حول أهمّيّة المشاركة في الانتخابات
لست ممن يعوّلون كثيرًا على البرلمان الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه، لست ممن ُيقللون أو يستخفّون بأهمية وجودنا وحضورنا فيه، بوصفنا عربًا فلسطينيين منقوصي الحقوق، بما في ذلك الحق في المواطنة الكاملة والمتساوية، التي تشتق منها حقوق عديدة، وخصوصًا الحق في التمثيل السياسي، والترشّح والانتخاب، والتعبير عن الرأي.
لحقوق المجتمع الفلسطيني في البلاد مصادر ومرجعيات متعددة، منها المرجعيات الدولية التي تحمي حقوق السكان الأصليين وحقوق الأقليات، فضلًا عن الحق في المواطنة الكاملة. وللأسف الشديد، ترسّخت في الوعي والممارسة الإسرائيليين تراتبية مواطنية، تقوم على مواطنة يهودية قوية وكاملة وغير مشروطة، في مقابل مواطنة عربية ضعيفة ومنقوصة ومشروطة ومهدّدة.
لقد سُحق موضوع المواطنة في السنوات الأخيرة، وتقلّص هامش الهامش، حتى أصبح حيزًا هلاميًا، وخصوصًا منذ حرب الإبادة في غزة، حيث تعمّق نظام الأبارتهايد والتطهير العرقي، وأصبحت حياة المواطنين العرب الفلسطينيين في الداخل مهدّدة بشكل يومي وفي مختلف مجالات الحياة، في مشهد لم يشهد المجتمع العربي مثله إلا إبان الحكم العسكري.
يُضاف إلى ذلك أن الحكومة الحالية، التي شنّت حرب الإبادة، وتواصل اقتحام المسجد الأقصى والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية، تدعم الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، وتوسّع الاستيطان، وتسمح بقطع الأشجار وسرقة المواشي والممتلكات، وتقيّد حرية الحركة، وتكثّف عمليات الاعتقال والطرد والتنكيل. وهذه الحكومة نفسها تحمل فكرًا فاشيًا عنصريًا معاديًا للمجتمع العربي في الداخل، تحرّض عليه وتسنّ القوانين ضده، وتسعى إلى محو هويته وتقييد وجوده وتجديد وتعميق الاستيطان في الجليل والنقب وتهويد الحيّز، كما حدث مؤخرًا في منطقة أراضي الروس في مجد الكروم، وفي الأراضي المحاذية لبلدة عيلبون وغيرها.
ويضاف إلى ذلك هدم المنازل، وسلب الميزانيات المخصّصة للمجتمع العربي، وإتاحة المجال لتفاقم الجريمة والعنف وانتشار السلاح. وإن لم يكن كل ذلك كافيًا، فيمكننا أن نشهد عمليات الاعتداء على الشباب العرب والصبايا في الحيّز العام والجامعات، إلى جانب التحريض والاعتداء على سائقي الحافلات والأطباء والممرضين العرب.
إضافة إلى ذلك، يعمل اليمين الفاشي بصورة متواصلة على الملاحقة السياسية للحركات المشاركة في الانتخابات، وللقوى والقيادات العربية التي تقاطع الانتخابات، في مسعى إلى إسكات المجتمع العربي وإخراسه، وإعادة هندسة وعي الإنسان العربي.
إن الحكومة الحالية هي أسوأ حكومة في إسرائيل منذ تأسيسها؛ فهي تحمل فكرًا مسيانيًا وفاشيًا وعنصريًا وعنيفًا، وهي مستعدة لاستخدام كل الوسائل الممكنة للتخلّص من العرب وتهجيرهم والتضييق عليهم. ولذلك، يجب حشد كل الجهود من أجل إسقاطها. والوسيلة المتاحة لنا، التي يمكننا استخدامها لتحقيق هذا الهدف، هي ممارسة حقنا في التصويت. فهذا الحق مورد يجب استثماره، وعامل قوة ينبغي توظيفه بصورة صحيحة، وخصوصًا في هذه الظروف الحساسة.
ليس من المتوقع أن تكون الحكومة البديلة أفضل من الحكومة الراهنة،( لأسباب بنيوية تتعلق بتعريف الدولة والتحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي والمشهد السياسي في السنوات الأخيرة). كما أن جميع الملفات المحلية والإقليمية ما زالت مفتوحة. ومع ذلك، من الممكن أن تكون الحكومة البديلة أقل سوءًا، ولذلك فإن المشاركة في التصويت وتعزيز الحضور العربي الفلسطيني الوطني في الكنيست قد يحدّان من حضور اليمين الفاشي وهيمنته.
من هذا المنطلق، تبرز أهمية خروج المجتمع العربي إلى صناديق الاقتراع وممارسة حقه في الانتخاب والتأثير. كما يجب إدراك أن الكنيست تمثّل إحدى استراتيجيات النضال، إلى جانب العمل الشعبي والقانوني، والمرافعة على المستويين المحلي والدولي، والاحتجاج، والعمل الإعلامي والاقتصادي، وإجراء الدراسات والأبحاث، والتأثير في السياسات، وتنظيم المجتمع. فالعمل البرلماني وسيلة ينبغي عدم الاستغناء عنها، بل تطويرها وتعزيزها ورفدها باستراتيجيات نضالية أخرى.
كما يجب التأكيد على ضرورة إعادة هيكلة لجنة المتابعة العليا وبنائها وتقويتها، لتكون مؤسسة جامعة لمختلف أطياف المجتمع الفلسطيني. وقد تناولنا موضوع لجنة المتابعة في مقالات متعددة.
إن عملية التغيير في ظل واقع الاحتلال والاستعمار والاضطهاد والتمييز عملية صعبة ومركّبة، تتطلب عملًا جماعيًا مثابرًا ومتواصلا على مستويات متعددة، وفي إطار استراتيجيات متكاملة ومنسجمة، وصولًا إلى تحقيق الحقوق الجماعية والفردية، القومية والمدنية.
هنالك الكثير من الأمور التي يجب إصلاحها في الأحزاب العربية، وقد تطرقنا إلى ذلك في مقالات متعددة، وخصوصا ضرورة بلورة مشروع وطني سياسي يستند إلى الثوابت والمنطلقات الوطنية وقادر على إيجاد حلول لمشاكل الناس الحياتية، وهذة حاجة ملُّحة حيث تربط القيم بالعمل، والهوية بالواقع، والقومي بالمدني، والفردي بالجماعي، والسياسي بالأخلاقي.
مع ذلك، ورغم كل شيء، هنالك أهمية للخروج والمشاركة والتصويت وتعزيز الحضور العربي.