المواطنة ليست مكافأة عسكرية
عندما يقول المرشح الجديد للكنيست يوعاز هندل إن "من لا يخدم في الجيش لن يحصل على شيكل من الدولة"، فهو لا يهاجم العرب فقط، بل يهاجم الفكرة الأساسية التي تقوم عليها أي دولة تدّعي الديمقراطية. فالدولة ليست ثكنة عسكرية، والمواطنة ليست رتبة عسكرية، والحقوق ليست مكافأة توزعها السلطة على من يرضى عنها وتحجبها عمن يختلف معها.
إذا كان منطق هندل هو أن الحقوق مرتبطة بالخدمة العسكرية، فليكن منطقاً كاملاً وصريحاً: لا تطلبوا شيكلاً واحداً من مواطن لا تريدون مساواته، ولا تفرضوا الضرائب على إنسان تعتبرونه مواطناً من الدرجة الثانية، ولا تتحدثوا عن الديمقراطية وأنتم تضعون شروطاً قومية وعرقية للحصول على الحقوق الأساسية. الحقيقة التي يحاول هؤلاء الهروب منها هي أن الدولة وعدت منذ قيامها بالمساواة بين مواطنيها. هذا ليس رأيي الشخصي، بل ما كُتب بوضوح في إعلان الاستقلال. لكن ما حدث على الأرض كان النقيض تماماً. فمنذ عام 1948 فُرض الحكم العسكري على المواطنين العرب، وصودرت الأراضي، وحوصرت القرى، وعومل أصحاب البلاد الأصليون على أنهم مشكلة أمنية يجب مراقبتها لا مواطنون يجب احترام حقوقهم.
ومنذ ذلك الوقت لم يتراجع التمييز، بل تطور وتعمق. بدأ كممارسات، ثم تحول إلى سياسات، ثم إلى منظومة مؤسساتية كاملة، ثم إلى قوانين. حتى وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها العنصرية لا تحتاج إلى التستر خلف الشعارات، بل تُكتب في القوانين وتُطرح على المنابر وتُستخدم وقوداً انتخابياً.
قانون القومية لم يكن حادثاً عرضياً، بل إعلاناً رسمياً بأن الدولة تنتمي لقومية واحدة ولا تنتمي إلى جميع مواطنيها. لقد قيل للعرب بوضوح: أنتم تدفعون الضرائب، تلتزمون بالقانون، تساهمون في الاقتصاد، تبنون الجامعات والمستشفيات والشركات، لكنكم لن تكونوا متساوين حقاً.
نحن العرب لم نأتي إلى هذه الدولة من وراء البحار. لسنا مهاجرين طرقوا أبوابها طالبين الإقامة، بل الدولة هي التي هاجرت الينا. نحن أبناء هذه الأرض، ولدنا فيها قبل قيام الدولة، وعاشت فيها أجيالنا قبل أن تظهر الحكومات والأحزاب والائتلافات التي تحاول اليوم تعليمنا معنى الانتماء والولاء.
والأخطر أن هذا الخطاب لم يعد مجرد كلام متطرف. إنه مشروع سياسي كامل هدفه واضح: جعل العربي يشعر بأنه غريب في وطنه، وأن مكانته مؤقتة، وأن حقوقه مشروطة، وأن مستقبله محدود. وعندما يصل الطبيب والباحث والمهندس ورجل الأعمال إلى قناعة بأن سقف طموحه سيبقى أقل من غيره بسبب هويته فقط، تصبح الهجرة خياراً مطروحاً لا حلماً شخصياً. وهذه خسارة يدفع ثمنها المجتمع كله.
إن ما يقوله هندل، وما يردده معه سياسيون من اليمين القومي والديني، ليس دعوة للمساواة في الواجبات، بل محاولة لإضفاء الشرعية على عدم المساواة في الحقوق. والفرق بين الأمرين هائل. فالمساواة لا تبدأ بسؤال المواطن ماذا قدم للدولة، بل بسؤال الدولة ماذا قدمت لكل مواطنيها دون تمييز. كفى لهذا الاستعلاء القذر. كفى لمحاولات تقسيم المواطنين إلى سادة وأتباع، أصحاب بيت وضيوف، مستحقين وغير مستحقين. الدولة التي تميّز بين مواطنيها على أساس القومية والدين لا يحق لها أن تتحدث باسم الديمقراطية، والدولة التي تمنح الحقوق لفئة وتساوم عليها مع فئة أخرى تصبح هي بذاتها أزمة أخلاقية قبل أن تصنع أزمة سياسية.
المطلوب اليوم ليس تصريحاً أكثر لطفاً ولا خطاباً أكثر تهذيباً، بل تغيير جذري في المعادلة كلها: مساواة كاملة في المواطنة، ومساواة كاملة في الفرص. أما استمرار سياسة الامتيازات القومية والتمييز القانوني والمؤسساتي فلن ينتج شراكة، بل مزيداً من الغضب والاغتراب وانعدام الثقة. المواطنة ليست منحة من هندل ولا من أي وزير أو حزب. المواطنة حق. ومن يرفض المساواة بين المواطنين عليه أن يتوقف عن استخدام كلمة "ديمقراطية"، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، بل بمدى المساواة بين المواطنين أمام الدولة. وفي هذا الامتحان، ما زالت إسرائيل بعيدة جداً عن علامة النجاح المطلوبة.