كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

المدرسة التي تُدرّس الخوف

رانية مرجية · 05/11/2026 الساعة 23:39

المدرسة التي تُدرّس الخوف
 

كان يعرف، منذ أيامه الأولى في المدرسة، أن لليد المرفوعة أكثر من معنى. بعضها يرتفع للإجابة، وبعضها يستأذن بالخروج، أما اليد التي ترتفع لتسأل سؤالًا لا يعجب المعلم، فلها حكاية أخرى.

في الصف الثالث، جلس سامر في المقعد الثاني قرب النافذة. كان يحب الأسئلة، ويخبئها في رأسه كما يخبئ الأطفال الحصى الملونة في جيوبهم.

ذات صباح، كتب المعلم جملة على اللوح، ثم قال:

— انسخوا كما هي. لا أحد يغيّر حرفًا.

توقف سامر عند كلمة بدت له خاطئة. فتح كتابه وقارن بين السطرين. كان متأكدًا. رفع يده.

لكن فؤاد، الجالس في المقعد الأخير، سبقه إلى الكلام:

— أستاذ، أظن أن في الكتاب كلمة مختلفة.

وضع المعلم الطباشير على حافة اللوح، واستدار نحوه.

— هل أصبحتَ أنت من يصحح للمعلم؟

— لم أقصد، أستاذ. أنا فقط...

— قف في الزاوية. وامدد يديك.

مدّ فؤاد كفيه، فوضع المعلم فوقهما كتابين ثقيلين، ثم عاد إلى الشرح.

كان فؤاد يحاول تثبيتهما. ارتجفت أصابعه، وحين سقط أحد الكتابين، ارتطم بالأرض بصوت جعل الصف يصمت.

التقت عيناه بعيني سامر. لم تكن في نظرته استغاثة، بل انتظار.

تحركت ركبة سامر تحت الطاولة. كادت يده ترتفع، لكنه نظر إلى المعلم، ثم أعادها إلى حضنه.

في الاستراحة، وجد فؤاد خلف المبنى يفرك راحتيه المحمرتين. اقترب منه سامر خطوتين، ثم توقف حين سمع ضحكات التلاميذ في الممر. عاد أدراجه.

ومنذ ذلك اليوم، لم ينسَ الخطوتين اللتين لم يكملهما.

تعلم أن بعض الأسئلة لها ثمن، وأن الصمت قد يبدو حكمة. صار ينتظر غيره ليجيب، ويطوي ملاحظاته في دفاتره. شيئًا فشيئًا، اختفت الأسئلة من جيوبه.

مرت السنوات. غادر سامر المدرسة، ثم عاد إليها معلمًا.

تغير المبنى، واستُبدلت المقاعد الخشبية بأخرى بلاستيكية، واختفى اللوح الأسود وحلّ مكانه لوح أبيض. لكن بعض الأشياء لم تتغير.

كان سامر معلمًا هادئًا، لا يحب الصراخ ولا العقاب أمام الآخرين. ومع ذلك، كان يشعر بانقباض حين يقاطعه تلميذ أو يراجعه أمام زملائه. لم يكن يحب ذلك الشعور، لكنه لم يكن ينجح دائمًا في إخفائه.

ذات صباح، كان يشرح درسًا في التاريخ، وكتب على اللوح تاريخًا معينًا.

— هل هناك سؤال؟

رفع آدم يده. كان يجلس في المقعد الثاني قرب النافذة.

— أستاذ، الكتاب يقول إن الحدث وقع في سنة أخرى.

فتح آدم كتابه وأشار إلى السطر.

اقترب سامر. كان التلميذ محقًا.

أمسك القلم، وشعر بحرارة تصعد إلى وجهه. راحت عيون التلاميذ تتنقل بينه وبين آدم.

وفجأة، عاد إليه صوت الكتاب وهو يرتطم بالأرض، ويدا فؤاد الممدودتان تحت ثقله.

سمع صوت معلمه القديم في داخله:

هل أصبحتَ أنت من يصحح للمعلم؟

فتح فمه:

— لا، أنت لم...

ثم سكت.

كان آدم قد بدأ يخفض كتابه ويضمه إلى صدره.

وضع سامر القلم على الطاولة، ومسح التاريخ المكتوب.

— أنت محق يا آدم. أخطأت في كتابة التاريخ.

ساد الصمت لحظة.

— شكرًا لأنك انتبهت.

جلس آدم ببطء، كأنه لم يعتد سماع هذه الجملة من معلم.

التفت سامر إلى الصف:

— من لديه ملاحظة أخرى؟

ارتفعت يد في الصف الأول، ثم أخرى قرب الباب. أما يد ثالثة، فبقيت معلقة في منتصف الطريق قبل أن تكتمل حركتها.

انتظرها سامر.

في نهاية الدوام، بقي وحده في الصف. كان ضوء العصر يرسم مستطيلًا شاحبًا على الأرض.

توقف أمام المقعد الثاني، ومرر يده على حافته. تذكر مقعده القديم، وفؤاد، والكتابين، والزاوية التي بدت له يومها أبعد من آخر العالم.

تذكر الاستراحة، والخطوتين اللتين لم يكملهما.

لم يكن يعرف أين صار فؤاد، ولا إن كان يتذكر ذلك الصباح.

حمل حقيبته، وقبل أن يغادر، التفت إلى اللوح الأبيض. كانت عليه لطخة صغيرة من أثر القلم. مسحها بإبهامه، فانمحت.

في اليوم التالي، دخل سامر الصف.

كان آدم جالسًا قرب النافذة، يفتح كتابه. رفع رأسه وسأل:

— أستاذ، هل يمكنني أن أسألك سؤالًا؟

توقف سامر.

— تفضل.

رفع آدم يده، ثم أنزلها قليلًا، كأنه لم يعتد بعد أن يتركها مرفوعة.

ابتسم سامر وانتظر.

وخلف النافذة، كانت شجرة الساحة تحرك أغصانها في ريح الصباح.

أما اليد الصغيرة، فبقيت مرفوعة.

رانية مرجية
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع