كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

القميص الأزرق

رانية مرجية · 13/10/2026 الساعة 14:19

كانت الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرًا حين وقفت أمام خزانة الملابس تبكي. لم يكن في المشهد ما يستحق البكاء، على الأقل في نظر من يراقبها من الخارج. رفوف مرتّبة، وملابس معلّقة، وقميص أزرق تعرفه جيدًا. ومع ذلك، عجزت عن اختيار ما ترتديه، كأن المسافة بين يدها والقميص تمتدّ إلى حياة كاملة لم تعد تعرف كيف تصل إليها.

مدّت يدها نحوه، ثم سحبتها. جلست على حافة السرير، وأخفت وجهها بين كفّيها. لم تكن تعرف متى صار أبسط الأشياء يحتاج إلى كل هذا الجهد، ولا متى أصبحت الأيام تتشابه إلى حدّ أنها لم تعد تميّز ما مضى منها عمّا ينتظرها. كانت تحبّ الحياة. لم تكن تقول ذلك مجاملة، ولا لتبدو أكثر تفاؤلًا مما هي عليه. كانت تحبّها فعلًا؛ تحبّ الشوارع التي تستيقظ باكرًا، ورائحة القهوة في المكاتب، والوجوه العابرة التي تخفي حكايات لا يعرفها أحد.

كانت تعمل في الإعلام، وتؤمن بأن وراء كل وجه حكاية تستحق أن تُروى، وبأن سؤالًا واحدًا، إذا طُرح في اللحظة المناسبة، قد يفتح بابًا ظلّ صاحبه يظنّه مغلقًا. وكانت تحبّ الموسيقى أيضًا. تعزف العود والبيانو، وتغنّي وهي تطهو، وأحيانًا وهي تقود سيارتها وحدها. كانت مريم، صديقتها الأقرب، تقول مازحة إنها لا تستطيع أن تعيش يومًا كاملًا من دون أن تحوّله إلى أغنية.

لكنها، في الآونة الأخيرة، لم تعد تغنّي. في البداية، ظنّت أن الأمر إرهاق عابر؛ ضغط العمل، وقلة النوم، وبعض الخيبات التي لا تستحق الوقوف عندها طويلًا. أقنعت نفسها بأن الجميع يمرّون بأيام ثقيلة، وأنها ستستعيد نشاطها ما إن تنتهي هذه الفترة.

غير أن الفترة طالت، والأيام التي انتظرت أن تنتهي راحت تتراكم فوق بعضها. في غرفة الأخبار، كانت تحدّق في الشاشة أكثر مما تقرأ. تفتح ملفًا، ثم تنتقل إلى آخر، قبل أن تعود إلى الأول من دون أن تتذكّر لماذا فتحته أصلًا. ذات صباح، جلست أمام رئيس التحرير لتعرض فكرة صحفية تحمّست لها طوال الأسبوع. جمعت المعلومات، واتصلت بالمصادر، وتخيّلت شكل التقرير قبل أن تكتب سطره الأول.

وحين جاء دورها للكلام، اختفت الفكرة. فتحت دفترها وقلّبت صفحاته، ثم اعتذرت قائلة إنها تحتاج إلى مراجعة بعض التفاصيل. لم يسألها رئيس التحرير أكثر من ذلك، لكنها خرجت من الاجتماع شاعرة بأن شيئًا فيها انطفأ أمام الجميع. في طريق العودة، حاولت الاستماع إلى الموسيقى. مرّت الأغنيات واحدة تلو الأخرى، ولم تتوقف عند أيّ منها. كان الصوت يصلها، لكن شيئًا فيها لم يعد يستجيب له.

في المساء، اتصلت بها مريم.

— أين اختفيتِ؟ لم أعد أسمع صوتكِ كما كنت.

أجابت بأنها مشغولة، وأن العمل يأخذ وقتها، وأنها ستتصل بها حين تهدأ الأمور.

صمتت مريم لحظة، ثم سألتها:

— أنتِ تقولين دائمًا إن لكل إنسان حكاية تستحق أن تُروى. ماذا عن حكايتكِ أنتِ؟

لم تجد جوابًا.

أنهت المكالمة بحجة التعب، وجلست طويلًا تحدّق في الهاتف. كانت تعرف أن مريم لم تقصد إحراجها، لكنها لم تحتمل أن يسألها أحد عن نفسها. لم تكن تملك رواية مرتّبة لما يحدث. كانت هناك أشياء كثيرة، متداخلة ومبهمة، وشعور ثقيل بأنها لم تعد الشخص الذي تعرفه.

في اليوم التالي، اشترت دفترًا جديدًا.

كتبت على الصفحة الأولى: «سأعود إلى نفسي».

ثم وضعت قائمة بما ينبغي أن تفعله: أن تستيقظ باكرًا، وأن تمشي نصف ساعة، وأن تعود إلى العزف، وأن ترتّب غرفتها، وأن تنهي تقريرًا مؤجّلًا، وأن تلتقي بمريم.

بدت القائمة معقولة، بل سهلة.

لكن اليوم انتهى من دون أن تنجز منها شيئًا. بقي الدفتر مفتوحًا على الطاولة، والجملة في أعلى الصفحة كأنها وعد قطعه شخص آخر.

لم تمزّق الورقة، ولم تكتب قائمة جديدة. أغلقت الدفتر ووضعته في الدرج.

وفي تلك الليلة، عادت إلى خزانة الملابس.

كانت الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة.

رأت القميص الأزرق بين الملابس، فتذكّرت اليوم الذي اشترته فيه. كانت قد خرجت يومها من مقابلة صحفية طويلة، وجلست في مقهى قريب تضحك من تعليق قاله أحد ضيوفها. دخلت متجرًا صغيرًا من دون حاجة إلى شيء، ثم وقعت عيناها على القميص. اشترته لأنها أحبّت لونه، لا لأنه كان مناسبًا لمناسبة أو لأن أحدًا نصحها به.

كان يومًا عاديًا، لكنه بدا الآن بعيدًا على نحو موجع.

أخرجته من الخزانة ومرّرت أصابعها على قماشه. عند طرف الكمّ، كان هناك خيط صغير منفلت.

تأمّلته قليلًا، ثم ارتدته.

لم يتغيّر شيء. بقي التعب في مكانه، وبقيت الغرفة كما هي. لكنها، للمرة الأولى منذ أيام، لم تُعِد القميص إلى الخزانة.

التقطت هاتفها وفتحت محادثة مريم. كتبت:

«أنا لست بخير».

حدّقت في العبارة طويلًا، قبل أن تضيف:

«ولا أعرف كيف أشرح ما يحدث لي. لكنني أحتاج إلى أن تتحدثي معي».

أرسلت الرسالة، ثم وضعت الهاتف جانبًا. لم تشعر بالراحة فورًا؛ ظلّ قلبها يخفق بسرعة، وظلّ جزء منها يتمنى لو أنها تراجعت. لكنها لم تحذف الرسالة.

جاء رد مريم بعد دقائق:

«أنا هنا. لا تحتاجين إلى شرح كل شيء الآن. هل تسمحين لي أن آتي إليكِ غدًا؟»

في اليوم التالي، جلستا قرب النافذة. لم تحاول مريم أن تنتزع منها اعترافًا، ولم تقل لها إن عليها أن تكون أقوى، أو إن الحياة أجمل مما تظن. استمعت إليها، حتى حين تعثّرت الكلمات في حلقها، وحتى حين عادت إلى البداية أكثر من مرة لأنها لم تعرف من أين تبدأ.

وقبل أن تغادر، سألتها مريم إن كانت قد فكّرت في التحدث إلى مختصّة نفسية.

تردّدت. كانت تخشى أن تبدو مبالغة، أو أن تُختصر معاناتها في كلمة لا تشبهها. لكنها كانت متعبة من محاولات التفسير وحدها.

بعد أيام، جلست في غرفة هادئة أمام مختصّة استمعت إليها من دون أن تقاطعها. تحدّثت عن العمل، وعن الموسيقى التي هجرتها، وعن صباحات تبدأ قبل أن تكون مستعدة لها، وعن شعورها بالذنب كلما عجزت عن فعل شيء كانت تفعله بسهولة.

وحين انتهت، قالت المختصّة:

— ليس عليكِ أن تثبتي أن ألمكِ هو الأكبر حتى تستحقّي المساعدة.

بقيت العبارة معها في طريق العودة.

لم تكن وصفة سحرية، ولم تجعل ما تشعر به أقلّ ثقلًا. لكنها منحتها إذنًا لم تكن تعرف أنها تنتظره: أن تتوقف عن محاكمة نفسها لأنها متعبة.

لم تتحوّل الأيام التالية إلى سلسلة من الانتصارات. كانت هناك صباحات استطاعت فيها النهوض باكرًا، وأخرى بقيت فيها جالسة على حافة السرير تحدّق في الأرض. أحيانًا كانت تخرج من الجلسة أخفّ قليلًا، وأحيانًا تعود بأسئلة أكثر مما ذهبت به.

بدأت تتعلّم ألّا تقيس كل يوم بما أنجزته فيه.

وفي أحد الأيام، اقترحت مريم أن تذهبا إلى البحر.

جلستا على مقعد يواجه الماء. كانت الأمواج تقترب من الشاطئ ثم تنسحب، تاركة وراءها خطًّا رقيقًا من الرغوة. لم تتحدثا كثيرًا؛ لم يكن الصمت بينهما بحاجة إلى تبرير.

راقبت البحر، وتذكّرت كيف كانت تأتي إليه قديمًا بعد يوم طويل، تحمل دفتر ملاحظاتها أو تضع سماعاتها وتغنّي بصوت خافت. حاولت أن تستعيد ذلك الشعور، لكنها لم تجده كاملًا.

وللمرة الأولى، لم تجبر نفسها على العثور عليه.

حين عادت إلى البيت، مرّت قرب عودها الموضوع في غلافه منذ أشهر. توقفت، ثم جلست إلى جواره. فتحت الغلاف بحذر، كما لو أنها تخشى أن توقظ شيئًا نائمًا.

وضعت أصابعها على الأوتار، ونقرت وترًا واحدًا.

خرج الصوت قصيرًا، مهتزًّا، ثم انقطع.

لم تحاول عزف لحن كامل. أعادت العود إلى مكانه، وتركت الغلاف مفتوحًا.

كان ذلك كافيًا لذلك المساء.

في صباح آخر، أخرجت القميص الأزرق من الخزانة لتغسله، فرأت الخيط المنفلت عند الكمّ. أحضرت علبة الخياطة وجلست قرب النافذة. لم تكن ماهرة في الخياطة، فاستغرقت وقتًا أطول مما توقعت، واضطرت إلى فكّ الغرزة الأولى وإعادتها.

في النهاية، ثبت الخيط في مكانه.

رفعت القميص أمامها وتأمّلت الكمّ. لم يعد كما كان تمامًا؛ بقي أثر صغير للعملية، يكاد لا يُرى.

ابتسمت. لم تفكّر في الأمر بوصفه علامة على أنها أصبحت أفضل، ولم تحاول أن تستخرج منه درسًا عن الحياة. كانت قد أصلحت خيطًا في قميصها، هذا كل ما في الأمر. وفي صباح يوم عمل، ارتدت القميص الأزرق من جديد. وقفت أمام المرآة لحظة، سوّت ياقة القميص، ثم حملت حقيبتها وغادرت. في السيارة، شغّلت المذياع. كانت أغنية قديمة تعرف كلماتها، فحرّكت شفتيها معها بصوت خافت. لم تغنِّ المقطع كاملًا، ولم ترفع صوتها عند اللازمة كما كانت تفعل سابقًا.

لكنها لم تُطفئ المذياع. وصلت إلى المكتب، وفتحت حاسوبها، وقرأت الملاحظات التي كتبتها في اليوم السابق. كانت أمامها قصة تحتاج إلى متابعة، واتصال ينبغي أن تجريه، ورسالة لم تردّ عليها بعد. لم يكن كل شيء سهلًا، ولم تكن تعرف كيف سيمضي يومها. أخذت نفسًا هادئًا، وبدأت بأول اتصال. لم يحدث شيء كبير. ومع ذلك، كانت تمضي. ولم تكن مطالبة، في ذلك الصباح، بأن تكون أكثر من ذلك

قصصرانية مرجية
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع