من اقتحام شارون إلى اقتحامات بن غفير للأقصى… ما الذي تغيّر وما المطلوب؟
يمرّ المسجد الأقصى المبارك هذه الأيام بواحدة من أحلك مراحله، مع تصاعد الاقتحامات والشعائر التلمودية اليهودية داخل ساحاته، مقابل تراجع الاستجابة الشعبية والرسمية. ويبدو هذا الواقع استثنائيًا، لأن الأقصى لم يكن يومًا على هامش الأحداث، فهو مركز للصراع، وشرارة للهبات، وباعث للأمل ومحرك للشعوب. ويشهد تاريخه على أن مكانته العقدية والدينية، وارتباطه بالهوية والحقوق والسيادة، جعلت الاعتداء عليه يتجاوز حدود المكان ليصيب الوجدان الفلسطيني والعربي والإسلامي.
وفي هذا السياق، لا يفوتنا استحضار الشهيد عدنان خلف مواسي، ابن مدينة طمرة، ومعه كوكبة شهداء مجزرة الأقصى، التي تحل ذكراها السادسة والثلاثون في الثامن من تشرين الأول 2026. ففي عام 1990، كان إعلان جماعة "أمناء الهيكل" عزمها وضع حجر أساس لما تسميه "الهيكل الثالث" كافيًا لاستنهاض آلاف الفلسطينيين، الذين تجمعوا داخل المسجد دفاعًا عنه. وأطلقت القوات الإسرائيلية النار على المصلين، فارتقى الشهداء وسقط الجرحى. وقد شيّع عدنان آلاف من أهالي طمرة وأبناء الداخل الفلسطيني، في مشهد جسّد ارتباطهم بالأقصى وإدراكهم أن الدفاع عنه مسؤولية مشتركة بين أبناء الشعب الفلسطيني.
وبعد عشرة أعوام، جاء اقتحام أريئيل شارون للأقصى في 28 أيلول 2000 ليشعل، مع القمع الدموي الذي أعقبه، انتفاضة امتدت إلى مختلف أنحاء فلسطين، واستنهضت تضامنًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا. وهذا يقودنا إلى مقارنة مهمة بين اقتحام أشعل انتفاضة آنذاك، واقتحامات متكررة لبن غفير اليوم، تترافق مع اتساع الصلاة والسجود ونفخ البوق وغيرها من الشعائر داخل المسجد، دون استجابة توازي خطورة هذا التحول. فما الذي تغيّر في الظروف الفلسطينية والعربية والإسلامية، وفي القدرة على تحويل مكانة الأقصى في الوجدان إلى فعل يحميه على الأرض؟
لم تكن انتفاضة عام 2000 وليدة اقتحام شارون وحده، وإن كان شرارتها المباشرة. فقد سبقها تراكم من الغضب على استمرار الاحتلال والاستيطان، وخيبة الأمل من مسار أوسلو، وانسداد الأفق السياسي بعد فشل قمة كامب ديفيد. وجاء الاعتداء على الأقصى ليجمع هذه التراكمات في لحظة واحدة، داخل مجتمع كانت فيه قوى سياسية وشعبية ومؤسسات قادرة على التعبئة. فتحول الغضب إلى فعل جماعي، وامتدت المواجهات من القدس إلى الضفة وغزة والداخل الفلسطيني، حيث كان التنظيم السياسي والشعبي أكثر حضورًا وقدرة على الحشد مقارنة بفترات لاحقة.
وقد دفع الفلسطينيون أثمانًا باهظة، شملت آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى خلال الانتفاضة، وثلاثة عشر شهيدًا في هبّة القدس والأقصى في الداخل، إلى جانب الاعتقالات والدمار والحصار. وأعادت الهبّة تأكيد وحدة الشعب الفلسطيني ومركزية الأقصى، ورغم أنها لم تمنع استمرار الاعتداءات عليه، فقد رفعت الكلفة الشعبية والسياسية لاستهدافه، وأوصلت رسالة بأنه لن يمر دون رد، وأيقظت قلوب الأمة وضمائرها. فأثر الهبّات لا يُقاس بنتائجها المباشرة وحدها، بل بما تراكمه من وعي وإرادة وقدرة على الفعل، وما تتركه للأجيال من تجارب تُبنى عليها.
أما اليوم، فقد اتسع الاعتداء من اقتحام سياسي استفزازي إلى ممارسات دينية متكررة تحظى بالحماية الرسمية. الصلاة الجماعية، والسجود والانبطاح، ونفخ البوق، والرقص، وإدخال كتب الصلاة وأدواتها، أصبحت جزءًا من مشهد الاقتحامات. وفي أيلول 2026، سُجل نفخ البوق ثلاثين مرة في يوم واحد، وشارك بن غفير في الشعائر التلمودية، مقرنًا حضوره بتصريحات تدعي السيادة وتدعو إلى مواصلة تغيير الواقع داخل المسجد. والخطورة أن تصبح هذه الانتهاكات، مع تكرارها، أمرًا معتادًا، ثم تُقدم على أنها حق لا يجوز الاعتراض عليه. وهكذا تغيّرت المعادلة بين المرحلتين، إذ اتسعت الاعتداءات وازدادت رعايتها الرسمية، بينما تراجعت القدرة على مواجهتها بفعل شعبي وسياسي منظم.
ومع ذلك، لا يصح تجاهل صمود المقدسيين وجهود الحراس والأوقاف وثلة قليلة من المرابطين الفلسطينيين من الداخل، لكن لا يجوز تركهم وحدهم، ثم اعتبار استمرار وجودهم دليلًا على أن الأقصى بخير. فحرب الإبادة على غزة، وتصاعد القمع والاعتقالات والإبعادات والملاحقات السياسية، تساعد على فهم الإنهاك وتراجع القدرة على التحرك. ويضاف إليها الانقسام الفلسطيني وإضعاف المؤسسات وتراجع العمل التنظيمي والشعبي، مقابل تزايد الانشغال بالتمثيل البرلماني والمسارات الانتخابية. غير أن هذه الظروف تستدعي إعادة بناء القدرة الجماعية، بدل أن يصبح العجز حالة دائمة.
فلسطينيًا، المطلوب إعادة الأقصى إلى صلب العمل الوطني والشعبي، ودعم الأوقاف والحراس والمبعدين، وتعزيز الحضور الدائم في المسجد. ولفلسطينيي الداخل مسؤولية خاصة بحكم قربهم منه ودورهم التاريخي في إعماره وشد الرحال إليه ورفده بالمصلين. وتجديد هذا الدور يبدأ بتوعية الأجيال، وإحياء المبادرات الفردية والجماعية، وإعادة بناء العمل المنظم الذي يصل الوعي بالممارسة. وعربيًا وإسلاميًا، ينبغي أن تتحول الإدانة إلى دعم ثابت للمقدسيين وضغط سياسي ودبلوماسي واقتصادي لوقف الاعتداءات وحماية حقوق المصلين وصلاحيات الأوقاف.
إن استحضار عدنان خلف وشهداء الأقصى وهبّة القدس والأقصى يحملنا على وصل تضحياتهم بمسؤوليتنا اليوم. فقد تركوا لنا إرثًا من الارتباط بالمكان والدفاع عنه، وواجبنا أن نحفظه ونجدد وسائل العمل من أجله. فلا ننتظر اعتداءً أكبر كي نتحرك، ولا نترك تكرار الانتهاكات يحوّلها إلى واقع مألوف. والوفاء للشهداء أن يبقى الأقصى حاضرًا في وعينا وعملنا، وأن نورث الأجيال القادمة ارتباطًا حيًا به، وتجربة تُبنى عليها في حمايته ونصرته.