قررت لمن سأعطي صوتي
قررت لمن سأعطي صوتي
بقلم: محمد سامي محاميد
لم أدخل يومًا إلى غرف التصويت لأختار قائمة، ولم أحتج يومًا إلى مقارنة الأسماء على الورقة. موقفي من المشاركة في انتخابات الكنيست لم يكن سرًا، ولم يكن وليد هذه الانتخابات. ومع ذلك، أستطيع اليوم أن أقول بثقة: قررت لمن سأعطي صوتي. والأغرب أن الاسم الذي اخترته لن تجده بين القوائم. وحين فكرت في ذلك، خطرت في بالي مدينة سقطت قبل آلاف السنين: طروادة. لم تسقط لأن أسوارها كانت ضعيفة، ولا لأن أعداءها نجحوا في اقتحامها بالقوة؛ سقطت لأن أهلها أدخلوا بأيديهم شيئًا ظنوه مكسبًا.
بعد أن عجز اليونانيون عن اقتحام المدينة، تركوا أمام أسوارها حصانًا خشبيًا ضخمًا وأوهموا أهلها أنهم انسحبوا. بدا الحصان غنيمة، فأدخله أهل طروادة إلى مدينتهم، من دون أن يعلموا أن جنودًا كانوا مختبئين داخله. والمفارقة أن أهل طروادة رأوا الحصان جيدًا؛ لم يكن هو المخفي عنهم، بل ما يحمله معه. ربما لهذا لم أشعر يومًا أن السؤال الذي يعنيني هو: لمن سأصوّت؟ بل: ما الذي أكون قد وافقت عليه حين أمنح صوتي؟ فالأفكار والمواقف لا تدخل حياتنا دائمًا بأسمائها الصريحة؛ أحيانًا تدخل باعتبارها تنازلًا صغيرًا، أو ضرورة مؤقتة، أو تكيفًا مع واقع لا نستطيع تغييره، ثم نكتشف بعد سنوات أنها غيّرت شيئًا في الطريقة التي نرى بها أنفسنا.
وهذه ليست مسألة سياسية فقط. نحن نعيش في عالم تعبر فيه الحدود المفاهيم والقيم وأنماط الحياة كما تعبرها التكنولوجيا والسلع. والانفتاح ليس المشكلة؛ المشكلة أن يتحول إلى ذوبان. فالهوية لا تضيع دائمًا حين تُنتزع منك، بل قد تتآكل بهدوء حين يصبح ما كان ثابتًا قابلًا لإعادة التعريف. وأخطر التحولات ليست دائمًا تلك التي تُفرض دفعة واحدة، بل تلك التي نتكيف معها خطوة بعد أخرى حتى تصبح جزءًا منا.
كذبة البراغماتية: منصور عباس وتآكل الهوية
منصور عباس لا يخفي نهجه السياسي. مشاركة الموحدة في الائتلاف الحكومي عام 2021 كانت محطة مركزية في مشروع يقوم على التأثير من داخل الائتلافات الإسرائيلية، والمسار الذي يطرحه يقوم على توسيع دوائر الشراكة السياسية. ويُسوَّق هذا النهج تحت عنوان "البراغماتية": ميزانيات، مكافحة للجريمة، حلول للسكن، وتأثير من داخل دوائر القرار. لكن الوعود ليست إنجازات، والعناوين ليست نتائج؛ وقبل أن تسأل ماذا وُعدت بأن تحصل عليه، اسأل أولًا ماذا يُطلب منك سياسيًا وأخلاقيًا مقابل هذا الطريق.
فالميزانيات حق، ومكافحة الجريمة حق، والسكن والبنية التحتية حقوق؛ وليست أثمانًا ينبغي دفعها من رصيدنا القومي والأخلاقي مقابل الحصول عليها. البراغماتية تغيّر الوسائل للوصول إلى الحق، أما حين يبدأ تعريف الحق نفسه بالتقلص حتى يلائم الوسيلة، فنحن لم نعد أمام تغيير في الأدوات، بل أمام تغيير في السقف الذي نقبل به. والتنازل نادرًا ما يطرق الباب معلنًا عن نفسه؛ يأتي باسم الواقعية مرة، والتأثير مرة، ومنع الأسوأ مرة أخرى، حتى يصبح ما كان بالأمس خطًا أحمر اليوم موضوعًا للتفاوض. فالمجتمعات لا تفقد هويتها دفعة واحدة؛ تفقدها بالتقسيط.
المشتركة ومنصور: هل الاختلاف في الطريق أم في نهايته؟
رغم تحفظي العميق على نهج منصور عباس، فإنني أحسب له أمرًا واحدًا: أنه واضح في مشروعه ولا يخفي أجندته السياسية. هو يقول للناس بصورة مباشرة إن طريقه يقوم على الشراكة والتأثير من داخل الائتلافات الصهيونية. نعم اني أختلف معه في أصل الطريق وفي السقف الذي يقود إليه، لكنني أعرف على الأقل أي مشروع يعرضه على المجتمع.
أما بالنسبة للمشتركة، فالمسألة أكثر تعقيدًا. تدخل قوى فيها بخطاب قومي يبدو أبعد بكثير عن نهج منصور عباس، والفروق موجودة فعلًا ولا يصح محوها. لكن السؤال لا يتعلق بالخطاب وحده، بل بما يحدث حين تنتهي الانتخابات وتبدأ حسابات التوصية والتفاهمات السياسية: هل الخلاف بين الطريقين جوهري، أم أنه مجرد اختلاف في الأسلوب والحدود؟
وتجربة المشتركة نفسها تضع هذا السؤال على الطاولة. ففي سبتمبر 2019 جاءت التوصية ببيني غانتس من ثلاثة مكونات في المشتركة وباسم عشرة من نوابها الثلاثة عشر، بينما لم تشمل ثلاثة من النواب. والفارق مهم، لكنه يجعل السؤال أكثر وضوحًا: هل القضية في اسم السياسي الصهيوني الذي يمكن التوصية عليه، أم في أن البحث عن الصهيوني "الأفضل" أصبح أصلًا أحد خيارات السياسة العربية؟
فلا يكفي أن تعرف من يرفع السقف أعلى أثناء الحملة؛ الأهم أن تعرف أين يستقر هذا السقف بعد فرز الأصوات. فالورقة التي تضعها في الصندوق تتحول إلى مواقف وتوصيات وتفاهمات وقرارات تتخذ باسمك. والتفويض لا يتوقف عند الموقف القومي؛ فمن يتحدث باسمك سياسيًا يحمل معه أيضًا تصورًا للمجتمع الذي يريد أن يمثله وللقيم التي يريد لها أن تتقدم داخله. والسؤال عن الرصيد القومي يقود إلى نصفه الآخر: ماذا يحدث لرصيدنا الأخلاقي حين تتغير حدود القيم؟
صوتك يحمل منظومة قيمية أيضًا
الصوت لا يحمل موقفًا من الأرض والحقوق القومية والمدنية والتحالفات السياسية فقط؛ إنه يحمل أيضًا منظومة قيم. ولا أرى سببًا للالتفاف حول الكلمات هنا: الموقف من المثلية وتعريف الأسرة من القضايا التي تدخل بالنسبة إليّ في صميم السؤال القيمي، وليست هامشًا يمكن فصله عن السياسة. فإذا كنت أرفض موقفًا ما انطلاقًا من مرجعيتي الدينية والاجتماعية، فلن يصبح مقبولًا عندي لمجرد أن صاحبه يتحدث في الوقت نفسه بخطاب قومي.
ولهذا لا يكفيني أن أعرف مواقف السياسيين من الأرض والاحتلال والحقوق القومية. عندما يتحدث سامي أبو شحادة، أو أمجد شبيطة، السكرتير العام للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، أو غيرهما عن المثلية، فإن هذه المواقف تدخل أيضًا في معنى التمثيل بالنسبة إليّ. لا أحتاج إلى خصومهم كي يشرحوا لي مواقفهم، ولا إلى أنصارهم كي يجمّلوها؛ يستطيع الناس العودة إلى تصريحاتهم ومقابلاتهم والمقاطع المصورة والاستماع إليهم مباشرة. ولا أستطيع أن أجزئ هويتي عند صندوق الاقتراع فأضع ديني وقيمي جانبًا. من يطلب أن يتحدث باسمي لا يمثل جزءًا منتقى مني. وإذا كان الصوت تفويضًا، فمن حقي أن أسأل عن موقف من أمنحه صوتي، وعن موقفه كذلك من القضايا التي تمس منظومتي الأخلاقية. فما تفعله البراغماتية المزعومة بالحقوق قد تفعله العولمة بالقيم: تبدأ الحكاية بتنازل صغير، وتنتهي بإعادة تعريف ما كنا نظنه ثابتًا.
ويبقى السؤال : اين سيذهب صوتك ؟
لا تُختصر المسألة في عدد المقاعد، ولا في ميزانية موعودة، ولا في شعار انتخابي. السؤال بالنسبة إليّ أبعد من يوم الانتخابات: ماذا أريد ممن يمثلني أن يحافظ عليه، قبل أن أسأل ماذا سيحقق لي؟ وهل أعرف فعلا ماذا يحمل المشروع الذي أعطيه صوتي من مواقف وقيم؟ نحن شعب يعتز بهويته الدينية والاخلاقية، ولا ينبغي أن نخفض رؤوسنا حين نتحدث عن قيمنا. لسنا مضطرين إلى تلطيف أسمائها حتى تصبح أكثر قبولًا عند الآخرين، ولا إلى الاعتذار لأن لنا ثوابت وحدودًا نريد الحفاظ عليها. نرفع رؤوسنا ونحن نتحدث عن قيمنا كما نرفعها ونحن نتحدث عن حقوقنا؛ فالهوية التي نخجل من إعلانها تبدأ بالذوبان قبل أن ينتزعها منا أحد. وحين نختلف نقول إننا نختلف، وحين نرفض نقول إننا نرفض؛ فالوضوح في القيم ليس شيئًا يستوجب الاعتذار.
والسؤال أبعد من دورة انتخابية. تخيل ابنك بعد سنوات يسألك: كنت تعرف هذه المواقف، فكيف اخترت أن تتعامل معها؟ ماذا ستجيبه؟ أي رسالة تريد أن تتركها لابنك حين ترحل عن هذه الدنيا؟ وأي إرث تريد أن يبقى منك فيه؟ الانتخابات تنتهي، والمقاعد تزول، والسياسيون يتبدلون، أما ما نورثه لأبنائنا من مبادئ وقيم فيبقى بعدنا. وحين يأتي يوم لا نكون فيه بينهم، لن تكون المسألة كم مقعدًا ربح هذا الحزب أو خسر ذاك، بل ماذا تعلم أبناؤنا منا أن يصونوا، وعلى أي شيء عرفونا ثابتين.
طروادة تعيدني إلى السؤال الأول. أهلها رأوا الحصان، لكن مصير مدينتهم حسمه ما لم يروه داخله. والورقة الانتخابية أيضًا لا تقول كل ما تحمله؛ خلف الاسم والحرف والشعار يسوّقُ مشروع كامل بإسم السياسة والهوية والقيم. ولو وضعت التصويت، افتراضًا، على الطاولة، فلن أبدأ بالسؤال عن الاسم الذي يستحق صوتي، بل عمّا سأكون قد وافقت عليه بمجرد أن أمنحه.
ولو كان لا بد أن أختار، فقد حسمت أمري فعلًا وقررت لمن سأعطي صوتي. قلّبت الأسماء كلها، ولم أجد اختياري بينها؛ لأن ما أبحث عنه ليس اسمًا على الورقة، ولا حرفًا مطبوعًا عليها، ولا مقعدًا أنتظر نتائجه في نهاية الليل. وحين يكون منح الصوت، في نظري، أكبر من مجرد اختيار اسم، يصبح الامتناع عن منحه اختيارًا بحد ذاته. ولو كان التصويت مطروحًا أمامي، فساعطي صوتي للمقاطعة.