الكرة في ملعبكم... هل تستثمرون اللحظة لكشف الوجه العنصري لإسرائيل؟
لطالما سعى موقف مقاطعة انتخابات الكنيست إلى التصدي لتوظيف المشاركة العربية في تبييض وجه إسرائيل، وكشف التناقض بين صورتها الديمقراطية التي تسوّقها للعالم وواقع الإقصاء والتمييز الذي تمارسه. فالكنيست أحد أعمدة المشروع الصهيوني، ويؤدي دورًا أساسيًا في خدمته وتعزيز الطابع اليهودي للدولة، بينما يُستخدم وجود أعضاء عرب تحت قبته شهادةً على ديمقراطية إسرائيل ومساواتها بين مواطنيها، وتُحجب خلف هذه الصورة قضايا الأرض والهوية والحقوق الجماعية وحدود التأثير السياسي.
لكن الانتخابات الأخيرة وضعت المشاركين أنفسهم أمام مسؤولية التصدي لهذا التبييض. فبعد مشاركة عربية واسعة بلغت نسبتها نحو 80%، وحصول القائمتين العربيتين على 19 مقعدًا، مقابل 53 لمعسكر نتنياهو و48 للمعارضة، تصاعد التشكيك في شرعية الصوت العربي، واصطدم هذا الوزن البرلماني برفض قوى أساسية في المعارضة الدخول في شراكة معهما. وهكذا كشفت ردود الفعل على النتائج الوجه الذي طالما عملت إسرائيل على تجميله، وأظهرت الفارق بين السماح للعرب بالتصويت وقبول تأثيرهم في تقرير من يحكم. فهل المطلوب من العربي أن يمارس حقه في التصويت لتجميل اللعبة "الديمقراطية"، ثم يُستبعد حين يصبح لصوته وزن في تحديد نتائجها؟
بهذا المعنى، ومع تأكيد رفضنا المبدئي لهذه المشاركة من أساسها، أصبحت الكرة اليوم في ملعب المصوّتين والأحزاب المشاركة. فمواجهة تبييض وجه إسرائيل، التي حملتها المقاطعة طويلًا، باتت مسؤوليتهم المباشرة أيضًا، بعدما واجهوا الإقصاء رغم اتساع مشاركتهم وارتفاع تمثيلهم. وأمامهم فرصة لكشف حقيقة نظام يحتفي بأصواتهم حين تخدم صورته، ثم يشكك في شرعيتها حين تؤثر في حسابات الحكم.
وهذه المفارقة لا تثير انتباه الفلسطينيين وحدهم. فالمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، في مقاله "دروس من الانتخابات الإسرائيلية"، المنشور في "الجزيرة نت" بتاريخ 2/11/2026، يربط المأزق بطبيعة النظام، ويكتب أن "إسرائيل ليست دولة ديمقراطية بالمعنى الدقيق". ويرى أن استبعاد الأعضاء الفلسطينيين من حسابات تشكيل الحكومة يكشف حدود الاعتراف بهم شركاء سياسيين شرعيين، ويضع قيادتهم أمام أسئلة استراتيجية تتجاوز جولة الانتخابات نفسها. فالمشكلة، في نظره، تكمن في طبيعة النظام الإسرائيلي ذاته، وتتجاوز الخلافات حول تشكيل الحكومة.
ومن موقع مختلف، يحذر الباحث الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين، في مقال نشره موقع "واينت" بتاريخ 1/11/2026، من أثر الهجوم على الصوت العربي في صورة إسرائيل عالميًا. فهو يرصد تصاعد العنصرية والتشكيك في شرعية المواطنين العرب، وينبّه إلى ضرر لا يمكن إصلاحه بواسطة "دعاية جيدة". ومع أنه ينقل توصيف "منطق الفصل العنصري" على لسان خصوم إسرائيل، فإنه يحذر بنفسه من خطورة التمييز والإقصاء على صورتها.
تختلف منطلقات بابيه وميلشتاين، فالأول يناقش الإقصاء من موقع نقد المشروع الصهيوني، والثاني يحذر من تداعياته على إسرائيل. ومع ذلك، يضع كلاهما التعامل مع العرب في صلب الأزمة التي كشفتها الانتخابات. وهو ما يؤكد أن القضية تتجاوز اعتراض المقاطعين، وتمسّ التناقض بين ادعاء المساواة ورفض الشراكة السياسية.
فوجود العرب في الكنيست لا يكفي وحده دليلًا على المساواة. الامتحان الحقيقي هو أن تتمتع أصواتهم بالشرعية السياسية ذاتها، وأن يكون لهم حق التأثير انطلاقًا من هويتهم ومطالبهم، دون أن يصبح التنازل عنهما شرطًا مسبقًا لقبولهم.
وقد لخص بعض المصوّتين خيبة أملهم بالعبارة الشعبية "رضينا بالبين، والبين ما رضي فينا". وهي عبارة تعبر عن شعور من قيل له إن زيادة المشاركة والمقاعد ستفتح باب التأثير، ثم وجد أن ارتفاع حضوره أثار مزيدًا من الرفض والتحريض. غير أن حقوقنا لا ينبغي أن تُصاغ بلغة البحث عمّن يرضى بنا، فنحن أصحاب حق، ولسنا طالبي قبول.
وتزداد المفارقة حين نرى أن إسرائيل لا تتيح لنا حتى ما أتاحته بعض الدول الغربية لأبناء الجاليات العربية والإسلامية والأقليات ذات الأصول المهاجرة من فرص للوصول إلى مواقع القرار. فلو نظرت إلينا، على الأقل، كما تنظر تلك الدول إلى مواطنيها من أبناء المهاجرين، لكان يفترض أن تكون هويتنا غير كافية لإقصائنا أو التشكيك في شرعية تأثيرنا السياسي.
ففي بريطانيا، انتُخب صادق خان، ابن أبوين قدما من باكستان، عضوًا في البرلمان، ثم تولى مناصب وزارية قبل وصوله إلى رئاسة بلدية لندن. وفي ألمانيا، انتُخبت أيدان أوزوغوز، المولودة لأبوين تركيين، نائبة لرئيس البوندستاغ عام 2021، بعدما شغلت منصب وزيرة دولة. وهكذا وصل أبناء جاليات مهاجرة إلى مواقع في التشريع والتنفيذ ورئاسة البرلمان، بينما يُراد للفلسطيني في وطنه أن يصوّت دون أن يصبح صوته شريكًا متساويًا في تحديد مَن يحكم.
ولا تعني هذه الأمثلة تحقق المساواة الكاملة في الغرب، لكنها تكشف قسوة المفارقة في حالتنا. فنحن الفلسطينيين في الداخل لسنا جالية وافدة، ولا أقلية هاجرت إلى دولة قائمة، بل مجموعة وطنية أصلية تعيش على أرضها وفي وطنها، وتعتز بانتمائها الفلسطيني والعربي والإسلامي. ومع ذلك، يُطلب منا إثبات أهليتنا للمشاركة وتقديم التنازلات مقابل الاعتراف بنا، وكأن بقاءنا في وطننا وحقوقنا فيه منّة مشروطة برضا الآخرين.
لذلك، فإن مسؤولية الأحزاب العربية وجمهورها اليوم تتجاوز الاحتفاء بعدد المقاعد. فهذه اللحظة تتيح عملًا سياسيًا وإعلاميًا منظمًا، يوثّق التحريض والتشكيك في شرعية الصوت العربي، وينقل التناقض بين الدعاية الإسرائيلية وممارساتها إلى الرأي العام الدولي. كما تتيح مراجعة حدود العمل البرلماني، وتعزيز مؤسساتنا الوطنية وأدواتنا الجماعية، بدل إبقاء المجتمع رهين مفاوضات تشكيل الحكومة، والاستمرار في منطق المحاولة والتجربة الذي يتكرر منذ نحو ثمانية عقود، دون مراجعة جادة لنتائجه وحدوده.
وقد تُهدر هذه الفرصة إذا انتهت إلى اتفاق يُقدم انتصارًا لمجرد أنه منح قبولًا مؤقتًا، مع إبقاء قاعدة الإقصاء قائمة. فالميزانيات والخدمات حقوق للناس، ولا يجوز أن يصبح الحصول عليها مشروطًا بالتنازل عن الهوية والموقف والحقوق الجماعية، أو أن يُستخدم لتجميل النظام الذي ينتقص منها.
والمطلوب أن نتعامل مع ما كشفته التجربة بمسؤولية مشتركة، بعيدًا عن الشماتة بالمصوّتين أو المقاطعين، أو تعميق الخصومة داخل مجتمعنا، فرقابنا جميعًا تحت سيف العنصرية والتمييز والإقصاء، مهما اختلفت مواقفنا من المشاركة. لقد تصدّعت الصورة التي استُخدمت المشاركة العربية لتجميلها، وبات المشاركون أمام اختبار واضح... هل يبنون على هذا الانكشاف للدفاع عن حقوق شعبهم وكرامته، أم يعيدون تبييض وجه إسرائيل مع أول اتفاق، ولو كان ثمنه مزيدًا من التنازل؟