كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

الاعتراف بيهودية الدولة مطلب ام مَطَبْ

جلال بنا · 05/11/2026 الساعة 10:45

بعد مرور ثمانية عقود على قيام إسرائيل، لا يزال يُسمع مراراً وتكراراً مطلب موجّه إلى مواطني الدولة العرب فقط، وتحديداً إلى ممثليهم في الكنيست، بضرورة الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. يعلو صوت هذا المطلب دائماً في كل مرة تلوح فيها فرصة لدمج حزب عربي في الائتلاف الحكومي كل ائتلاف، كما لو أن أعضاء الكنيست العرب لم يعلنوا الولاء لدولة إسرائيل وقوانينها، وكأن الأحزاب لم تعترف بإسرائيل كدولة يهودية عندما اختارت خوض انتخابات الكنيست وبمجرد تسجيلها لدى مسجل الأحزاب التابع لوزارة القضاء. لكن الهدف في واقع الأمر هو الإشارة إلى أنه لا مكان للعرب في الخطاب السياسي الاسرائيلي، وبالتأكيد ليس في تشكيل الائتلاف، لأن هذا الأمر يخدم العنصريين الباحثين عن نشر الكراهية ويطمحون بتعميق الشرخ بين المواطنين العرب واليهود على حد سواء.
السؤال الأساسي في هذا السياق هل تحتاج إسرائيل كدولة سيادية، ذات معالم يهودية واضحة، مراراً وتكراراً إلى اعتراف من خُمس مواطنيها؟ ولماذا يبرز هذا المطلب تحديداً عندما ينشأ نقاش او حاجة حول دمج ممثلين عرب في قيادة الدولة بمعنى اخر في الائتلاف الحكومي؟ بالنسبة لي، هذا المطلب ليس سوى وضع عراقيل إضافية وتعميق تهميش المواطنين العرب، كما لو أن ثمانين عاماً من التهميش والإقصاء لم تكن كافية حتى الان.
العرب مواطني إسرائيل لم يهاجروا أو يوفدوا اليها ليُطالَبوا بإثبات ولائهم للدولة وقوانينها، هم أبناء هذه الأرض، وقد قامت إسرائيل في ظل واقع يفيد بأن العرب عاشوا هنا، في هذه البقعة من الأرض، منذ مئات وآلاف السنين، ولهم لغتهم وهويتهم الإثنية والوطنية والثقافية والسياسية، وهو ليس بالضرورة يتعارض مع هويتهم المدنية أي مواطنتهم الإسرائيلية، وحتى لو وافقوا على التخلي عن هويتهم بالكامل، فإن ذلك لن ينقذهم تمامًا من مطالب أخرى، لأنهم مستهدفون من قِبل أصحاب أجندة سياسية يمينية متطرفة وضعتهم هدف لمأرب ومصالح سياسية.
المواطنون العرب هم جزء أساسي وهام من القوى العاملة، يدفعون الضرائب، ويتعلمون المناهج الدراسية العربية وفقًا لما قررته إسرائيل، يستخدمون المحاكم الإسرائيلي أي يعترفون بالقانون الإسرائيلي كفوق الجميع، يقودون سيارات تحمل علم الدولة، ويعيشون في إطار القانون الإسرائيلي، وحتى ان كان لهم دورًا بارزًا في البناء الفعلي للبلدات والمدن بالبلاد ورغبتهم في الاندماج في الدولة ومؤسساتها تفوق بكثير رغبة الدولة نفسها في دمجهم او قدرتها على ذلك.
من المهم التمييز بين الاعتراف بالواقع وبين التماهي مع كل مكوناته؛ فيمكن للمواطن أن يقبل بوجود دولة، وفي الوقت نفسه يختلف مع تعريفها القومي، وفي نظام ديمقراطي يثق بنفسه ولا يهاب مواطنيه الامر لا تعارض بتاتًا بل على العكس، وجود هذا الاختلاف هو تعبير عن التعددية التي يعيش فيها شعبان بهويتين مختلفتين.
المشكلة لا تكمن في يهودية الدولة، بل في محاولة تحويل الاعتراف بها إلى اختبار لدخول الحياة السياسية لكل سياسي عربي، ووفقا لكيفية سير الأمور فلاحقاً سيتسع هذا الأمر ليشمل الدخول إلى أي مكان، حتى أماكن العمل، وسرعان ما سيصل إلى اشتراط تلقي الخدمات الأساسية للاعتراف بيهودية الدولة.
وقبل أي نقاش موضوعي حول الشراكة الائتلافية، يثور الشك بأن الخلاف ليس أيديولوجيًا، بل هو أداة سياسية فعالة وناجحة حتى الان لإبعاد التمثيل العربي عن مراكز صنع القرار، وإلا كيف يمكن فهم الشروط المسبقة التي يفرضها من سيتولى تشكيل الائتلاف على الشركاء ومن يوصون بتكليفه؟
هنا والان تحديداً، يتكشف ضعف القيادة وكذلك الخبث السياسي؛ فبدلاً من مواجهة أسئلة مثل إلى أين تتجه إسرائيل بعد سنوات من الحرب اللانهائية في سبع جبهات وأكثر، وقضايا الاندماج والمساواة المدنية، واجتثاث الجريمة المنظمة، والتشغيل والتعليم، يعيدون النقاش إلى مسألة الهوية الأقل أهمية في هذه المرحلة وذلك بهدف صرف الأنظار عن النقاش الحقيقي حول وضع إسرائيل كدولة في كل مكان.
لقد حان الوقت لقلب السؤال؛ ليس فقط ما إذا كان المواطنون العرب يعترفون بالدولة، بل ما إذا كانت الدولة تعترف بهم كمواطنين متساوين فعلا والاهم كشركاء في الدولة، لهم الحف بالمشاركة في قيادتها بناءً على إنجازاتهم، وليس كمنة أو تفضيل من هذا القائد أو ذاك.

مقالمقال رأيجلال بنادولة اسرائيلالمواطنون العرب
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع