ذكرى ناشطة اجتماعية ثقافية/ بقلم ناجي ظاهر
كنت تراها تقريبا في كل نشاط وفعالية ثقافية تقام في هذه البلدة أو تلك المدينة، فكثيرا ما كانت هي المبادرة حينا لوحدها وآخر مع اخرين، لإقامة هذه الفعالية أو تلك، وقد بقيت طوال فترة ليست قصيرة من الزمن، صاحبة الحول والطول في دعم العديد من الأدباء والكتاب وأهل الفن ايضا، إلى أن توقف قلبها عن النبض وولت ماضية في طريقها الابدي يوم الاحد السابع من تموز عام ٢٠٢٤.
تلك كانت الناشطة الاجتماعية الإنسانية الثقافية عصمت العالم ابنة بلدة كفر مندا التي عرفها الكثيرون، وانا واحد منهم، بنشاطاتها وفعالياتها المشهودة في العديد من البلدات والمدن المنتشرة في ربوع بلادنا الغناء، ويذكر لها بكثير من الدفء والحنين، تلك المبادرات الإنسانية الثقافية، التي سعت لاقامتها بقوتها الذاتية الخاصة، أو برفقة أخريات من الناشطات المماثلات، مثل وفاء زبيدات من بسمة طبعون، نرجس محاجنة- ام علاء من ام الفحم، ريم بسيوني من الناصرة واسمهان جبالي من الطيبة.
تعرفت إلى المرحومة عصمت العالم قبل سنوات قارب عددها أصابع اليدين الاثنتين، وكانت لي معها مشاركات ومحاورات، حول مبادراتها وفعالياتها الثرية الغنية، وقد شاركني معرفتي بها هذه العديد من الأصدقاء والمعارف، وأذكر في هذا السياق، أنني قمت بزيارتها، قبل سنوات، برفقة صديقة كاتبة من مدينتي الناصرة، وجلسنا إليها في بيتها العامر في بلدتها الوادعة كفر منذا، وما زلت أتذكر تلك المشاعر الحادبة الفياضة التي غمرتنا بها وهي تقدمنا إلى والدها المريض، توفى بعد زيارتنا تلك بقليل، رحمه الله، وأهل بيتها عامة معتزة مفتخرة بأصدقائها الأدباء والكتاب، كما اذكر، وهل انسى، تلك الأحاديث العقلانية الطلية التي دارت بيننا نحن زائريها وبينها، وما زال صوتها يرن في اذني حتى هذه الأيام وهي تتحدث باهتمام شديد عن أهمية تنشيط حياتنا الثقافية الادبية، تعزيزا وتوثيقها للعلاقات المنشودة والضرورية، فيما بين مبدعينا وجمهورنا المهتم بالشأن الثقافي الأدبي. "على كل منا أن يقوم بدوره المنوط به في التأسيس لحركة ثقافية أدبية ناشطة وجدية". أكدت انذاك وهي ترسل ابتسامة خفرة باتجاهنا ...خلال تلك الزيارة. ويهمني في سياق الإشارة إلى تلك الزيارة الالماح إلى ذلك الحماس الذي تدفقت به الصديقة الكاتبة التي رافقتني في زيارتنا تلك لعصمت في بيتها، عندما علمت أنني ساكتب عنها، "عصمت ذكرى طيبة في حياتنا.. اكتب عنها وعن زميلاتها الناشطات الاجتماعيات اللواتي ظهرن بقوة لافتة في حياتنا، خاصة بالتزامن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي.." قالت صديقتى الكاتبة المرافقة مؤيدة ومشجعة إياي على الكتابة.
مما اذكره عن راحلتنا الكريمة، أنها قامت قبل سنوات بالاشتراك مع ناشطة أخرى صديقة لها، بتنظيم أمسية أدبية في إحدى مدن المثلث، حول كتاب جديد قام بإصداره شاعر وكاتب صديق من أبناء تلك المدينة، ويبدو أنه اقترح عليها أن أكون، أنا كاتب هذه السطور، أحد المتحدثين عن كتابه ذاك، فقامت بالاتصال بي، لتسألني عما إذا كنت اوافق على المشاركة، فسارعت بالموافقة، فانا لا يمكن أن افشل صديقا اعرف انه أراد أن يعرف رايي في كتابه الجديد، بالضبط كما لا يمكنني رفض طلب تتقدم الي به ناشطة ثقافية أدبية مثل عصمت العالم التي سبق وعرفت الكثير عن اياديها البيضاء في دعم آخرين ممن هم بحاجة للدعم والمساندة من ابناء مجتمعنا، وذلك عبر العديد من الجهات المعنية مثل جمعية التآخي..التي نشطت عصمت فيها وعبرها.
الحقيقة اقول، انني إعتقدت أن مشاركتي في تلك الأمسية، قد تأكدت وان الاتفاق على كل ما يتعلق بي، سواء من ناحية الحصول على الكتاب أو فيما يتعلق بالجانب الذي سأتحدث فيه عن الكتاب، غير أن ما حصل بعد أيام، ابان واظهر لي أن الأمر لم ينته، فقد جرت اتصالات عديدة تالية، شارك فيها، إضافة إلى الراحلة عصمت، كل من زميلتها الناشطة الاجتماعية الملمح إليها آنفا، والعريفة العتيدة لتلك الامسية، أما الموضوع المجمل لكل تلك الاتصالات، فقد تمحور في عمقه، حول ما سوف أقوله عن ذلك الكتاب، وقد دار بيني وبين عصمت الحوار التالي
هي: هل اعجبك الكتاب.
أنا: لماذا تسالينني ..
هي: هل رايك فيه إيجابي.
أنا: وهل يهمك رايي؟
هي: بالطبع يهمني. ارجو ان يكون الكتاب قد اعجبك. أنا قرأته واعجبني جدا ، اضف إلى هذا ان صاحبه، كما تعلم، يستحق الاهتمام، فهو مجتهد وله إنجازات رائعة تشهد له.
في حديث آخر سالتها عما يدفعها لكل ذلك القلق الذي رافقها خلال الاعداد لتلك الامسية، فردت بشمم ولو استاذ.. نحن يجب أن نشجع كل من يقدم إنجازا حقيقيا.. من أجل حفزه على المزيد من العطاء والانجاز.
كلمات عصمت تلك أثارت بي الكثير من المشاعر والأحاسيس الدافئة، وها أنذا اتذكرها بعد أكثر من سنتين على الرحيل المؤسي لناشطتنا الكريمة الراحلة، مؤكدا على أمرين أحدهما أهمية الاحتفاء بالناشطين الاجتماعيين من مثيلات الراحلة الباقية عصمت العالم، والآخر حض الآخرين على مواصلة السير في طريق الحق، العطاء والانجاز.