فخ الألوهية المصغَّرة- حين يتحول المنصب من تكليف بالخدمة إلى أداة استعباد
بقلم : د نوّاف علي الطوري | رهط
في كل سلطة سؤال مؤجَّل: هل هي وسيلة أم غاية؟ الجواب النظري يسير، فالمنصب في الفكر السياسي كله أداة لتحقيق مصلحة عامة. غير أن الممارسة تروي شيئًا آخر؛ إذ يبدأ كثيرون خدّامًا للوظيفة، ثم تنقلب العلاقة بصمت فتصير الوظيفة خادمةً لهم. هذا الانقلاب هو ما نسميه «الألوهية المصغَّرة»: أن يتصرف الإنسان داخل دائرة نفوذه، واسعةً كانت أو ضيّقة، بمنطق من لا يُسأل عما يفعل. وهو سلوك لا يخص الحكّام وحدهم، بل المدير في مكتبه والأب في بيته وكل من أُوكل إليه جزء من أمر الناس. وهذا المقال محاولة لفهم الظاهرة من داخل التصور الإسلامي للإنسان والسلطة.
الاستخلاف: سلطة بلا مِلك
يقوم التصور الإسلامي على مفارقة دقيقة: الإنسان مستخلَف في الأرض، أي يملك القدرة على التصرف ولا يملك أصل الملكية. والخليفة بحكم اللفظ نائب، ووجود النائب يفترض وجود أصيل يُرجَع إليه ويُحاسَب أمامه. وبهذا لا يمنح الاستخلاف الإنسان سلطة مطلقة، بل سلطة مشتقّة ومشروطة، ويجعل شرعية كل منصب مستعارةً من مصدر أعلى منه. فإذا نُسي هذا الأصل وقع ما يشبه الخطأ المنطقي: تُعامَل السلطة المشتقّة كأنها أصلية، ويُظنّ النائب أصيلًا. ومن هذا الخطأ المعرفي تبدأ الألوهية الصغيرة، قبل أن تظهر في أي سلوك. ولعل وصف القرآن للإنسان حامل الأمانة بأنه «ظلوم جهول» إشارة إلى هذا الخطر البنيوي: أن القدرة التي حُمِّلها قد تنقلب عليه.
الوهم الذي يصنع المستبد
لماذا يقع الإنسان في هذا الخطأ؟ لأن السلطة تعمل في الإدراك قبل أن تعمل في الواقع. من يُطاع باستمرار يفقد تدريجيًا القدرة على التمييز بين صواب رأيه والإذعان له، فيقرأ الصمت تأييدًا والتأييد حقيقةً، وتتحول الحاشية إلى مرآة لا تعكس إلا ما يُرضي. وقد التقط القرآن هذه الآلية في وصف فرعون: «فاستخفّ قومه فأطاعوه»، فالطاعة هنا ثمرة استخفاف، وهي بدورها تغذّي وهم التفوّق. ويذهب الكواكبي في «طبائع الاستبداد» إلى أن المستبد لا يصنع نفسه، بل تصنعه بيئة تتقن التذلل، ويلتقي معه ابن خلدون حين يلاحظ أن الملك بطبعه ينزع إلى الانفراد بالمجد، أي احتكار ما كان في الأصل مشتركًا. فالألوهية الصغيرة ليست علّة فردية فحسب، بل علاقة اجتماعية بين من يطلب الخضوع ومن يقدّمه.
جدلية السيّد والعبد: حين ينقلب الاستعباد على صاحبه
تعلّمنا فلسفة هيغل أن السيّد يحتاج إلى اعتراف العبد ليكون سيدًا، فيقع في تبعية خفية لمن يستعبده. وتتقاطع هذه الفكرة مع المعنى الإسلامي تقاطعًا لافتًا: من يطلب العبودية من الناس لا يملك نفسه أيضًا، لأنه صار أسيرًا لحاجته إلى خضوعهم. فالمستبد الصغير عبدٌ لمنصبه وهو يحسب نفسه سيّده؛ يخشى فقدانه فيخشى الناصح، ويقرّب المتملق، ويحوّل الصلاحيات من أدوات إنجاز إلى أدوات إخضاع. وهكذا تتحقق مفارقة العبودية: كل من استعبد غيره استُعبد لما يستعبد به. وقد عبّر التراث الإسلامي عن المعنى نفسه حين رأى أن الإنسان لا يخرج من العبودية، وإنما يختار موضوعها: إما أن يكون عبدًا لله، وإما أن يكون عبدًا لهواه أو لسلطانه أو لخوفه.
ويتجلّى هذا في أصغر الدوائر قبل أكبرها. فالمدير الذي لا يحتمل اعتراضًا يربّي موظفين يتقنون الإخفاء لا الإتقان، والأب الذي يجعل رضاه معيار الصواب ينشّئ أبناءً يطيعون ولا يفكّرون. وفي الحالتين لا يُقاس الاستعباد بالعنف الظاهر، بل بمقدار ما يُصادَر من حق الآخر في أن يقول «لا» دون أن يخسر أمنه أو كرامته.
التوحيد بوصفه فلسفة للحدّ من السلطة
قد يبدو التوحيد عقيدةً إيمانية خالصة، لكنه في هذا السياق مبدأ أخلاقي وسياسي في آنٍ واحد: فحين يُقرّ الإنسان بأن الربوبية لله وحده، يسقط حق أي سلطة بشرية في أن تكون مطلقة. ومن هنا كان التوحيد أنجع أدوات تحرير الإنسان من الإنسان. وحين سأل عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟» كان يصوغ المبدأ ذاته: الحرية أصل، والاستعباد طارئ. ولا يعني هذا إنكار المناصب أو الزهد فيها؛ فيوسف عليه السلام طلب خزائن الأرض لأنه رأى فيها مسؤولية تقتضي الكفاءة، لا امتيازًا يغري بالتعالي. فالمعيار هو علاقة الإنسان بما يملك: هل يراه تكليفًا يُسأل عنه، أم حقًّا يمارسه كيف شاء؟ وكلما بقيت آليات الشورى والنقد والمساءلة حيّة، بقي المنصب في موضعه الصحيح، وكلما غابت اتسع المجال للألوهية الصغيرة. ولذلك لا يكفي الوعظ الأخلاقي وحده علاجًا؛ فالفضيلة الفردية تحتاج إلى بنية تحميها، لأن النفس مهما صفت تضعف أمام سلطة لا يراقبها أحد. وهنا تتكامل الرؤية الإسلامية في بُعديها: تزكية الباطن بتذكّر أن المرء عبد، وضبط الظاهر بمؤسسات تذكّره بذلك كلما نسي.
والخلاصة أن الخطر ليس في السلطة ذاتها، بل في نسيان طبيعتها. فالمنصب اختبار للإنسان قبل أن يكون موقعًا له، والسؤال الذي يلازم كل من أمسك بجزء من أمر الناس ليس: ماذا أستطيع أن أفعل؟ بل: بأي حق، وأمام مَن، ولأجل مَن؟