يا شعبنا النفير إلى صناديق الاقتراع: لا تتنازل عن مستقبل إبنك
يوم غد الثلاثاء، 27 تشرين الأول 2026، يوم لا يجوز أن نمرّ عليه مرورًا عاديًا. نحن أمام مرحلة صعبة، وربما أصعب مما يتوقع كثيرون، وفي ظل واقع سياسي لا يبعث على الاطمئنان، يصبح السؤال المطروح أمام كل واحد منا: ماذا سنفعل لحماية حقوقنا ومستقبل أبنائنا؟ هل سنقف جانبًا ونكتفي بالشكوى، أم سنستخدم حقنا في التصويت ونحاول التأثير في ما ينتظرنا؟
الجواب: لا مجال للتردد، لا مجال للتفريط: إنزل صوت.
لا يحتاج مجتمعنا إلى من يشرح له حجم المعاناة التي يعيشها. الناس ترى ما يجري حولها كل يوم. ترى البيوت المهددة بالهدم، والأزمات التي تواجهها بلداتنا في التخطيط والبناء، ونقص الميزانيات، وتفاقم العنف والجريمة، وترى شبابًا وشابات ينهون دراستهم الجامعية ثم يجدون أنفسهم أمام صعوبات كبيرة في دخول سوق العمل. وفوق كل ذلك، هناك خطاب عنصري وتحريض متواصل، وسياسات تجعل المواطن العربي يشعر أحيانًا بأن حقوقه ومكانته موضع نقاش، بدلًا من أن تكون حقوقًا ثابتة لا يجوز المساس بها.
المشكلة أن ما نعيشه اليوم قد لا يكون نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة أكثر صعوبة إذا استمرت هذه السياسات وتعمقت. فالتمييز لا يبقى دائمًا في حدود الممارسات اليومية، بل قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى قوانين وأنظمة تجعل تجاوزه أكثر صعوبة. وحين تتراجع المساواة، وتُضيَّق المساحات أمام المواطنين، وتُمسّ استقلالية المؤسسات التي يفترض أن تحمي الحقوق، فإن الضرر لا يتوقف عند جيلنا، بل يمتد إلى أبنائنا وأحفادنا.
لهذا، فإن الحديث عن الانتخابات ليس حديثًا عن الأحزاب، ولا عن أسماء المرشحين أو المقاعد التي قد يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك. المسألة أوسع من ذلك بكثير. إنها تتعلق بنوعية الحياة التي نريدها لأنفسنا، وبالمكانة التي نريدها لمجتمعنا، وبالحقوق التي نريد أن يتمتع بها أبناؤنا في التعليم والعمل والسكن والحياة الكريمة.
هل نريد لأبنائنا أن يدخلوا الجامعات وهم مطمئنون إلى أن فرصهم ستُقاس بكفاءتهم واجتهادهم؟ هل نريد لهم أن لا يتعرضوا للمعاملة العنصرية في الباص، والمستشفى والجامعة والقطار والمجمعات التجارية وأن يجدوا فرص عمل عادلة، وألّا تتحول الشروط التمييزية إلى حواجز أمام مستقبلهم؟ هل نريد لبلداتنا أن تتوسع وتتطور، وأن يحصل أهلها على الميزانيات والخدمات التي يستحقونها؟ وهل نريد أن يبقى القضاء مستقلًا، وأن تكون هناك مؤسسات قادرة على حماية الحقوق ومواجهة التجاوزات؟ هذه ليست أسئلة نظرية، بل قضايا تمسّ كل بيت عربي في هذه البلاد.
إن مستقبل التعليم الجامعي، والاعتراف بالشهادات، وفرص العمل، واستقلال القضاء، وحرية التعبير، كلها قضايا تستحق أن نتوقف عندها بجدية. وأي تشريع أو سياسة قد تخلق تمييزًا بين المواطنين أو تنتقص من حقوقهم يجب أن تواجه بالنقاش والموقف والعمل الديمقراطي. فالمساواة ليست منّة من أحد، وحقوق المواطن لا ينبغي أن تتوقف على هويته أو انتمائه أو موقفه السياسي.
أما قضية الأرض والمسكن، فهي حكاية أخرى يعرفها أهلنا جيدًا. عندما يُهدَّد بيت بالهدم، لا تكون المسألة مجرد مخالفة إدارية في نظر أصحابه؛ إنها خوف على العائلة والاستقرار والمستقبل. وعندما تضيق مسطحات بلداتنا ولا تتوافر أراضٍ كافية للبناء والتوسع، فإن الشباب يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة، وقد تضطر عائلات إلى تأجيل مشاريعها أو مغادرة محيطها بحثًا عن فرصة أفضل. وعندما لا تحصل بلداتنا على نصيب عادل من الميزانيات والبنية التحتية، يدفع الجميع الثمن، من الطالب الذي يحتاج إلى مدرسة، إلى المريض الذي يحتاج إلى خدمات أفضل، إلى الشاب الذي يبحث عن مكان يبني فيه حياته.
أمام هذا الواقع، لا يجوز أن نتعامل مع يوم الانتخابات وكأنه شأن يخص السياسيين وحدهم. السياسة تدخل إلى بيوتنا، وتؤثر في مدارسنا وشوارعنا وأرضنا وفرص أبنائنا. ولذلك، فإن مسؤولية المشاركة تقع على الجميع، على الشباب والشابات، وعلى الرجال والنساء، وعلى كبار السن، وعلى كل إنسان يدرك أن مستقبله لا ينفصل عن مستقبل مجتمعه.
الامتناع عن التصويت لا يوقف الانتخابات، ولا يمنع تشكيل الحكومة، ولا يلغي القرارات التي قد تمسّ حياتنا. الانتخابات ستجري، والآخرون سيذهبون إلى الصناديق، وستُحسم النتائج وفق الأصوات التي أُدلي بها. أما من يقرر البقاء في البيت، فإنه يتنازل عن فرصته في التأثير، مهما كانت أسبابه أو اعتراضاته. وقد يكتشف بعد ذلك أن القرارات التي كان يعترض عليها أصبحت واقعًا يعيشه هو وأبناؤه، وأن الفرصة التي كانت متاحة أمامه قد انتهت.
ومن المهم أن يفهم شبابنا هذه الحقيقة. أنتم الذين ستعيشون سنوات أطول مع نتائج القرارات التي تُتخذ اليوم. أنتم الذين تبحثون عن فرص التعليم والعمل والسكن، وتريدون أن تبنوا مستقبلًا كريمًا في بلداتكم وبين أهلكم. لا يكفي أن نغضب من الواقع أو ننتقده على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم نترك الآخرين يقررون عنا. من حقكم أن تختلفوا، وأن تنتقدوا، وأن تحاسبوا، لكن من حقكم أيضًا أن يكون لكم صوت مسموع وتأثير في مستقبل هذه البلاد.
وإلى أهلنا الكبار، وإلى الأمهات والآباء، نقول: إن مسؤوليتنا تجاه أبنائنا لا تقتصر على توفير احتياجاتهم اليومية أو تعليمهم وتربيتهم، بل تشمل أيضًا الدفاع عن حقهم في مستقبل أفضل. فلنتحدث معهم عن أهمية المشاركة، ولنشرح لهم أن الحقوق لا تُصان بالتمني، وأن العمل من أجل المجتمع يبدأ من الشعور بالمسؤولية تجاهه. ولنتعاون جميعًا في تشجيع كل من يحق له التصويت على ممارسة حقه، ومساعدة كبار السن ومن يحتاجون إلى الدعم للوصول إلى صناديق الاقتراع.
بصوتنا نحن نحمي حقوقنا، نطالب في المساواة والكرامة والأمان، وفي أن نعيش كمواطنين متساوين في الحقوق لأننا أبناء هذه الأرض، لسنا غرباء هنا، وحقنا أن نحصل على جميع الحقوق. نريد أن نحمي بيوتنا وأراضينا، وأن نطور بلداتنا، وأن نوفر لأبنائنا تعليمًا جيدًا وفرص عمل عادلة، وأن نحافظ على لغتنا العربية وهويتنا الثقافية والدينية في الحيز الخاص والحيز العام. نريد أن يعيش أطفالنا في مجتمع آمن، بعيدًا عن الجريمة والتحريض والتمييز، وأن تكون لهم فرصة حقيقية في بناء حياتهم وفق طموحاتهم وقدراتهم.
قد نختلف في السياسة، وقد لا نتفق على حزب واحد أو قيادة واحدة، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع. لكن هناك قضايا ينبغي أن تجمعنا، وفي مقدمتها حماية الحقوق، ومواجهة العنصرية، وتحقيق المساواة، والدفاع عن مستقبل الأجيال القادمة. لا يُطلب من أحد أن يتخلى عن قناعاته، بل أن يتخذ قراره، وأن يدرك أن خلافاتنا الداخلية لا ينبغي أن تدفعنا إلى إضعاف حضورنا السياسي أو التفريط في حقنا في التأثير ولا أن تجعلنا الخلافات نفرط بوجودنا.
أربع سنوات أخرى ليست فترة قصيرة. إنها سنوات من حياة أبنائنا، ومن تعليمهم وتطورهم، ومن فرص العمل التي قد يحصلون عليها أو يخسرونها، ومن القرارات التي ستؤثر في بيوتنا وبلداتنا ومؤسساتنا، أربع سنوات من قوانين الجائرة التي قد تسن ضدنا، أربع سنوات من الهدم والمصادرة والتضييق على العربي بالحيز العام، من الإهمال وتقليص الميزانيات، أربع سنوات قد يتم فيها مأسسة القوانين العنصرية لتصبح ممارسات يومية بحقنا. ولهذا، علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل قمنا بما نستطيع لحماية مصالحنا؟ هل استخدمنا حقنا في اختيار من نراه قادرًا على تمثيلنا؟ وهل سنكون قادرين على النظر إلى أبنائنا بعد سنوات ونقول لهم إننا لم نتخلَّ عن مسؤوليتنا تجاه مستقبلهم؟
أهلنا الكرام في كل ربوع بلادنا العزيزة علينا من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، إن اللحظة لا تحتمل اللامبالاة. لسنا مضطرين إلى الاتفاق على كل شيء حتى نتفق على أهمية المشاركة. ولسنا مطالبين بالتنازل عن أي شيئ حتى نمارس حقنا في التصويت. نستطيع أن نصوّت، وأن نحاسب، وأن نشارك، وأن نطالب بالتغيير، ونمنح ثقتنا لمن نراه أهلًا لها، من دون أن نتنازل عن حقنا في النقد والمساءلة.
يوم الثلاثاء، 27 تشرين الأول 2026، فلنخرج إلى صناديق الاقتراع، كلٌّ وفق قناعته واختياره الحر. فلنحثّ أبناءنا وبناتنا، وأهلنا وجيراننا، على المشاركة، ولنجعل حضورنا تعبيرًا عن تمسكنا بحقوقنا وإصرارنا على أن يكون لنا دور في تحديد مستقبلنا. لا تتركوا الإحباط يقرر عنكم، ولا تسمحوا للخلافات بأن تحرمكم من حقكم في التأثير.
صوّت من أجل بيتك وأرضك، من أجل تعليم أبنائك وفرصهم، من أجل بلدتك وميزانياتها وتطورها، من أجل المساواة والعدالة، ومن أجل أن تبقى لك كلمة في كل قرار يمسّ حياتك. فالصوت الذي تمنحه اليوم قد يكون جزءًا من حماية حق غدًا، أما الصوت الذي تتنازل عنه فلن تستطيع استعادته بعد إغلاق الصناديق.
لا مكان للامبالاة في هذه المرحلة. شارك، اختر، وصوّت. فمستقبلنا مسؤوليتنا، وحماية حقوقنا تبدأ بألّا نتخلى عن حقنا في الدفاع عنها.