جماليّات الزمن التأطيريّ والرحلة المعرفيّة في رواية "عبر بوابات الزمن" لسمير كتاني
يمثّل الزمن أحد العناصر الأساسيّة في تشكيل البناء الروائيّ، إذ يسهم في تنظيم الأحداث، وتوجيه حركة الشخصيّات، وتحديد طبيعة العلاقة بين الحكاية والعالم الذي تستحضره. وتتّسع وظيفة الزمن حين يتحوّل من إطار تجري فيه الأحداث إلى أداة فنيّة تتيح للشخصيّات إعادة اكتشاف الماضي، وتأمّل الحاضر، وبناء تصوّرات جديدة عن المعرفة والإنسان والتاريخ. ومن هذا المنظور، تتيح رواية "عبر بوابات الزمن" للدكتور سمير كتاني، الصادرة عن بيت الفنون سنة 2025، مجالًا لقراءة العلاقة بين الزمن التأطيريّ والرحلة المعرفيّة، من خلال بناء حكائيّ يصل الحياة المعاصرة بفضاءات من التاريخ العربيّ، ويجعل الانتقال بين الأزمنة وسيلة لاكتساب الخبرة وتوسيع الوعي (كتاني، 2025، ص 1-3).
تبدأ الرواية من فضاء مألوف، يتمثّل في أحد أحياء المدينة القديمة، حيث يتوجّه أديب وصديقاه نادر وجاد إلى مكتبة الجدّ. ويؤدّي هذا المكان وظيفة تتجاوز حدود الموقع الذي تنطلق منه الأحداث؛ فالمكتبة فضاء تختزن فيه الكتب والمخطوطات آثار الأزمنة السابقة، وتنتظر فيه المعرفة قارئًا قادرًا على استكشاف أسرارها. وتضفي الأجواء المحيطة بالمكتبة، وما يتراكم فيها من غبار وكتب قديمة، مسحة من الغموض تستثير فضول الشخصيّات وتدفعها إلى الاقتراب من عالم مجهول. وهكذا يتأسّس الإطار الزمنيّ والمكانيّ للحكاية على مفارقة فنيّة بين مكان معاصر يحمل آثار الماضي، ومخطوط يفتح أمام الأبطال إمكان العبور إلى أزمنة تاريخيّة متعدّدة (كتاني، 2025، ص 5-14).
ويكتسب الزمن التأطيريّ أهميّته من قدرته على احتضان مستويات حكائيّة متداخلة. فالحكاية تبدأ في الحاضر، ثمّ تتشعّب عبر انتقالات زمنيّة تتيح للشخصيّات لقاء أعلام من التراث العربيّ والإسلاميّ، والاطّلاع على تجاربهم الفكريّة والإنسانيّة. وبهذا البناء، يغدو الحاضر نقطة انطلاق نحو الماضي، فيما يصبح الماضي مجالًا لإعادة النظر في أسئلة الحاضر. وتنبع جماليّة هذا التشكيل من حركة مزدوجة: حركة حكائيّة تنقل الشخصيّات بين الأمكنة والعصور، وحركة ذهنيّة تنقلها من المعرفة السابقة إلى معرفة أوسع، تتكوّن عبر المشاهدة ، والحوار، والتأمّل، والتجربة.
ويؤدّي الكتاب الغامض دور الوسيط بين المستويين الزمنيّين. فمن خلاله تتحوّل القراءة إلى فعل يغيّر مسار الأحداث، ويخرج الشخصيّات من حدود تجربتها اليوميّة إلى فضاء تتداخل فيه المعرفة التاريخيّة بالمغامرة. ويبدأ هذا التحوّل حين يكتشف الأصدقاء الكتاب القديم، ويتأمّلون صفحاته ورموزه، ثمّ تتصاعد مظاهر الغرابة مع الأصوات المنبعثة منه والضوء الذي يشعّ من صفحاته، وصولًا إلى الانتقال الفعليّ نحو عوالم تاريخيّة أخرى (كتاني، 2025، ص 12-30). ويؤسّس هذا المسار لعلاقة رمزيّة بين الكتاب والبوّابة؛ فالكتاب يحمل المعرفة في مادّته المكتوبة، والبوّابة تحوّل هذه المعرفة إلى تجربة معيشة، يشارك فيها القارئ بوعيه وحواسه وانفعالاته.
ومن هنا تتجلّى دلالة العنوان "عبر بوابات الزمن". فكلمة "عبر" توحي بالحركة والاجتياز، في حين تحيل "البوّابات" إلى مداخل متعدّدة تقود إلى فضاءات مختلفة. أمّا "الزمن" فيمنح هذه الحركة بعدها التاريخيّ والمعرفيّ. وتوحي صيغة الجمع في كلمة "بوّابات" بتعدّد المحطّات التي تعبرها الشخصيّات، وباختلاف التجارب التي تتيحها كلّ محطّة. ويصبح العنوان، وفق هذا التصوّر، مفتاحًا لقراءة بنية الرواية؛ إذ يجمع بين الحركة في المكان، والانتقال بين الأزمنة، والتدرّج في اكتساب المعرفة. كما يحمل فعل العبور معنى التحوّل الداخليّ، لأنّ كلّ انتقال يضيف إلى خبرة الشخصيّات بعدًا جديدًا.
وتتّضح هذه الوظيفة في انتقال الأصدقاء إلى البصرة، حيث يلتقون برابعة العدويّة، التي تمنح الرحلة بعدًا روحيًّا وتأمّليًّا. ويبرز في هذا اللقاء التمييز بين الانتقال الجغرافيّ والتحوّل المعرفيّ، إذ ترتبط قيمة الرحلة بما تحدثه في الوعي والوجدان. وتقدّم رابعة للأصدقاء تصوّرًا يجعل المعرفة تجربة تبدأ من أعماق الإنسان، وتتصل بقدرته على التأمّل واستقبال الحكمة. كما تؤكّد أنّ الحكمة تنمو بتلاقح العقول، وتواصل الجهود، وتتابع الخبرات (كتاني، 2025، ص 45-50). وتؤدّي هذه المحطّة وظيفة مهمّة في البناء الروائيّ؛ فهي توسّع مفهوم الرحلة ليشمل المعرفة الروحيّة والأخلاقيّة، وتمنح الانتقال الزمنيّ معنى يتجاوز غرابة الحدث وتشويق المغامرة.
وتتّخذ الرحلة بعدًا ثقافيًّا واضحًا في الانتقال إلى بغداد، حيث يزور الأبطال بيت الحكمة، ويتعرّفون إلى مكانة الترجمة والعلوم والاجتماع بين العلماء. ويتيح هذا المشهد استحضار مرحلة من التاريخ العربيّ والإسلاميّ ارتبطت بحركة التأليف والترجمة وتبادل المعارف. وتتحوّل بغداد في هذا السياق إلى فضاء دالّ على حيويّة الثقافة، وعلى دور المؤسّسات العلميّة في بناء المعرفة وتداولها بين اللغات والثقافات (كتاني، 2025، ص 72-74). ويكتسب المكان قيمته الفنيّة من اقترانه بوظيفة معرفيّة واضحة؛ فالأبطال يكتشفون معالم المدينة، ويستعيدون ما قرؤوه عنها، ثمّ يختبرون المعرفة في مواجهة المكان التاريخيّ الحيّ.
ويعزّز لقاء الجاحظ هذا الاتجاه، إذ تنتقل الشخصيّات من التعرّف إلى الأمكنة والمؤسّسات إلى الحوار مع أعلام الفكر والأدب. ويمنح اللقاء المعرفة طابعًا حواريًّا، تتفاعل فيه الأسئلة مع الإجابات، والمعلومات السابقة مع التجربة المباشرة. كما يتيح حضور الجاحظ ربط الرحلة بقضايا الأدب واللغة والثقافة، ويقرّب التراث من الشخصيّات الشابّة عبر موقف حكائيّ قائم على الفضول والمشاركة. ويظهر هذا المسار في زيارة بيت الحكمة وما يتبعها من لقاءات ومواقف تفتح أمام الأبطال آفاقًا جديدة للفهم (كتاني، 2025، ص 77-85).
وتكشف هذه المحطّات عن طريقة الكاتب في تنظيم الزمن التاريخيّ داخل بنية المغامرة. فالأحداث تتقدّم عبر الانتقال من فضاء إلى آخر، وكلّ فضاء يرتبط بشخصيّة تاريخيّة أو تجربة ثقافيّة ترفد الرحلة بمعرفة جديدة. ويقوم هذا التنظيم على التناوب بين الحركة والحوار؛ فالمغامرة تثير السؤال، والحوار يقدّم المعرفة، ثمّ تقود المعرفة إلى مغامرة جديدة. ومن خلال هذا الإيقاع، تتكامل عناصر التشويق والتعليم، ويتحوّل الزمن التاريخيّ إلى فضاء حكائيّ تتفاعل داخله الوقائع والأفكار والقيم.
وتظهر الرحلة المعرفيّة بوضوح في المحطّات التي تستحضر العلماء وتجاربهم، ومنها اللقاءات التي تتّصل بابن الهيثم وابن بطّوطة وغيرهما من الشخصيّات المرتبطة بتاريخ العلم والسفر والفكر. وتكشف هذه اللقاءات عن اهتمام الرواية بالصلة بين المعرفة والممارسة؛ فالعلم يتكوّن من الملاحظة والتأمّل والتجربة، والسفر يتيح اكتشاف اختلاف الثقافات والعادات، ثمّ يفتح المجال لفهم الروابط الإنسانيّة التي تجمع الناس على الرغم من اختلاف البيئات. وفي هذا السياق، يتبلور معنى الرحلة بوصفها انتقالًا في الوعي، تتراكم خلاله الخبرات وتترابط لتشكّل رؤية أكثر اتّساعًا للعالم (كتاني، 2025، ص 127-150).
وتكتسب الإشارات إلى ابن خلدون وكتابه «العبر» دلالة إضافيّة في سياق الرواية، لما تحمله من صلة بين السفر والتاريخ وفهم أحوال البشر. فالتاريخ في هذا المستوى يتجاوز تسجيل الوقائع إلى البحث في دلالاتها، وربط الأحداث بالتجارب الإنسانيّة والاجتماعيّة. ويأتي استحضار ابن خلدون ليضيف إلى الرحلة أفقًا فكريًّا يتصل بالتأمّل في أحوال الإنسان والمجتمع، وليؤكّد أنّ المعرفة التاريخيّة تحتاج إلى قراءة واعية تتجاوز المشهد الظاهر نحو فهم أعمق لمعانيه (كتاني، 2025، ص 170-171).
ومن الناحية الجماليّة، تتيح حركة الشخصيّات بين الأزمنة تنويع المشاهد والإيقاع الحكائيّ. فالمكان يتغيّر، والوجوه تتجدّد، والأسئلة تتطوّر وفق طبيعة المحطّة التي يبلغها الأبطال. ويمنح هذا التنوّع الرواية طاقة سرديّة قائمة على التوقّع والاكتشاف؛ إذ ينتظر القارئ مع الشخصيّات ما ستكشفه البوّابة التالية، وما ستضيفه التجربة الجديدة إلى فهمهم. كما يؤدّي تكرار الانتقال وظيفة بنائيّة، لأنّه يحافظ على وحدة الرحلة رغم تعدّد الأمكنة والشخصيّات، ويجعل كلّ محطة حلقة في مسار معرفيّ متكامل.
وتسهم الشخصيّات الثلاث في إبراز هذا التدرّج. فأديب يمثّل الميل إلى القراءة والتأمّل واستكشاف المخطوطات، ويظهر نادر وجاد بوصفهما شريكين في المغامرة، يشاركان في مواجهة المواقف والتفاعل مع ما تكشفه الرحلة. ويمنح اختلاف طبائعهم وإمكاناتهم المشاهد حيويّة، ويتيح توزيع أدوار الاكتشاف والحوار والمبادرة بينهم. وهكذا تصبح المعرفة ثمرة مشاركة وتفاعل، وتتّسع دلالة الرحلة لتشمل التعلّم من الآخرين، وتبادل الخبرات، واكتشاف إمكانات الذات في مواقف جديدة.
وتتجلّى قيمة الزمن التأطيريّ كذلك في العلاقة بين الذاكرة الثقافيّة والوعي المعاصر. فاستحضار التراث يتيح للأبطال وللقارئ معًا إعادة النظر في صورة الماضي، من خلال الاقتراب من شخصيّاته وأمكنته وتجارب علمائه. ويمنح هذا الاستحضار التراث حضورًا متجدّدًا، ويجعله جزءًا من حوار مستمرّ بين الأجيال. وتبرز هنا وظيفة أدب اليافعين في وصل المعرفة التاريخيّة بالتجربة القرائيّة؛ إذ تتقدّم المعلومة داخل حدث مشوّق، وتكتسب الشخصيّة التاريخيّة ملامح إنسانيّة من خلال الحوار والموقف، فتغدو أقرب إلى القارئ وأكثر قدرة على إثارة اهتمامه.
ومع ذلك، فإنّ القيمة النقديّة لهذا البناء تتطلّب النظر إلى التوازن بين الوظيفة المعرفيّة والوظيفة الجماليّة. فالرواية التي تستثمر التاريخ في بناء رحلة تعليميّة تواجه تحدّي دمج المعلومات في النسيج الحكائيّ، بحيث تحتفظ الأحداث بحيويّتها، وتكتسب الحوارات ضرورتها الفنيّة، وتتحوّل المعرفة إلى عنصر فاعل في نموّ الشخصيّات. وتبرز أهميّة هذا التوازن في «عبر بوابات الزمن» من خلال ارتباط كثير من المحطّات بشخصيّات تاريخيّة وموضوعات علميّة وثقافيّة، وهو ما يمنح الرحلة ثراءً معرفيًّا، ويفتح في الوقت نفسه مجالًا لدراسة إيقاع السرد ومدى اندماج المعلومات في تطوّر الحدث.
إنّ جماليات الزمن التأطيريّ في رواية "عبر بوابات الزمن" تتشكّل من التفاعل بين إطار معاصر تنطلق منه الحكاية، وعوالم تاريخيّة تتوالد عبر الكتاب الغامض، ومسار معرفيّ تتراكم فيه الخبرات من محطّة إلى أخرى. ويؤدّي هذا البناء وظيفة تتجاوز تنظيم الأحداث، لأنّه يجعل الزمن وسيلة لاكتشاف التراث، والحوار مع رموزه، وتأمّل علاقة المعرفة بالحياة. وتغدو الرحلة، في ضوء ذلك، تجربة تجمع بين المغامرة والتعلّم، وبين اكتشاف العالم واكتشاف الذات. ومن خلال هذا التداخل بين الزمن والحركة والمعرفة، تقدّم الرواية تصورًا للتراث بوصفه مجالًا حيًّا للتفكير والحوار، وموردًا ثقافيًّا يمكن للأجيال الجديدة أن تعيد اكتشافه وتستمدّ منه أسئلة تساعدها على فهم حاضرها وبناء وعيها بالمستقبل.
المصدر الأساسي
كتاني، سمير (2025)، عبر بوابات الزمن، الطبعة الأولى، بيت الفنون.
الطيرة - 10.9.2026