كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

المعلّم السوبرمان: حين تصبح البطولة اسمًا آخر للعجز المؤسسي

رانية مرجية · 13/10/2026 الساعة 23:51


ليست المأساة أن يتعب المعلّم، بل أن يصبح تعبه جزءًا من النظام الذي يُفترض به أن يحميه؛ أن تتراكم على كتفيه أعباء منظومة تتعثّر في أداء وظائفها، ثم يُطلب منه أن يواصل الوقوف، كأنّ الإنهاك نقصٌ في كفاءته، لا علامة على خلل يتجاوز قدرته الفردية. من هذه المفارقة تنطلق منال مصطفى في نصّها «المعلّم السوبر مان»، لتفتح سؤالًا يتجاوز المهنة إلى أخلاقيات المسؤولية: متى يتحوّل الاعتراف بقدرة الإنسان على الاحتمال إلى ذريعة لاستنزافه؟

في العنوان، تتخفّى المفارقة الأولى. فالسوبرمان، في المخيال الشعبي، بطلٌ يمتلك من القدرات ما يتيح له إنقاذ الآخرين حين تعجز الوسائل العادية. لكنّ استدعاء هذه الصورة إلى المدرسة لا يأتي هنا احتفاءً ببطولة المعلّم، بقدر ما يكشف عن الثمن الذي يدفعه حين يُطلب منه أن يكون بديلًا عن كلّ ما ينقص المنظومة. إنّ التسمية التي تبدو مديحًا تنقلب إلى إدانة؛ فكلّما اتّسعت قائمة المهمات التي يُنتظر منه إنجازها، تقلّص الاعتراف بحقه في أن يكون إنسانًا له حدود، ووقت، وحاجة إلى المساندة.

هكذا لا يعود «السوبرمان» وصفًا لقوة خارقة، بل استعارةً لنظام يحمّل الفرد ما ينبغي أن تتقاسمه المؤسسة. والبطولة، في هذا السياق، ليست دليلًا على سلامة المنظومة؛ قد تكون الدليل الأوضح على اختلالها.

ليست المشكلة أنّ المعلّم لا يستطيع حمل كلّ شيء؛ المشكلة أنّ النظام يتصرّف كما لو أنّه يستطيع.

الصفّ المكتظّ: حين تضيق شروط التعلّم
تمنح منال مصطفى المكان المدرسي وظيفةً تتجاوز كونه خلفيةً للمشهد. فالصفّ المكتظّ، بطاولاته المتزاحمة وأجساده المتلاصقة، صورة مادية لاختناق العملية التعليمية. وحين تستحضر الكاتبة صورة «قرية نمل»، فإنها تنقل الاكتظاظ من حيّز الأرقام الإدارية إلى تجربة حسّية تكشف ما يفعله المكان بالإنسان: تضييق الحركة، وتشتيت الانتباه، وتقليص المساحة المتاحة للتواصل.

ليس الصفّ وعاءً محايدًا يحدث التعلّم داخله؛ إنّه أحد شروط إمكانه. فكلّما ازداد عدد الطلاب، ازدادت الحاجات التي ينبغي ملاحظتها والاستجابة لها، فيما يتقلّص الوقت المتاح لكلّ طالب. وإذا لم تصل الفكرة إلى نصف الصفّ، لا يكون تكرار الشرح دليلًا على قصور المعلّم بالضرورة، بل قد يكشف عن فجوة بين ما تتطلبه المهمة وما تسمح به البيئة.

هنا يضع النصّ إصبعه على خلل يتجاوز الاكتظاظ ذاته: تتحوّل نتائج الشروط غير الملائمة إلى مسؤولية فردية، ويُطلب من المعلّم أن يعوّض بجهده ما لم يُعالج على مستوى التنظيم والإمكانات. وكأنّ الإرادة المهنية تستطيع إلغاء أثر المكان، واختصار الزمن، وتلبية احتياجات عشرات المتعلّمين في اللحظة نفسها.

لكنّ الإرادة، مهما بلغت، لا تُلغي حدود الواقع. لذلك فإنّ تقييم الأداء بمعزل عن شروطه ليس مساءلة منصفة؛ إنّه اختزال للمشكلة في الحلقة الأكثر ظهورًا فيها، بدل مساءلة الأسباب التي تنتجها.

حين تدخل الحرب إلى الصفّ
يتّسع أفق النصّ حين تربط الكاتبة التعليم بآثار الحرب. فالحرب لا تنتهي بالضرورة بانتهاء الحدث؛ قد تواصل حضورها في تشتّت الانتباه، والاضطراب النفسي، والظروف المعيشية، والعلاقات الاجتماعية، والاستعداد للتعلّم. وهي بهذا المعنى لا تبقى خارج أسوار المدرسة، بل تدخلها مع الطلاب، وتظهر في قدرتهم على الإصغاء والفهم والتفاعل.

من هنا، تبدو مطالبة المدرسة بمواصلة المنهاج بالإيقاع السابق للأزمة مطالبةً تتجاهل أنّ المتعلّم نفسه قد تغيّر، وأنّ شروط التعلّم لم تعد هي ذاتها. وتستحضر الكاتبة صورة الطريق المثقّب بالحفر، الذي يُطلب من السائق اجتيازه بسرعة الطريق المستقيم. ليست الصورة مجرد توضيح لصعوبة المهمة؛ إنّها تكشف تناقض المطلب ذاته: حين يتغيّر الطريق، يصبح تعديل السرعة استجابةً للعائق، لا اعترافًا بالعجز.

وبالمثل، لا ينبغي أن يُقرأ التمهّل في التعليم بعد الأزمات بوصفه إخفاقًا تلقائيًّا، بل باعتباره حاجة إلى إعادة تقدير الزمن والأولويات والأدوات. فالمعرفة لا تُستعاد بمعزل عن الإنسان الذي يتلقّاها، ولا يمكن ترميم الفجوات بمجرد الإصرار على مواصلة المسار القديم.

ومع ذلك، يظلّ السؤال النقدي مفتوحًا: كيف تتحوّل هذه الرؤية إلى ممارسة مؤسسية، بدل أن تبقى عبئًا إضافيًّا على المعلّم؟ إنّ الاعتراف بآثار الحرب لا يكفي ما لم يصاحبه تغيير في شروط العمل، وفي ترتيب الأولويات، وفي توزيع المسؤوليات. وإلا أصبح المعلّم مطالبًا بأن يستوعب آثار الأزمة، وأن يعالجها، وأن يضمن في الوقت نفسه استمرار العملية التعليمية كما لو أنّ الأزمة لم تقع.

المساواة ليست عدالة
تضع الكاتبة الفروق الفردية في قلب المشهد: طالب يقرأ بطلاقة، وآخر لا يزال يصارع الحروف؛ طالب يبحث عن التحدّي، وآخر يحتاج إلى مساعدة تمكّنه من متابعة الحصّة. هؤلاء يجلسون في الصفّ نفسه، أمام الكتاب نفسه، وضمن البرنامج والزمن نفسيهما، ثم يُنتظر من المعلّم أن يضمن لكلّ واحد منهم فرصته في النجاح.

لكنّ توحيد الأدوات لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة. فحين تختلف الحاجات، قد تتحوّل المعاملة المتطابقة إلى عجز عن الإنصاف. وليس المقصود أن يُعفى الطالب المتعثّر من التعلّم، أو أن يُترك المتقدّم بلا تحدٍّ، بل أن تتوافر من المرونة والدعم والأطر ما يسمح لكلّ منهما بالتقدّم.

تنبع المعضلة من المسافة بين الاعتراف النظري بتنوّع المتعلّمين والقدرة العملية على الاستجابة له. فالتعليم الذي يَعِد باحتواء الجميع، من دون أن يوفّر الموارد التي تجعل هذا الاحتواء ممكنًا، ينقل التناقض إلى المعلّم: كيف يوزّع انتباهه؟ كيف يعيد الشرح لمن يحتاج إليه، ويحافظ في الوقت نفسه على تقدّم الآخرين؟ وكيف يلبّي احتياجات متباينة ضمن زمن وأدوات محدودين؟

هنا تبرز المسألة الأخلاقية التي يحملها النصّ: لا يجوز أن تتحوّل الفجوات التي عجزت المنظومة عن احتوائها إلى عبء فردي يُلقى على المعلّم، ثم يُحاسب على عدم قدرته على إغلاقها وحده.

التربية التي لا يتّسع لها الجدول
تلفت منال مصطفى النظر إلى محدودية حصّة التربية الواحدة في الأسبوع، في مقابل ما تتطلبه الحياة المدرسية من بناء يومي للمهارات الاجتماعية والانفعالية. فضبط الغضب، وتقبّل الخسارة، والاستماع إلى الآخر، وطلب المساعدة، والتعامل مع الإحباط، ليست مهارات تُكتسب بمجرد الحديث عنها؛ إنّها تحتاج إلى ممارسة وتكرار وتوجيه، وإلى بيئة تساعد الطالب على فهم سلوكه وإعادة بناء علاقاته.

وتتجلّى المفارقة في مثال حصّة الرياضة، التي يُفترض أن تكون متنفسًا، لكنها قد تصبح بداية نزاع يمتدّ إلى الصفّ. تنتهي المباراة، لكنّ الخلاف يبقى؛ ويجد المعلّم نفسه مطالبًا بالاستماع إلى الروايات، وتهدئة النفوس، وترميم العلاقات، ثم العودة إلى الدرس.

وتكثّف الكاتبة هذا التفاوت في عبارتها: «هناك من يسلّم الطالب الكرة، وهناك من يتحمّل كلّ ما يحدث بعد أن تسقط الكرة».

تكمن قوة هذه الصورة في أنّها تكشف ما لا يظهر في توزيع المهمات الرسمي: ثمة أحداث تنتهي في جدول الحصص، لكنها تواصل أثرها في العلاقات، وثمة عمل تربوي غير مرئي يستقرّ على عاتق المعلّم. غير أنّ الاعتراف بأهمية هذا العمل لا ينبغي أن يتحوّل إلى مبرّر لإلقائه عليه بلا حدود. فكون المعلّم مسؤولًا عن جانب أساسي من التربية لا يعني أنّه بديل عن المختصين، أو أنّ كلّ مشكلة سلوكية يجب أن تنتهي على مكتبه.

التربية ليست حصّةً يتيمة، كما أنّها ليست مسؤولية فردية. إنّها ممارسة مشتركة تتطلب وقتًا، واتساقًا بين العاملين في المدرسة، وأدوات تساعد على الوقاية من المشكلات، لا الاكتفاء بمعالجة آثارها بعد وقوعها.

بلاغة الاحتجاج وحدودها
تستمدّ لغة النصّ قوتها من تتابع الأفعال التي تصف أعباء المعلّم: يشرح، ويعيد، ويبسّط، ويحتوي، ويهدّئ، ويحفّز، ويراقب، ويتابع. وهذا التراكم يحاكي ازدحام المهمات، ويجعل الإيقاع اللغوي قريبًا من إيقاع يوم مدرسي لا يكاد يترك لصاحبه فرصة لالتقاط أنفاسه.

كما تؤدي الأسئلة الاستنكارية وظيفةً تتجاوز التعبير عن الضيق؛ فهي تدعو القارئ إلى مساءلة منطق المعادلة التربوية نفسها. وحين تتساءل الكاتبة عن جمع طلاب متفاوتين في القدرات والحاجات ضمن الشروط ذاتها، فإنها تكشف التناقض بين ما تتطلبه المهمة وما تتيحه المؤسسة لإنجازها.

غير أنّ الخطاب يقترب أحيانًا من التراكم الاحتجاجي؛ إذ تتوالى الأمثلة حتى تعود الفكرة المركزية بصيغ متقاربة. وهذا التكرار مفهوم في سياق الرغبة في إبراز حجم الاستنزاف، لكنه يخفّف أحيانًا من حدّة الحجة. فحين تتضح المفارقة، لا تحتاج دائمًا إلى مزيد من الشرح، بل قد يكون التوقف عندها أبلغ من إعادة تأكيدها.

كذلك، يميل النصّ إلى جعل المعلّم مركزًا شبه كامل للمشهد، وهو اختيار يخدم غايته الاحتجاجية، لكنه يترك بعض الأسئلة في الخلفية: كيف تتوزّع المسؤولية بين الإدارة والمعلّم والمختصين والأسرة؟ وما الذي يمكن أن يُطلب من كلّ طرف ضمن حدود دوره؟ وكيف نوازن بين إنصاف المعلّم وضرورة مساءلة الممارسة المهنية نفسها؟

لا تنقض هذه الأسئلة أطروحة الكاتبة؛ بل توسّع مجالها النقدي. فالدفاع عن المعلّم لا يستلزم إعفاءه من المساءلة، كما أنّ مساءلته لا تكون عادلة إذا تجاهلت الشروط التي يعمل ضمنها. وبين هذين الحدّين تتشكّل الرؤية التربوية الأكثر إنصافًا: مسؤولية واضحة، لكنّها موزّعة؛ ومحاسبة ضرورية، لكنها لا تتعامى عن الواقع.

أن نُنقذ الإنسان من أسطورته
في جوهره، لا يدعو نصّ منال مصطفى إلى تخفيف أعباء المعلّم فحسب، بل يعترض على تصوّر يجعل نجاح التعليم رهين قدرة الفرد على تعويض ما ينقص المنظومة. فالصفوف الأقل اكتظاظًا، والأطر الملائمة، والدعم المهني، والساعات الكافية للتربية، والمناهج التي تراعي التحولات، ليست امتيازات إضافية؛ إنّها شروط تجعل العمل التربوي ممكنًا ومستدامًا.

وتكمن القيمة الأعمق للنصّ في إعادة توجيه السؤال: بدل أن نسأل لماذا لم يستطع المعلّم حمل كلّ هذه الأعباء، علينا أن نسأل لماذا جرى وضعها جميعًا على كتفيه. وبدل أن نجعل صموده معيارًا لكفاءته، ينبغي أن نفحص الشروط التي تسمح لكفاءته بأن تتحوّل إلى أثر حقيقي في حياة الطلاب.

فالمعلّم ليس آلة شرح، ولا جهاز إنذار للسلوك، ولا بديلًا عن الأطر الغائبة. إنّه إنسان يقف أمام بشر، ويحاول أن يفتح لهم طريقًا إلى المعرفة، فيما يحمل كلّ منهم حاجاته وأسئلته وآثار تجربته. ولا يمكن لهذه المهمة أن تستقيم إذا طُلب منه أن يعوّض، بجهده الفردي، كلّ ما لم تستطع المؤسسة توفيره.

لهذا، لا ينبغي أن يكون هدفنا صناعة معلّم خارق، بل بناء مدرسة لا تحتاج إلى الخوارق كي تنجح؛ مدرسة تعترف بأنّ التعلّم مسؤولية جماعية، وأنّ الإنصاف يبدأ من فهم الاختلاف، وأنّ كرامة المعلّم ليست مكافأةً تُمنح له بعد الاستنزاف، بل شرط من شروط التعليم الذي يستحقّ اسمه.

فالسوبرمان ليس دليلًا على قوّة المدرسة؛ قد يكون الدليل الأكثر وضوحًا على عجزها عن توزيع أعبائها. وحين تصبح البطولة شرطًا لاستمرار التعليم، لا يعود السؤال كيف نمنح المعلّم قدرةً خارقة، بل كيف نعيد إلى المؤسسة مسؤولياتها، وإلى الإنسان حقّه في ألّا يُستنزف باسم رسالته.

رانية مرجية

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع