كلام ما قبل الانتخابات
مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلية السادسة والعشرين، نجد أنفسنا، نحن الفلسطينيين الأصلانيين الذين نعيش على أرضنا وفي وطننا، أمام أسئلة تتجاوز صناديق الاقتراع وحسابات المقاعد. فنحن أصحاب جذور وامتدادات وانتماء، ولسنا جماعة بدأ تاريخها بمنحها المواطنة الإسرائيلية، أو تتحدد هويتها بعلاقتها بمؤسسات الدولة. ونحن نعيش اليوم مرحلة يتحمل فيها الجيل الثالث مسؤولية الحفاظ على الوجود والهوية والانتماء، في ظل تحديات سياسية متفاقمة.
فالجيل الأول، الذي وُلد قبل نكبة عام 1948، وشهد أحداثها وعاش تداعياتها، غادر معظمه الحياة، ولم يبقَ منه إلا القليل. أما الجيل الثاني، الذي وُلد في السنوات التالية للنكبة، فقد عرف في طفولته وصباه مرارة الحكم العسكري، وعاش ما تلاه من سياسات وأحداث. وقد رحل بعض أبنائه، وما زلنا نودع آخرين يومًا بعد يوم. وأما الجيل الثالث، أبناء هؤلاء وأحفاد أولئك، فلم يعرف معاناة آبائه وأجداده من الروايات والذكريات وحدها، بل عاش بنفسه استمرار السياسات التي صنعت تلك المعاناة، وإن تبدلت أدواتها وأشكالها. وكان للتشريعات التي أقرّها الكنيست، باعتباره أحد أهم أعمدة المشروع الصهيوني ومؤسساته، دور أساسي في إرساء هذه السياسات وإدامتها طوال عقود.
ويواجه هذا الجيل اليوم تحديات تمسّ وعيه، ووجوده، وهويته، وانتماءه. ومن أبرزها مشاريع الأسرلة والاندماج التي باتت لها أحزاب وعناوين ومنابر وجيوش إلكترونية، تعمل على ترسيخها وتسويقها باعتبارها طريقًا إلى الحقوق والامتيازات، حتى حين يكون ثمنها الانسلاخ عن الهوية والتنكر للانتماء. وإذا كانت سياسات الأسرلة التي واجهها الآباء والأجداد قد اعتمدت على الخوف والتخويف والتهديد، فإنها تُسوَّق اليوم أيضًا بلغة الإقناع والمصلحة، ليصبح القبول بها خيارًا يتبناه بعض أبنائنا عن وعي وقناعة.
من هنا، يأتي الكلام عن الانتخابات وعن حق المقاطعة تحديدًا، وعن ثبات أصحابها على الجبل الذي اختاروا الوقوف عليه، انطلاقًا من قراءة ترى في هذا الموقف حمايةً للهوية والانتماء ورفضًا لمسار قد يعزز الأسرلة والاندماج في المنظومة الإسرائيلية. وهذا نقد للمسار وآثاره، لا حكم على وعي كل من اختار المشاركة أو على انتمائه، فقد يتمسك الإنسان بهويته، ويختار أداة سياسية نختلف معه في تقدير نتائجها ومخاطرها. ومن هذا المنطلق، نرفض تصوير المقاطعة تخلفًا عن المشهد أو عجزًا عن التأثير، بل إن محدودية القدرة على التغيير تظهر في حصيلة التجربة البرلمانية نفسها منذ انتخابات الكنيست الأولى عام 1949. فقد اصطدمت محاولات الأعضاء العرب، كلما تجاوزت حدودًا معينة، ببنية مؤسسة تقوم على أغلبية يهودية صهيونية، وتؤدي دورًا مركزيًا في تشريع سياسات الاستيطان والتمييز وتثبيت الطابع اليهودي للدولة. وازداد هذا المأزق مع انخفاض سقف العمل البرلماني وضيق الهامش المتاح للقوائم العربية التي ترفع راية العمل الوطني، ولا سيّما بعد السابع من أكتوبر 2023.
فالمقاطعة موقف سياسي موجّه إلى الكنيست والمنظومة التي يشكل أحد أعمدتها، وينطلق من قراءة لتاريخه ودوره، ومن تصور لما نريده لأنفسنا ولمستقبل أبنائنا. ولا بد من مواصلة قرع جدار الخزان والتأكيد على هذا الموقف، ولا سيّما في هذه المرحلة الحرجة، مدركين أن الزمن لن يتوقف عندنا، كما لم يتوقف عند من سبقنا، ولن يتوقف عند من سيأتي بعدنا. فمواقف اليوم ستصبح غدًا جزءًا من التاريخ، تقرؤه الأجيال وتحاسبنا عليه، فلماذا نتنازل عن دورنا ومسؤوليتنا؟ وهذه المقاطعة، بما أنها تستهدف المؤسسة والمنظومة، تشمل الامتناع عن التصويت للأحزاب العربية والصهيونية على حد سواء، ولا تستهدف معاقبة القوائم العربية.
وحين يطالب بعض المشاركين المقاطعين بـ "النزول عن شجرة المقاطعة"، فمن حق المقاطعين أن يسألوا: ومتى تخرجون أنتم من مأزق المشاركة ومنزلقاتها؟ لقد أخذ هذا الخيار فرصته وزيادة طوال ما يقارب ثمانية عقود، فإلى متى يُطلب منا تجديد الرهان عليه، بينما يُطالب أصحاب المقاطعة بالتراجع عن موقفهم؟
أما سؤال "ما هي حلولكم خارج الكنيست؟"، فيستدعي سؤالًا مقابلًا: ما الذي حققتموه داخله، وما حدود ما يمكن تحقيقه من خلاله؟ فالسؤال عن البدائل مشروع، لكنه لا يعفي المسار القائم من المساءلة، ولا يجعل غياب بديل مكتمل دليلًا على صوابه. وليس المقصود هنا تقديم المقاطعة حلًا مكتملًا، بل الدفاع عن مشروعيتها السياسية ورفض تحميل أصحابها وحدهم عبء تقديم الحلول، بينما يستمر خيار المشاركة من دون مراجعة جادة لحصيلته.
ومع ذلك، يصبح أصحاب المقاطعة المبدئية هدفًا سهلًا لتحميلهم مسؤولية الإخفاق، لأن موقفهم واضح ومعلن، وله عناوين معروفة. وتُخلط مقاطعتهم بأشكال أخرى من عدم المشاركة، كالامتناع الاحتجاجي وعدم الاكتراث، ثم تُلقى تبعات الجميع عليهم. وتتكرر الحجة: لو شاركوا لارتفعت نسبة التصويت، ولازداد عدد المقاعد، ولتغيرت النتائج. وقد تؤثر المقاطعة في الحسابات الانتخابية، لكن هذا الأثر لا يكفي وحده لإدانتها، ولا يثبت أن زيادة المقاعد قادرة على تجاوز حدود المؤسسة. فأين تنتهي مسؤولية المقاطعين، وأين تبدأ مسؤولية المشاركين عن رهاناتهم السياسية ونتائجها؟
أما القول إن المقاطعة تمنح الحكومة "صكًا على بياض" لتنفيذ مخططاتها، فيستدعي مساءلة الدعوة إلى التصويت أيضًا: حين تُقدم المشاركة باعتبارها وسيلة لإيصال معسكر إسرائيلي بديل إلى الحكم، أليس تأييده لمجرد معارضته نتنياهو هو ما قد يمنحه هذا الصك، إذا أُجلت مساءلته عن موقفه من شعبنا وحقوقه؟ فالإقرار بخطورة الحكومة لا يجعل إسقاطها تلقائيًا معركتنا المركزية، ولا يحوّل خصومها إلى حلفاء لنا، إذ قد يختلفون معها على إدارة الدولة، ويتفقون على الاحتلال والاستيطان والحرب. ومن حقنا أن نرغب في سقوطها، من دون أن نصبح شركاء في صناعة بديل يواصل السياسات نفسها.
ولا يكفي لتبرير هذا الرهان القول إننا نختار "الأقل ضررًا"، فالأقل ضررًا على مَن؟ وهل يُقاس الضرر بما يمسّ الفلسطينيين في الداخل وحدهم، بمعزل عن أهلنا في غزة، والضفة، والقدس، والأقصى؟ ثم هل نحن مضطرون أصلًا إلى الاختيار بين هذه القوى؟ إن تفاوت المخاطر يستحق التقييم، لكنه لا يجعل المشاركة ضرورة تلقائية، كما أن وصف الانتخابات بأنها "مصيرية" أو "نازلة" لا يغني عن إثبات حجم تأثيرنا الفعلي وما يمكن أن يغيّره البديل. وهذه مساءلة للتوصيف السياسي، أما الحكم الفقهي فله أهله ومجاله. المطلوب أن نقرأ الواقع أولًا، وأن نزن الخيارات بحقوق شعبنا كله، قبل أن نحشد أصواتنا لصالح أي بديل.
فيا من اخترتم المقاطعة انطلاقًا من مسؤوليتكم تجاه الهوية والانتماء، اثبتوا على الجبل الذي اخترتم الوقوف عليه، ولا تنزلوا عنه استجابةً للتخويف أو تحت ضغط الاتهام. وليكن ثباتكم مقرونًا بالعمل وبناء البدائل ومراجعة التجربة، فالمقاطعة موقف نتحمل مسؤوليته، كما يتحمل المشاركون مسؤولية خيارهم. وهي حق سياسي لا يسقط لأن أصحابه أقلية، ولا يتوقف على امتلاك حلول مكتملة لكل ما عجز مسار المشاركة عن معالجته. واختلاف الخيارات لا يمنح أحدًا حق مصادرة موقف الآخر، ولا يجعل المقاطعين مسؤولين عن كل إخفاق في مسار المشاركة.