لماذا هذا العداء للمواطنين العرب؟
لماذا كل هذا العداء والتحريض على المواطنين العرب في دولة إسرائيل؟ ولماذا أصبح المواطن العربي، لمجرد أنه عربي، موضع اتهام وتشكيك في مواطنته وولائه؟ وكيف يُعقل أن يخرج وزراء وأعضاء كنيست من اليمين المتطرف بتصريحات يتهمون فيها أعضاء الكنيست العرب بأنهم مخربون وداعمون للإرهاب، بل ويطالب بعضهم بمنع القوائم العربية من خوض الانتخابات، وكأن المواطنين العرب ليسوا جزءا من هذه البلاد، ولا يحق لهم المشاركة في الحياة السياسية والديمقراطية؟
إن الخطورة الكبرى في هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها العدائي، وإنما في تأثيرها على الرأي العام. فعندما يسمع المواطنون اليهود وزراء وأعضاء كنيست يصفون ممثلي المواطنين العرب بالإرهابيين والمخربين، فماذا نتوقع من بعض أفراد المجتمع؟ أليس من الطبيعي أن تساهم هذا التحريض في نشر الكراهية وتعميق العداء بين المواطنين العرب واليهود ؟
لقد وصل الأمر إلى أن يصرح يائير نتنياهو، نجل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بأن المواطنين العرب يشكلون أكبر خطر على بقاء دولة إسرائيل، مثل البرنامج النووي الإيراني! أي منطق هذا؟ وكيف يمكن اعتبار أكثر من مليوني مواطن عربي، يعيشون في وطنهم ويعملون ويدرسون ويدفعون الضرائب ويشاركون في بناء الدولة ومؤسساتها، خطرا على أمنها؟
إن مثل هذه التصريحات ليست مجرد آراء شخصية عابرة، بل لها انعكاسات خطيرة عندما تصدر عن شخصيات سياسية تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة.
ولعل ما قاله أحد المعلقين الإسرائيليين، أبراهاموفش، في التلفزيون الإسرائيلي، يلخص جانبا مهما من هذه الحقيقة، إذ أشار إلى أنه إذا تم تهجير المواطنين العرب، فلن تجدوا الأطباء والممرضين الذين يعالجونكم، ولا العمال الذين يبنون بيوتكم، ولا المزارعين الذين يفلحون الأرض ويحضرون لكم الخضروات، ولا سائقي الحافلات الذين ينقلونكم من مكان إلى آخر.
نعم، هذه هي الحقيقة التي يتجاهلها دعاة الكراهية. المواطنون العرب ليسوا ضيوفا في هذه البلاد، بل هم مواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات، ويساهمون يومياً في جميع مجالات الحياة، من الطب والتمريض والتعليم والهندسة والصناعة والزراعة إلى الاقتصاد والخدمات العامة.
أما عن أسباب تصاعد هذا العداء، فلا يمكن تجاهل سياسات الحكومة اليمينية خلال السنوات الأخيرة.
فقد شهدنا تعيين إيتمار بن غفير وزيرا للأمن القومي، رغم سجله الجنائي الذي يتضمن إدانات سابقة، من بينها التحريض على العنصرية ودعم منظمة إرهابية. وشهدنا تصريحات ومواقف تتضمن الدعوة إلى إقصاء العرب وتهديد وجودهم، إلى جانب سياسات هدم البيوت والتضييق على البلدات العربية.
كما شهدنا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش يجمّد ميزانيات مخصصة للسلطات المحلية العربية، في وقت تعاني فيه هذه السلطات من نقص شديد في الميزانيات والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
ولم تقتصر الأمور على ذلك، بل شهدنا مواقف وتصريحات لبن غفير تتحدث عن طرد العرب، بل قال في مقابلة حديثة إنه كان يؤيد في الماضي طرد جميع العرب، وإنه اليوم يقبل ببقاء بعضهم وفق شروط يضعها هو.
وقبل الانتخابات، وصلت الحملة ضد الأحزاب العربية إلى المطالبة بشطب قوائمها ومنعها من المشاركة السياسية.
فماذا تتوقعون من المواطنين العرب بعد كل هذه التصريحات والممارسات؟
لقد شعر المواطنون العرب بأن مكانتهم ووجودهم وحقوقهم أصبحت موضع استهداف، وأن عليهم الدفاع عن أنفسهم وعن مستقبل أبنائهم وأحفادهم وعن حقهم في المواطنة المتساوية.
ولهذا شهدنا مشاركة عربية واسعة في الانتخابات الأخيرة، وحصلت القائمتان العربيتان، القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، على 19 مقعدا في الكنيست مجتمعتين. وهذا إنجاز انتخابي يعكس رغبة شريحة واسعة من المواطنين العرب في التأثير على مستقبلهم السياسي والاجتماعي.
لكن المؤسف أن بعض القيادات السياسية اختارت بدلا من احترام هذه المشاركة الديمقراطية التشكيك في نتائجها، واتهام الأحزاب العربية بالتزوير والحصول على دعم خارجي، بل والزعم بأن الانتخابات سُرقت.
أما الادعاءات المتعلقة بتمويل قطر للتصويت العربي، فلم تقدم بشأنها أدلة تثبت وجود تزوير منهجي أو تمويل غير قانوني للتصويت العربي، وقد نفت قطر هذه الاتهامات.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها: ماذا عن القضية التي عُرفت باسم «قطر غيت»؟ وهي القضية التي تناولت شبهات حصول مقربين من مكتب رئيس الحكومة نتنياهو على أموال مرتبطة بقطر مقابل الترويج لصورتها ومصالحها. وقد أحالت الشرطة ملف التحقيق إلى النيابة العامة في مطلع عام 2026.
وأخيراً، أقول إن العداء والتحريض لا يبنيان الدول، ولا يحققان الأمن، ولا يصنعان مستقبلاً أفضل.
إن أمن المواطنين العرب واليهود مترابط، ومصلحة الطرفين تكمن في العيش المشترك، والمساواة، والاحترام المتبادل، ومحاربة الجريمة والعنف والتحريض من دون تمييز.
وعلى القيادات السياسية أن تدرك أن الكلمات ليست أمرا عابرا، وأن التصريحات التحريضية قد تتحول إلى سلوك عدائي على أرض الواقع.
لسنا أعداء أحد، ولا نطلب امتيازات خاصة، بل نطالب بحقوقنا الطبيعية: المساواة في المواطنة، والأمن الشخصي، والعيش الكريم، والميزانيات العادلة، واحترام هويتنا وكرامتنا الإنسانية.
فإلى متى سيبقى المواطن العربي مطالبا بإثبات أنه مواطن يستحق المواطنة في وطنه؟ ولماذا لا يكون معيار المواطنة هو القانون والمساواة والحقوق والواجبات، بدلا من الهوية القومية والدينية؟
إن مستقبل هذه البلاد لا يمكن أن يُبنى على الكراهية والإقصاء، وإنما على احترام جميع المواطنين، عرباً ويهوداً، دون تمييز.