كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

"السيف والحيدر"  "حكاية وجدانية من ذاكرة العمر"

مرعي حيادري – أبو خالد · 14/10/2026 الساعة 22:13

عشتُ سنوات عمري بين أفراحٍ وأحزان، وبين انتصاراتٍ وانكسارات، وتعلّمتُ أن الحياة ليست طريقًا مفروشًا بالورود، بل ميدانٌ تتصارع فيه القيم والمصالح، ويُختبر فيه معدن الإنسان عند الشدائد. رأيتُ وجوهًا تُخفي خلف ابتسامتها ألف حكاية، وسمعتُ كلماتٍ تتزيّن بالوفاء، ثم تتوارى عند أول امتحان..

ومع ذلك، لم أفقد إيماني بالإنسان، ولم أسمح للقسوة أن تنتزع من قلبي محبّة الناس، كنتُ أؤمن أن الكرامة ليست في ارتفاع الصوت، ولا في استعراض القوة، بل في أن يبقى الإنسان وفيًّا لمبادئه، صادقًا مع نفسه، عادلًا في أحكامه، ثابتًا حين تتبدّل المواقف وتضيع البوصلة..

ولطالما سألتُ نفسي:- أأنا الذي صنعتُ شخصيتي من تجارب الحياة، أم أن الحياة هي التي صاغتني بالنار والألم؟ ربما كان الأمران معًا؛ فقد علّمتني الأيام أن الصبر ليس ضعفًا، وأن التسامح ليس هزيمة، وأن العفو لا يعني نسيان الحق، كما علّمتني أن السكوت عن الظلم قد يجعل الإنسان شريكًا في استمراره..

ومع مرور السنين، أخذتُ أفتّش في ذاكرتي عن ذلك الماضي الجميل، عن أيامٍ كانت فيها المحبة تجمعنا، والوفاء يحفظ العهد، وكانت الكلمة الصادقة أغلى من كل مكسب. تساءلتُ:- أيمكن لهذا الزمن الجميل أن يعود؟ أم أن علينا أن نخلق منه زمنًا جديدًا، يحمل أصالته ويتجاوز أخطاءه؟..

عندها أدركتُ أن الماضي لا يعود كما كان، لكن القيم النبيلة تستطيع أن تولد من جديد، إذا وجدت قلوبًا تؤمن بها وأجيالًا تحميها. فليس المجد أن نبقى أسرى الذكريات، بل أن نحوّل أجمل ما فيها إلى أفعالٍ تصنع حاضرًا أجمل ومستقبلًا يليق بأحلامنا..

يا أبناء جيلي، ويا من جئتم بعدنا، لا تجعلوا اختلاف الآراء سببًا للعداوة، ولا تسمحوا للمصالح الضيّقة أن تفرّق بين الأهل والأحبة، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا تحفظها الكلمات الرنّانة، وإنما يصونها الصدق، ويقوّيها التعاون، وترفع شأنها تربيةٌ تُعلّم الإنسان احترام أخيه الإنسان..

لقد تعلّمتُ أن السيف الحقيقي ليس الذي يجرح الناس، بل الذي يشقّ طريق الحق وسط غبار الباطل؛ وأن الحيدرية ليست اسمًا يُقال للتفاخر، بل مسؤوليةٌ أخلاقية، عنوانها الشجاعة والوفاء ونصرة المظلوم،فالقوة التي لا يحكمها العدل تتحوّل إلى ظلم، والهيبة التي لا يسندها الخُلُق تصبح قناعًا زائلًا..


وهكذا بقيتُ أنا السيف والحيدر؛ لا لأنني لا أتألم، بل لأنني أرفض أن يجعل الألم مني إنسانًا مهزومًا، ولا لأنني لا أخاف، بل لأنني لا أسمح للخوف أن ينتزع مني كرامتي ووفائي لأهلي ووطني،، فما دامت في القلب بقية من نبض، وفي الروح قبس من أمل، ستظلّ معركتي معركة وجودٍ وبقاء، وسيبقى سيفي للحق، وحيدريّتي عنوانًا للعزّة والوفاء..

اللهم اني كتبت وفاء للتجربة حبا لسريانها وبقاءً لجمالها .. ربي يبارك لكم بالسرد..
:انتهى"

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع