماماً عن هذا الواقع. فالقضاة يعيشون داخل المجتمع نفسه، ويتأثرون بالمناخ السياسي نفسه، ويعملون في ظل واقع أراه يندفع بصورة متزايدة نحو التطرف والإقصاء. وحتى عندما يلتزم القاضي بالنص القانوني، يبقى السؤال قائماً: إلى أي مدى يمكن للقانون نفسه أن يبقى محصناً عندما يتغير المزاج العام بهذه السرعة وبهذا العمق؟

ما يثير قلقي ليس فقط قرارات المحكمة، بل حالة الإجماع المتنامية ضد كل من يخرج عن الخط السياسي السائد. فعندما يصبح استهداف المعارض أمراً عادياً، وعندما يُنظر إلى الحقوق السياسية باعتبارها امتيازاً يمكن سحبه لا حقاً أصيلاً يجب حمايته، فإن المجتمع يكون قد خطا خطوات إضافية نحو تطبيع الإقصاء وإضعاف التعددية السياسية.

وفي هذا السياق، أجد نفسي مختلفاً أيضاً مع سامي أبو شحادة. فمنذ عام 2023 كان لدي انطباع بأنه لم يدرك حجم التحول الذي أصاب الدولة والمجتمع ومؤسسات اتخاذ القرار. بدا لي وكأن قراءته ما زالت تستند إلى قواعد سياسية تعود إلى مرحلة سابقة، بينما كانت الأرض تتحرك بسرعة تحت أقدام الجميع.

واليوم، في هذه المعركة الانتخابية، ينتابني الشعور ذاته. فما زلت أرى فجوة بين خطورة اللحظة السياسية وبين طريقة التعاطي معها. وكأن هناك رهاناً مستمراً على أن المؤسسة ستتصرف وفق مبادئها المعلنة، بينما تشير التطورات، في نظري، إلى أن المناخ السياسي أصبح عاملاً حاسماً في رسم حدود الممكن والممنوع.

إن المشكلة ليست في قرار محكمة هنا أو في جلسة قضائية هناك. المشكلة، كما أراها، هي أن المجتمع الإسرائيلي يمر بعملية إعادة تعريف لمفهوم المواطنة نفسه. وكلما ازداد التطرف، تراجعت المساواة. وكلما تراجعت المساواة، أصبح من الأسهل تبرير التمييز. وكلما جرى تطبيع التمييز، اقتربت المؤسسات أكثر من تبنيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لهذا لا أرى القضية الحالية حدثاً منفصلاً، بل حلقة في مسار أوسع من الانحدار السياسي والأخلاقي. مسار يجعل الحديث عن المساواة أقل حضوراً، ويجعل الإقصاء أكثر شرعية، ويجعل الاعتراض على هذا الواقع يبدو وكأنه خروج عن الإجماع. ومن هنا ينبع خوفي الحقيقي: ليس من قرار بعينه، بل من مجتمع يتجه بوتيرة متسارعة نحو قبول ما كان يُعتبر في السابق غير مقبول، ومن مؤسسات أخشى أنها لم تعد تملك القدرة أو الإرادة الكافية للوقوف في وجه هذا التيار.

ومع كل هذا القلق والغضب، فإن هدفي ليس الدعوة إلى إقصاء أحد أو نزع حقوق أي طرف. على العكس تماماً. إن المخرج الوحيد من هذا المسار الخطير يكمن في العودة إلى المبدأ الأبسط والأكثر عدالة: المساواة الكاملة بين جميع المواطنين، دون تمييز على أساس القومية أو الدين أو الهوية. فالديمقراطية لا تُقاس بحقوق الأغلبية فقط، بل بقدرتها على حماية حقوق الأقلية أيضاً. والمواطنة لا تكون مواطنة إذا كانت مشروطة بالولاء الفكري أو الانتماء القومي.
أؤمن بأن العربي واليهودي يجب أن يتمتعا بالحقوق السياسية والمدنية نفسها، وأن يخضعا للقانون نفسه، وأن يحظيا بالحماية نفسها. وكل مشروع سياسي أو قانوني ينتقص من هذا المبدأ إنما يدفع المجتمع خطوة إضافية نحو الانقسام والكراهية وفقدان الثقة المتبادلة.
لذلك، فإن معركتنا الحقيقية ليست من أجل مقعد برلماني أو قرار قضائي أو انتصار انتخابي عابر، بل من أجل الدفاع عن فكرة المساواة نفسها. فإما أن تكون المساواة حقاً للجميع بلا استثناء، وإما أن تتحول إلى امتياز يمنحه الأقوياء لمن يشاؤون ويسحبونه ممن يشاؤون. وفي اللحظة التي يحدث فيها ذلك، لا يخسر المتضررون المباشرون وحدهم، بل يخسر كل المواطنين والمجتمع ومستقبل العيش المشترك بأكمله. فالمساواة ليست مطلباً لفئة دون أخرى، بل هي الشرط الأساسي لأي مستقبل يمكن أن يقوم على العدالة والكرامة والاحترام المتبادل.

محمد دراوشة
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع