كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

خاطرة وجدانية في الذكرى السنوية ال-59 لرحيله: ارنستو تشي غيفارا – نهاية بطل... وميلاد أسطورة

ديب عكاوي · 23/10/2026 الساعة 09:23

بروفيسور ديب عكاوي

(الثائر الذي لا يموت )

كنت وانا طفل – طالب في المرحلة الابتدائية أرى صور ارنستو تشي جيفارا على الحوائط, وصفحات الجرائد والمجلات, وقمصان الشباب, والملصقات ... فكنت أظنه وقتها رجلا "متدينا" او واحدا من علماء المسلمين الكبار...ولا عجب, فانا من الجيل الذي خرج الى هذه الدنيا - بالمعنى الفكري والسياسي, وليس البيولوجي (الجسدي )- بعدما غادرها جيفارا جسديا.

وعندما وصلت الى المرحلة الثانوية في مدرسة يني الثانوية في كفرياسيف  بدأت اسمع عنه وعن ثورته ونضاله  كلاما كثيرا متناقضا ومبهما في معظمه بالنسبة لي في تلك الأيام ...ذلك لأنني لم اكن "اهتم" او على دراية بمكامن الأمور السياسية والفكرية.

ثم شيئا فشيئا, وبحكم الفضول الذي يميّز الشباب في هذه المرحلة من العمر بدأت اتعرّف على " الشيوعية" و " الماركسية-اللينينية" و"اليسار" و"اليمين" ... وغير ذلك من المصطلحات التي استغلقت على عقول الكثيرين في تلك الأيام ولا زالت بشكل او بآخر حتى يومنا هذا ومنهم انا بالطبع .

وبدأت آنذاك اتعرّف على جيفارا وأفكاره لأول مرة عن قرب...

بالطبع في البداية, وبحكم تكويني كمسلم كما الآخرين من أبناء جيلينا في تلك الفترة  , لم استلطف هذا الرجل لأنه شيوعي وماركسي حتى النخاع... أي ببساطة ملحد لا يؤمن بالله...

وربما كان ايماني بوجود الله في تلك الفترة هو الثابت الوحيد في حياتي... ومرت الأيام.

نعم مجرد أشهر قليلة نسبيا بالكاد تبلغ السنة الواحدة ... وتغيّرت عندما كنت في الصف الحادي عشر... وتغيّر تفكيري 180 درجة من النقيض الى النقيض...

لقد أصبحت شيوعيا او هكذا اعتقد.

لكن...

طوال هذه المدة كان وجه جيفارا لا يفارق مخيلتي... وجه يبدو بسيطا تبرز منه عينان تتألقان ببريق غامض... وواضح.

ربما هي الثقة بالنفس  و " بالقضية ".

ربما هي تطلّع الى غد أفضل على الأقل من وجهة نظره ...

ربما هي ...؟

سأترك للقارئ تلك المهمة...

أنظر في عينيه واستنتج ما يحلو لك...

عموما كنت وما زلت أسأل نفسي حتى اليوم:

لماذا ترك شخص كهذا بيته, واسرته, وموطنه ,  والقصور, وكل ما طاب ولذ في هذه الدنيا وفضل العيش وسط الأحراش والغابات طريدا مطاردا لا يكاد ينعم بالنوم ولا تكاد الراحة تعرف لجسده الكليل سبيلا ؟

لماذا يفضل انسان مثله هذه العيشة الصعبة والمعقدة على حياة القصور والاضواء والكاميرات التي لم تتأخر عنه ولم تكن بعيدة عن متناوله بل مارسها بالفعل لبعض الوقت أيام عمل سياسيا في حكومة فيدل كاسترو في كوبا؟

أجل لقد انتصرت الثورة الكوبية وحقق جيفارا نصرا شخصيا لأفكاره ومبادئه ولدعوته التي كان يدعو اليها ويقاتل من اجلها ...

لكن  من المفارقة انه اذا كان انتصار هذه الثورة  بالنسبة لكاسترو نهاية الحلم فأن هذا الانتصار مثّل لأرنستو جيفارا بداية هذا الحلم وليس نهايته ...

لقد انتصرت الثورة وانتصر جيفارا وكان من حقه أن " يستريح "... ليس من النضال, ولكن من "القتال" وحمل السلاح وتعريض نفسه وحياته للخطر الدائم...

كان بامكانه أن يواصل "النضال" من على "مكتب" أنيق في افخم قصور الرئاسة او الوزراء في كوبا...

او من على شاشات التلفزيون او من بين سطور احدى الصحف "المناضلة" بالحبر الأسود وبالألوان...

لكنه ترك كل ذلك ليواصل "القتال" , نعم القتال ,الى جانب المقهورين والمظلومين في هذا العالم , تركه ليواصل معيشة "الشقاء" و "الضنا".

فلماذا يا ترى ؟ 

هل هي روح الثورة والتمرد على الظلم التي دفعته للسعي وراء تخفيف شقاء الآخرين حتى وان زاد ذلك من شقائه ومعاناته هو شخصيا ؟

هل هو "ادمان" للنضال..؟

أقصد بالمعنى النفسي..

هل وضع نفسه في صورة معينة كان يستطيع السيطرة عليها في البداية لكنها خرجت فيما بعد عن سيطرته وأصبح هو تحت سيطرتها؟

هل هو مصير الابطال و"غلطتهم التاريخية" التي تجعل مأساتهم امرا محتوما لا مفر منه, كما يقول شكسبير؟

أعتقد ان بإمكاننا ان نطرح ألف سؤال وسؤال...ولن نجد سوى بضع إجابات لا تسمن ولا تغني من جوع.

ان حالة جيفارا هي حالة تثير الكثير من التساؤلات والأسئلة...هي حالة لا اظن ان التراث الإنساني يمكن ان يستغني عن وجودها او يستبدلها بحالات أخرى ليست "جيفارية" الهوى والنزعة.

هي حالة اثارت معينا لا ينضب من الأفكار والخواطر والتأملات...

ووقفت وراء تأليف عشرات الكتب والمقالات ولا تزال.

حالة كان لها أيضا  مردودها الاقتصادي حتى على اعدائها.

أجل...ها انت ترى صور جيفارا - وخصوصا وجهه بالقبعة المرصعة بالنجمة الخماسية - في اكثر من مكان : على القمصان والحوائط والساعات والزجاجات والقداحات واغلفة الكتب والمجلات والملصقات ...الخ.

وفي كل مرة تظهر فيها صورة جيفارا على هذه الأشياء تكون هناك ملايين تتدفق  في جيوب تنتفخ وعقول تتساءل وكتب تؤلف ومقالات وأفكار وخواطر تكتب...

ومنها بالطبع هذه الخاطرة-المقالة الوجدانية  التي هي ليس تأريخا لهذه الحالة بقدر ما هي مجرد تأمل صادق ومتواضع في جوانبها وابعادها وادراك لمفرداتها ودلالاتها وتأثيرها في عالم اليوم , ذلك التأثير الذي لم ينقطع منذ الامس ولا اعتقد انه سينقطع في الغد.

وأود هنا ان أقف وقفة لابد منها مع نفسي.

ان اعجابي أللامحدود بشخصية جيفارا لا يتضمن بالضرورة ايمانا بنفس المبادئ والطروحات التي كان يدعو اليها ويقاتل من اجلها, ولا أقول ذلك من باب دفع الشبهة عن نفسي, بل أقوله اقتناعا وايمانا بان جيفارا كان نموذجا قلّ جدا نظيره في الوقت الراهن للإنسان الذي رفض الظلم, او على الأقل رفض ما رآه هو ظلما وجورا ولم يكتف بمجرد الإدانة بالكلام ومصمصة الشفاه والشتائم وفرك اليدين وضرب الكف بالكف , ولكنه ضحى بحياته وسعادته - كما نفهمها نحن - في سبيل ما يؤمن به.

أي انه مارس " تغيير المنكر"  باليد والقلب واللسان...وبالروح أيضا...

وفي حالة كهذه فان اقل ما يوصف به - وبكل أمانة – هو انه "صادق" الى اقصى حدود الصدق والى ما قد لا يتصوره عقل بشر...

نعم... صادق مع نفسه ومع مبادئه التي آمن بها واثبت ايمانه هذا بتضحيته بحياته في سبيلها.

فهو لذلك يستحق الاحترام والتقدير حتى وان كان البعض منا لا يتفق مع ما آمن به وسعى لتحقيقه هذا الرجل الأسطورة .

وثمة أمر آخر يستحق جيفارا من الاحرار العرب عليه الشكر والاعتراف له بالجميل ... ألا وهو ابتكاره لحرب العصابات ( حرب الغوريلا – Guerrilla Warfare ) ووضع أسسها ومبادئها وقواعدها حتى صارت علما يدرّس في المعاهد والكليات العسكرية المختلفة , هذا الى جانب تدريسها ضمن موضوعات مساق القانون الدولي الإنساني في كليات الحقوق ,والعلوم السياسية والإنسانية , والعلاقات الدولية وغيرها..., وبالطبع حالفني الحظ أن أدرّسها ولا زلت ضمن موضوعات المساق المذكور لطلبة الدكتوراه في القانون الدولي في كلية الدراسات العليا بالجامعة العربية الامريكية في رام الله.

اجل ان هذه الحرب التي ظهرت في أروع تجلياتها خلال النضالات التي خاضتها مختلف حركات التحرر الوطني والمقاومة  قد أفادت كثيرا, وما الحرب الأخيرة التي تخوضها المقاومة اللبنانية ضد القوات العسكرية الإسرائيلية في لبنان عن اذهاننا وذاكرتنا ببعيدة.

بكل تأكيد فلو لم يفعل جيفارا سوى ذلك لاستحق الشكر...كل الشكر والثناء , ولكنه فعل الكثير الذي اقله ضربه المثل لكل من يؤمن بمبدأ وبفكرة صادقة وهي ان الايمان "ما وقر في القلب وصدقه العمل" وأظن ان هذا وحده يكفي.

لقد كان بكل تأكيد انسانا شجاعا, جريئا, صاحب كلمة وقرار, حلم بعالم تسوده العدالة, واحترق لكي ينير الطريق امام الآخرين, وتعدّ مقولاته رموزا خالدة للحرية والرفض المطلق للظلم, حيث تركت كلماته بصمة عميقة في وجدان الاحرار حول العالم حول معاني النضال والتضحية والعدالة الاجتماعية.

ولهذا  يستحق الكوموندانتي تشي غيفارا بكل جدارة واحترام وتقدير لقب: الانسان الأكثر كمالا في عصرنا , كما وصفه الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر يوم رحيله بعد ان اطلق رصاصته الأخيرة في التاسع من شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1967.

جيفاراثائر
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع