بين أزمة القيادة وصراع البقاء- الأحزاب العربيّة في انتخابات 2026
فكرة إسقاط حكومة اليمين، المهيمنة على الاعلام الانتخابيّ للأحزاب العربيّة، والتّعامل معها وكأنّها الحلّ السّحريّ لمجتمعنا، يضعنا في خانة الوهم؛ وكأن مشكلتنا الأساسيّة مع الدّولة ومؤسّساتها بدأت مع هذه الحكومة المتطرّفة وتنتهي برحيلها. هذا الطّرح يوفّر للأحزاب، مساحة للتّملص من مسؤوليّتها في صياغة أجندة عمل سياسيّة واضحة، إذ تنحسر الرّؤية في مطلب واحد (إسقاط حكومة اليمين)، وعندما تتبنّى الأحزاب العربيّة هذا النّهج، فإنها تفشل، مرّة أخرى، في بناء استراتيجيّة، وطرح خطّة عمل لمواجهة التّطرف الدّيني والقومي، والعنف المتفاقم في مجتمعنا، والقضايا المتراكمة التي لم تستطع تلك الأحزاب، على مدى سنوات، أن تثبت نجاعة حقيقيّة في التّعامل معها. فهل نختزل كلّ قضايانا اليوم في إسقاط الحكومة الحاليّة؟ وهل المشكلة هي في اليمين المتطرّف المتصاعد، أم في اليسار المتلاشي؟ أم أنّ الأمر يعكس واقعًا مجتمعيًّا سقيمًا ومقلقًا إلى حدٍّ كبير؟ وبالتالي علينا العمل الجدّي على كافّة الأصعدة للتّعامل مع الاقصاء والاجحاف المشرّع ضدنا كأقليّات! لذلك، فإنَّ الدّعوة الجارفة إلى تغيير حكومة اليمين لا يمكن أن تكون، بحدّ ذاتها، برنامجًا سياسيًّا، فلم تنصف حكومات إسرائيل المتعاقبة الأقليّات، ولم تقدّم إجابات كافية عن قضايا المساواة والحقوق الجماعيّة. نعم، اليمين المتطرّف يشكّل خطرًا حقيقيًّا، لكن قد نقع نحن أيضًا في نفس دائرة التّطرف من خلال الأحزاب الفئويّة، سواء كانت يهوديّة أو عربيّة، دينيّة أو قوميّة، التي من شأنها خدمة شريحة ضيّقة، بدل أن تبني مشروعًا وطنيًّا جامعًا. لذلك، لا بدّ من بلورة نهج سياسيّ واقعيّ للأقليّة الفلسطينيّة في إسرائيل، والتّحفّظ من الالتفاف حول أحزاب فئويّة سكتورياليّة التي تعزل الجماعة عن الفضاء العام، وتصير أحيانًا أداة لتعميق الشّرخ والاستقطاب بين مركّبات المجتمع الاسرائيلي.
التّصويت ليس غاية بحدّ ذاته
مع كلّ انتخابات تعود الدّعوة الملحّة إلى "التّصويت"، وكأنّ ممارسة الحقّ الانتخابيّ وحدها هي التّعبير الأقصى عن حماية الديمقراطيّة. هناك إصرار من قِبل الأحزاب والحركات السّياسيّة والمجتمعيّة والحركات ثنائية القوميّة على ممارسة هذا الحقّ في الدّولة اليهوديّة الدّيمقراطيّة، لكن ماذا عن بقيّة حقوق المواطن على مدار السّنة؟ ماذا عن الاجحاف الممنهج ضدّ الأقلّيات، وتاريخها المغيّب وثقافتها المندثرة؟ ماذا عن المساواة؟ وماذا عن التّغييب المتراكم في قضايا الأرض والتّخطيط والميزانيّات والأمن الشّخصيّ، وفرص العمل، والتّمثيل البرلمانيّ الّذي يعتمد القوّة الانتخابيّة (الوزن الاليكتورالي)؟ هل نتذكّر حقوق المواطن فقط عندما نحتاجه في صندوق الاقتراع؟ ويصبح أولويّة، ونشدّد على هذا الحق دون غيره؟! وبالذات وسط مجتمعنا يتكرّر القول: "لا خَيار آخر لدينا. علينا التّصويت للأحزاب العربيّة حتّى لو كانت عاجزة أو غير كفؤة". وهنا تكمن، في رأيي، إشكاليّة عميقة. وأرى في ذلك تطرّفًا وتحيّزًا عاطفيًّا فئويًّا. لماذا يجب أن أدلي بصوتي إلى حزب لمجرد أنّه عربيّ؟ هل تركيبته فعلًا تمثّلني؟ هل فعلًا يرفع هذا الحزب صوت القضايا الملحّة لنا كأقليّة وطن؟ أليس من حقّي أن أسأل عن الكفاءة، وعن الأجندة، والبرنامج، والحضور البرلماني، والإنجازات الفعليّة؟ وإذا كان اختياري السّياسيّ قائمًا فقط على الانتماء القوميّ أو الدّينيّ أو الطّائفيّ، فما الّذي يميّزه جوهريًّا عن التّصويت الفئويّ السكتوريالي الذي ننتقده لدى الآخرين؟ التّصويت ليس شهادة انتماء، إنّه تفويض سياسيّ، ومن حقّ النّاخب أن يمنحه لمن يراه قادرًا على تحويل مطالبه إلى برنامج وعمل وتأثير. يزداد موقفي هذا ثباتًا ووضوحًا، في ظلّ تراجع العمل الميدانيّ والسّياسيّ، وانحساره في الخطاب العاطفيّ والفئويّ والدّينيّ، وبعد تجارب متراكمة مع القيادات المنتخبة ضمن الأحزاب العربيّة والفئويّة أو ثنائيّة القوميّة. يحقّ للنّاخب أن يسأل، إن كانت تلك الأطر تعكس فعلًا تطلّعات المجتمع، وإن كانت قادرة على إقناع النّاس بأنّها تمثّل صوته ومصالحه.
أزمة ثقة، لا أزمة مقاعد فقط
المشكلة أعمق من عدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب العربيّة في الكنيست، إنها أزمة ثقة بين الجمهور وقياداته. فتتكرّر الوجوه ذاتها، ويُعاد إنتاج الخطابات ذاتها، فيما يبقى الرّصيد السّياسيّ والميدانيّ موضع تساؤل! وفي أحيان كثيرة يتحوّل الأداء البرلمانيّ إلى استعراض سياسيّ، ومزايدات عاطفيّة تستجيب لرغبات الجمهور الآنيّة، بدل أن تقوده نحو مشروع سياسيّ بعيد المدى، اضافة إلى الصّراعات الدّاخليّة بين الأحزاب أو داخل الحزب الواحد، بينما تغيب المراجعة الذّاتيّة الجديّة. لقد أضعنا البوصلة منذ زمن، ولم تنجح القيادات في بناء ثقة مع المواطن، التي يمكن الاعتماد عليها في مواجهة معركة الحياة اليوميّة مع قضايا الإجحاف، والإهمال، والعنف والجريمة، وأزمة السّكن، والبطالة، وتراجع منظومة القيم والأمن الشّخصيّ. عندما نسترجع محطّات تاريخيّة سابقة، في حقبة مختلفة فكريًّا ووطنيًّا ومجتمعيًّا، نجد شخصيّات، مثل، توفيق زياد وعزمي بشارة، على الرغم من الاختلاف الذي قد يكون معهما، قد امتلكت خطابًا سياسيًّا واضحًا وحضورًا جماهيريًّا، وجرأة مكّنتها من ترك أثر في مرحلتها. تلك الشّخصيات تمتّعت بشرعيّة مجتمعيّة منحتها لهما الجماهير بكلّ ثقة وحبّ. أما اليوم، فتبدو القيادة السّياسيّة باهتة، غير مقنعة ومنشغلة بذاتها وبصراعات داخل دائرة ضيّقة ما يؤدي الى حالة "غياب القائد" (أسهب عنها لاحقا)، وبالتالي يشعر المنتخب بأنه بدون تمثيل قويّ وحاضر، بالذّات اذا لم يعكس الحزب تعدّديّة المجتمع بشرائحة، بالذات تلك التي لا تملك القوّة العدديّة الانتخابيّة، في هذه الحقبة المشوّهة. فقدنا الثّقة بالقيادة وقد تعمّقت أزمة الثّقة منذ تفكّكت وانتهت الأحزاب السّياسيّة الوطنيّة التي كانت تمثّل تعدّديّة مجتمعنا، وحوصرنا بظاهرة الأحزاب الفئويّة أو التي تعمل من خلال تحالفات صوريّة، لنجد أنفسنا مجددًّا أمام تيّارات تعتمد، إلى حدٍّ بعيد، على التّصويت العاطفيّ والفئويّ، وكأنّ الواجب الوطنيّ للمواطن ينتهي عند وضع ورقة في صندوق الاقتراع، بصرف النّظر عن الأداء والحضور السّياسيّ الفعليّ.
عندما يتحوّل العمل السّياسيّ إلى صراع بقاء
في كلّ انتخابات تقريبًا، تعود الأحزاب العربيّة، كما أحزاب اليمين المتطرّف، لاعتماد الأدوات نفسها: التّخويف من الطّرف الآخر، واستنفار العاطفة الدّينيّة أو القوميّة، واستحضار العصبيّات الفئويّة والعائليّة لكسب الأصوات. هذا التّهافت على التّصويت وفق مفاهيم قبليّة وفئويّة، ليس دليل قوة سياسيّة، بل قد يكون انعكاسًا لغياب طرح وطنيّ مقنع وقيادة قادرة على كسب ثقة الجمهور واحترامه. وهذا الغياب تدفع ثمنه الأقلّيّة الفلسطينيّة بأكملها في نضالها من أجل حقوقها في دولة تعرّف نفسها بأنّها يهوديّة وديمقراطيّة. نحن أقليّة لها تاريخها وتراثها وثقافتها وتعدّديّتها، ولا يجوز اختزالها في صناديق انتخابيّة أو في هويّة حزبيّة واحدة، وعليه، كثيرون لا يعتبرون الأحزاب العربيّة جسمًا قياديًّا قادرًا على تمثيلهم، والأسوأ أنّ بعض هذه الأحزاب يسهم في فرز المجتمع إلى استقطابات ضيّقة. لذلك لم تنجح، تلك الأحزاب، في بناء حضور إيجابي ومؤثّر للأقليّة الفلسطينيّة، ولا في تطوير أدوات فعّالة للتّعامل مع الدّولة ومؤسّساتها، ومواجهة التّطرف والاقصاء والتّهميش الممنهج، من قبل الحكومات المتعاقبة، فظلّ الأداء الميدانيّ محدودًا أمام القضايا المصيريّة الملحّة.
غياب قيادة قادرة على الإقناع يتكرّر من انتخابات إلى أخرى، حتى أصبح صراع البقاء الحزبيّ هو الشّغل الشّاغل لبعض القوى السّياسيّة، لذلك تعود الأدوات المستهلكة في معركة البقاء لتعتمد استغلال البعد الدّينيّ، والانتماء الفئويّ والعائليّ، والتّحالفات الانتخابيّة المؤقّتة والصّوريّة، بدل مواجهة النّاخب بمسؤوليّة وشفافيّة وطرح سياسيّ واضح، وناهض ومؤثّر. بعد سنوات من التّجارب مع تلك الأحزاب، لم نشهد مراجعة جادّة وشاملة للوضع الميدانيّ، واستمرت الشّعارات والاستعراضات، والتّهريج الإعلاميّ العاطفيّ البعيد عن قضايا النّاس، فيما لم يجرِ التّعامل بالعمق المطلوب مع غضب المجتمع وفقدانه للثّقة.
إن إعادة بناء المنظومة السّياسيّة والمجتمعيّة المتداعية بشكل منهجي منذ 1948 للأقليّة الفلسطينيّة في إسرائيل، يحتاج إلى شجاعة، وتضحيات وإلى قيادة واعية وقويّة وقريبة من النّاس، تستطيع أن تمثّل المجتمع وتقنعه، بدل الاعتماد على تحالفات البقاء واستجداء الأصوات، التي تعكس ضعف العمل القياديّ السّياسيّ. لقد آن أوان تجديد الفكر والنّهج القياديّ، وبناء استراتيجيّة وخطط عمل مدروسة ترتقي بشعبنا ومجتمعنا وبطموحاته وبثقافته وبتعدّديته وبخصوصيّته كأقليّة وطن.
هل يصوّت النّاخب العربيّ وفق الهويّة، أم وفق البرنامج والكفاءة والتّأثير؟
اذن لمن تمنح الأقليات صوتها في الانتخابات؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نفكّر به. علينا أن نفتح أذهاننا، لندرك ما هو حجم إشكاليّة الفرز الممنهج والاقصاء القسريّ وأن نرفضه، ولكن في الوقت ذاته ألّا نعيد إنتاج هذا الفرز بأيدينا. لا ينبغي أن يصبح الانتماء القوميّ أو الدينيّ شرطًا مسبقًا لمنح الصوت. صوتي ليس مضمونًا لأيّ حزب عربيّ أو يهوديّ؛ من يريد صوتي عليه أن يستحقه سياسيًّا وليس عاطفيًّا. علينا أن نصغي جيدًا إلى الخطاب الانتخابيّ، ولكن الأهمّ، أن ننظر إلى ما وراء الشّعارات. المعيار يجب أن يكون سياسيًّا، من يحمل برنامجًا ديمقراطيًّا حقيقيًّا؟ من يضع المساواة وحقوق الأقليّات على جدول أعماله؟ من يستطيع مواجهة العنف والتّطرّف والعنصريّة بجرأة وبدون تأتأة، وفي الوقت ذاته هو ليس حزبا فئويًّا؟ من يستطيع أن يؤثّر؟ علينا أن نميّز بين من يستثمر في المجتمع الفلسطينيّ كشريك سياسيّ حقيقيّ، وبين من يتذكّره فقط عشيّة الانتخابات، حتّى وسط الأحزاب العربيّة. صوتنا ليس ملكًا لأحد، وليس دَينًا مستحقًّا لأيّ حزب أو قيادة، إنّه أداة سياسيّة يجب أن تُمنح لمن يستحقها، بناءً على البرنامج والكفاءة والمصداقيّة والقدرة على التّأثير وخطّة العمل. إنّ أزمتنا ليست فقط في هويّة الحكومة المقبلة، بل أيضًا في نوع القيادة التي نريدها لأنفسنا، وفي قدرتنا على الانتقال من منطق الخوف وصراع البقاء إلى منطق ناهض جريء، يعتمد الرّؤيا والمبادرة والتّأثير، لأن مجتمعنا يستحق قيادة أفضل، وسياسة أفضل، وخيارات أوسع من تلك التي اعتدنا عليها.