حين تنقشع الغشاوة عن العيون.. تخجل العنصرية من أصحابها!
منذ انتهاء يوم الانتخابات، تابعتُ باهتمام مجريات فرز الأصوات والتحليلات السياسية والإعلامية التي رافقت النتائج، وما أثارته من نقاشات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي، على اختلاف انتماءاته القومية والسياسية، وكان لافتًا حجم المشاركة العربية، من الجنوب إلى المركز والشمال، في مشهد عكس رغبة واضحة في التأثير في المشهد السياسي، والاحتجاج على سياسات التمييز والعنصرية التي يعاني منها المجتمع العربي..
لكن ما أثار استغرابي لم يكن نتائج الانتخابات وحدها، بل طبيعة بعض المقابلات والتحليلات التي تابعتها عبر القنوات الإسرائيلية 11 و12 و13، والتي تركت لديّ انطباعًا سلبيًا إزاء طريقة تناول المشاركة العربية وتأثيرها في موازين القوى السياسية، وهنا يحق لنا أن نتساءل:- هل أصبحت المشاركة العربية الواسعة مشكلة بحد ذاتها؟ وهل يُقبل المواطن العربي شريكًا في العملية الديمقراطية فقط عندما يكون صوته محدود التأثير، ثم يتحول إلى موضع انتقاد وتشكيك عندما يشارك بكثافة ويسهم في تحديد النتائج؟..
إننا أمام مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فالمواطنون العرب يُطالَبون بالمشاركة في الانتخابات، لكن عندما يخرجون بأعداد كبيرة للتعبير عن إرادتهم، يصبح تأثيرهم موضع جدل وانتقاد في بعض الخطابات السياسية والإعلامية، فكيف يمكن تبرير ذلك في دولة ترفع شعار الديمقراطية، بينما يُفترض أن تكون المساواة في الحقوق السياسية أساسًا من أسس المواطنة؟..
إن المواطنين العرب، الذين يشكّلون نحو خُمس سكان الدولة، هم جزء من نسيجها الاجتماعي والاقتصادي، ويشاركون في مختلف مجالات الحياة والعمل والخدمات، ومن حقهم الطبيعي أن يمارسوا حقهم الانتخابي، وأن يسعوا إلى التأثير في القرارات التي تمس حاضرهم ومستقبلهم، شأنهم شأن سائر المواطنين..
فالصوت العربي ليس امتيازًا ممنوحًا من أحد، بل حق ديمقراطي أصيل لا يجوز الانتقاص منه بسبب الهوية القومية أو الموقف السياسي،
ومع ذلك، من الإنصاف ألا نعمّم الأحكام على جميع الإعلاميين أو المؤسسات الإعلامية؛ فهناك أصوات يهودية عقلانية تدافع عن المساواة، وتحترم حق المواطنين العرب في المشاركة السياسية والتأثير في نتائج الانتخابات..
وهذا يؤكد أن الخلاف ليس بين العرب واليهود بوصفهم مجتمعين، بل بين من يؤمن بالديمقراطية والمساواة، ومن يتعامل معهما بمنطق انتقائي يخضع للمصالح السياسية،إن مسؤولية الإعلام لا تقتصر على نقل النتائج واستضافة المحللين، بل تشمل أيضًا احترام حق المواطنين في المشاركة، وتقديم النقاش السياسي بمهنية ومسؤولية، بعيدًا عن الخطابات التي قد تعزز الانقسام أو تضع شرعية المشاركة العربية موضع شك..
ومن هنا، فإن نقدنا لبعض التغطيات الإعلامية ليس رفضًا للرأي المخالف، ولا اعتراضًا على حق أحد في تحليل النتائج أو انتقاد الأحزاب العربية، بل هو دفاع عن مبدأ أساسي:- من حق الجميع انتقاد الخيارات السياسية، لكن ليس من حق أحد الانتقاص من شرعية المواطنين العرب في ممارسة حقوقهم الديمقراطية..
والسؤال الذي نطرحه بوضوح:- أيّ ديمقراطية نريد؟ ديمقراطية تحترم إرادة الناخبين جميعًا، أم ديمقراطية يُرحَّب فيها بالصوت العربي ما دام بلا تأثير، ويُنتقد عندما يصبح قادرًا على تغيير المعادلة السياسية؟،، لقد أثبتت المشاركة العربية أن الجمهور قادر على التعبير عن موقفه عبر صناديق الاقتراع، وأن صوته يستحق أن يُسمع ويُحترم. ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا الحضور الانتخابي إلى تأثير سياسي مسؤول، يخدم قضايا المجتمع العربي، ويحمي حقوقه، ويواجه العنصرية والتمييز بالوسائل الديمقراطية..
وفي الختام، أقول إن قوة الديمقراطية لا تُقاس بمدى رضا أصحاب النفوذ عن نتائج الانتخابات، بل بقدرتهم على احترام إرادة الناخبين حتى عندما لا تتوافق مع رغباتهم.
فالمواطنة لا تتجزأ، والأصوات لا تُوزن بحسب هوية أصحابها، والديمقراطية التي لا تتسع للجميع تفقد جوهرها الحقيقي..
وحين تنقشع الغشاوة عن العيون، يدرك الجميع أن المشاركة العربية ليست خطرًا على الديمقراطية، بل إن احترامها هو أحد أهم الاختبارات الحقيقية لصدقها..
"اللهم أني كتبت وقرأت بعمق تحليلي شاهد على صورة الحدث المؤلم، واستنتجت وحللت كل ماهو صادق يلامس الواقع الحالي.. وان كنت على خطأ فيقوموني.."