التوصية بدون مقابل ليست تفويضًا
توصية القائمتين، المشتركة والموحدة، بتكليف غادي أيزنكوت بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، من دون مفاوضات مسبقة معه أو مع بقية أحزاب معسكر المعارضة، تثير أسئلة سياسية جدية حول جدوى هذه الخطوة، وحدود تأثير الأحزاب التي تمثل الجماهير العربية في المشهد السياسي الإسرائيلي، والثمن الذي يمكن أن تدفعه الجماهير العربية مقابل دعم لا ترافقه تفاهمات أو التزامات واضحة.
ففي النظام البرلماني، تُعدّ التوصية بتكليف مرشح لتشكيل الحكومة ورقة سياسية مهمة، خصوصًا عندما تكون موازين القوى متقاربة، ويحتاج المرشح إلى دعم كتل لا تنتمي إلى معسكره السياسي المباشر. ومن غير المألوف أن تتنازل أحزاب عن هذه الورقة من دون تفاوض على الحد الأدنى من المطالب السياسية والمدنية والاقتصادية لجمهورها.
جاءت هذه التوصية في ظل رفض واضح من جانب قوى في معسكر المعارضة الصهيوني إشراك الأحزاب التي تمثل الجماهير العربية في ترتيبات تشكيل الحكومة المقبلة. ويمكن اعتبار هذا الرفض صفعة سياسية للجماهير العربية وقياداتها، التي اختارت، رغم ذلك، تقديم الدعم بهدف إنهاء حكم نتنياهو وبن غفير وسموتريتش.
لكن السؤال المركزي يبقى: هل تكفي التوصية العربية لإيصال أيزنكوت إلى رئاسة الحكومة؟ وإذا نجح، فما الذي ستحصل عليه الجماهير العربية مقابل مساهمتها في هذا التحول؟
أيزنكوت يحصل على التفويض… من دون دفع ثمن سياسي
في المرحلة الحالية، يبدو أن أيزنكوت هو المستفيد الأكبر من التوصيات التي حصل عليها من دون الدخول في مفاوضات سياسية جدية مع الأحزاب العربية.
منحته هذه التوصيات الأغلبية اللازمة لدى رئيس الدولة، لقيادة المفاوضات لتشكيل الحكومة المقبلة. وهذا إنجاز سياسي مهم بالنسبة له، لكنه لا يضمن نجاحه في تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست.
ويبدو أن أيزنكوت يراهن على إمكانية استقطاب شخصيات أو مجموعات من داخل الليكود، أو التوصل إلى تفاهمات مع أحزاب لا تنتمي بصورة واضحة إلى معسكره. وفي الوقت نفسه، يجري تداول سيناريو تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم خارجي أو امتناع كتل برلمانية عن التصويت ضدها، ومن بينها القائمة المشتركة والموحدة ويهدوت هتوراة.
غير أن مثل هذا السيناريو يطرح إشكالية سياسية واضحة: فالأحزاب العربية قد تجد نفسها مطالبة بتوفير شبكة أمان برلمانية لحكومة لا تعترف بها شريكًا سياسيًا كامل الحقوق، ولا تلتزم مسبقًا بمطالبها الأساسية.
وهنا تكمن خطورة التوصية المجانية. فعندما تمنح الأحزاب العربية دعمها قبل التفاوض، فإنها تخاطر بفقدان جزء مهم من قدرتها على التأثير في المفاوضات اللاحقة.
انتخاب رئيس الكنيست: الاختبار السياسي الأول
من المقرر أن تعقد الكنيست جلستها الأولى يوم الثلاثاء، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، لأداء أعضاء الكنيست اليمين الدستورية، في جلسة احتفالية بحضور رئيس الدولة والسفراء المعتمدين وعائلات اعضاء الكنيست المنتخبين.
لكن الاحتفالات لن تخفي الصراع السياسي المتوقع حول رئاسة الكنيست وتركيبة لجانها البرلمانية.
فالاختبار الأول للتوازنات الجديدة سيبدأ قبل تشكيل الحكومة، من خلال محاولة استبدال رئيس الكنيست الحالي، أمير أوحانا، وانتخاب رئيس جديد، تمهيدًا لإعادة توزيع رئاسة اللجان البرلمانية وعضويتها.
ومن المتوقع أن تطالب كتلة القائمة المشتركة، برئاسة بروفسور يوسف جبارين و النائب الدكتور أحمد الطيبي، بمنصب نائب رئيس الكنيست، إلى جانب رئاسة لجان برلمانية مهمة والتمثيل في لجان مؤثرة، مثل لجنة المالية ولجنة الدستور والقانون والقضاء.
كما يُتوقع أن تطالب القائمة العربية الموحدة، برئاسة النائب منصور عباس، بمنصب نائب رئيس الكنيست، وبتمثيل مؤثر في لجان أساسية، بينها لجنتا المالية والداخلية.
لكن هذه المطالب يجب ألا تتحول إلى سقف الطموح السياسي للأحزاب العربية.
فالتمثيل في لجان الكنيست ومناصب نواب الرئيس حقوق برلمانية مشروعة، وليس بالضرورة ثمنًا سياسيًا كافيًا لدعم تشكيل حكومة أو ضمان استمرارها او التصويت لصالح مرشح معين لرئاسة الكنيست.
المعيار الحقيقي لنجاح الأحزاب العربية ليس عدد المناصب التي تحصل عليها، بل قدرتها على تحويل قوتها البرلمانية إلى إنجازات ملموسة للجماهير التي انتخبتها.
حكومة أقلية: فرصة سياسية أم فخ جديد؟
لن يحدث التحول السياسي الفعلي بمجرد انتخاب رئيس جديد للكنيست، بل عند تشكيل الحكومة والحصول على ثقة البرلمان.
وفي ظل موازين القوى المتوقعة، ولتشكيل حكومة مستقرة تستند إلى أغلبية واسعة من المهم الوصول الى تفاهمات بين كتل أيزنكوت والأحزاب التي تمثل المجتمع العربي.
لكن أيزنكوت، الذي يرفض في هذه المرحلة الاجتماع بقيادات القوائم العربية من دون قبول شروطه الأربعة، يضع هذه الأحزاب أمام معادلة غير متكافئة: الحصول على دعمها البرلماني من دون الاعتراف بها شريكًا في تحديد سياسات الحكومة القادمة.
ومن المتوقع أن تتضح صورة الحكومة مع اقتراب نهاية العام، حين يُطرح تشكيلها وخطوطها الأساسية على الكنيست للتصويت.
وإذا اتجه أيزنكوت إلى تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم الأحزاب العربية من الخارج، فقد تكون هذه فرصة سياسية مهمة، شرط ألا يتحول الدعم إلى التزام مفتوح وغير مشروط.
فالحكومة التي تحتاج إلى أصوات النواب العرب لتمرير قوانينها وميزانياتها لا تستطيع، من الناحية السياسية، تجاهل مطالبهم إلى ما لا نهاية.
ومن هنا، ينبغي أن تتحول كل محطة برلمانية مهمة إلى فرصة للتفاوض على قضايا واضحة، وفي مقدمتها مكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، ووقف سياسات هدم المنازل، ومعالجة أزمة السكن والتخطيط، وتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وضمان المساواة في توزيع الموارد والميزانيات.
كما ينبغي المطالبة بوقف التشريعات والسياسات العنصرية، وحماية الحريات السياسية والمدنية، والتصدي للتحريض ونزع الشرعية عن المواطنين العرب وممثليهم المنتخبين.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه القيادات العربية على نفسها ليس فقط: كيف نسقط حكومة نتنياهو؟ بل أيضًا: كيف نمنع إعادة إنتاج السياسات نفسها في حكومة تحمل أسماء ووجوهًا مختلفة؟ وللتذكير، مارست حكومة ايهود براك بعد انتخابات 1999 سياسة قامعة أدت الى اندلاع الانتفاضة الثانية.
ميزانية الدولة: الامتحان الحقيقي للحكومة الجديدة
سيكون إقرار ميزانية الدولة للعامين 2027 و2028، إذا طُرحت بصيغة ميزانية ثنائية السنوات، من أبرز الاختبارات السياسية والبرلمانية التي ستواجه الحكومة الجديدة.
ومن المتوقع أن تبدأ الحكومة، في حال تشكيلها، بمناقشة مشروع الميزانية خلال فترة قصيرة، بهدف استكمال الإجراءات البرلمانية ضمن المواعيد القانونية، مع احتمال امتداد النقاشات حتى آذار/مارس 2027.
وستكون الميزانية أكثر من مجرد وثيقة مالية؛ فهي التعبير العملي عن أولويات الحكومة وتوزيع الموارد بين المجموعات السكانية والقطاعات المختلفة.
وهنا ستواجه الأحزاب العربية امتحانًا مباشرًا أمام جمهورها.
فهل ستوافق على ميزانية لا تتضمن التزامات واضحة لتطوير البلدات العربية، وتحسين خدمات التعليم والصحة والرفاه، ومعالجة أزمة السلطات المحلية، وتوفير الموارد لمكافحة الجريمة والعنف؟
وهل ستقبل بتمرير ميزانية تُبقي الفجوات القائمة، مقابل الوعد بإبعاد اليمين المتطرف عن الحكم؟
إن القوة البرلمانية لا تُقاس بالقدرة على التصويت مع الحكومة فقط، بل أيضًا بالقدرة على الامتناع عن دعم سياسات تتعارض مع مصالح الجمهور.
وبعد إقرار الميزانية، يجب على الكتل الداعمة للحكومة الجديدة إلغاء أو تعديل تشريعات أقرتها حكومة نتنياهو، خصوصًا تلك التي أثارت اعتراضات واسعة بسبب مساسها بالحريات والحقوق المدنية وفصل السلطات والانقلاب التشريعي.
وسيكون موقف الحكومة من هذه التشريعات مؤشرًا مهمًا إلى طبيعة التغيير الذي تعد به.
محاكمة نتنياهو ومستقبل الليكود
تبقى محاكمة بنيامين نتنياهو أحد العوامل المؤثرة في مستقبل الوضع السياسي الإسرائيلي.
فاستمرار المحاكمة وتطوراتها القضائية قد ينعكسان على مكانة نتنياهو داخل الليكود وعلى قدرته على الاحتفاظ بقيادة الحزب والمعسكر السياسي الذي يقوده.
وفي حال صدور إدانة نهائية تترتب عليها آثار قانونية تمس أهليته السياسية، فقد يجد الليكود نفسه أمام صراع داخلي على القيادة، وربما أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى داخل اكبر حزب سياسي يقود اليمين منذ العام 1996.
لكن من المهم التمييز بين المسار القضائي والمسار السياسي؛ فالإدانة، إن حدثت، لا تعني بالضرورة انتقالًا فوريًا للقيادة، إذ يتوقف ذلك على طبيعة الإجراءات القانونية والتنظيمية ذات الصلة.
ومن ناحية نتنياهو، فإن فقدان السلطة في هذه المرحلة قد يشكل تحديًا سياسيًا كبيرًا، خصوصًا في ظل استمرار محاكمته.
كما أن أي تصعيد أمني أو حرب إقليمية خلال المرحلة المقبلة قد يعيد ترتيب الأولويات السياسية، ويؤثر في مسار تشكيل الحكومة ومواقف الأحزاب المختلفة.
حكومة أقلية تواصل الاحتلال والحرب بغزة
حتى لو نجح أيزنكوت في تشكيل حكومة أقلية، فإن قدرته على معالجة القضايا الاستراتيجية الكبرى ستبقى محدودة، خصوصًا في ظل اعتماد حكومته المحتمل على قوى سياسية تختلف معه في مسائل جوهرية.
فالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ومستقبل قطاع غزة، والاستيطان في الضفة الغربية، والعلاقات مع الدول العربية، والملف الإيراني، ليست قضايا يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى.
وستجد أي حكومة إسرائيلية نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات بشأنها، سواء بادرت إلى ذلك أم فرضتها التطورات الإقليمية.
وهنا تحديدًا ستظهر حدود التفاهمات بين الأحزاب العربية ومعسكر أيزنكوت.
فماذا سيحدث إذا شنت الحكومة الجديدة حربًا على غزة أو لبنان؟ وكيف ستتصرف الأحزاب العربية إذا استمرت عمليات القتل والهدم والتهجير في الضفة الغربية، أو إذا شهد المجتمع العربي داخل إسرائيل موجة جديدة من القمع السياسي؟
هل ستواصل دعم الحكومة بهدف منع عودة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، أم سنضع حدودًا سياسية وأخلاقية واضحة لهذا الدعم؟
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل تمس جوهر العلاقة بين التمثيل البرلماني العربي والحكومات الإسرائيلية.
فالأحزاب العربية لا تستطيع أن تطالب جمهورها بتقديم تنازلات سياسية غير محدودة تحت شعار منع عودة اليمين المتطرف، بينما تستمر سياسات الاحتلال والتمييز والقمع.
من إسقاط نتنياهو إلى بناء قوة سياسية مؤثرة
إن إسقاط حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش يشكل هدفًا سياسيًا مشروعًا ومهمًا بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجماهير العربية والقوى الديمقراطية في إسرائيل.
لكن هذا الهدف لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتنازل عن أدوات التأثير السياسي، أو إلى تفويض مفتوح لحكومة لا تلتزم بتغيير السياسات التي ألحقت الضرر بمجتمعنا وشعبنا الفلسطيني.
لقد أثبتت التجارب البرلمانية أن الأحزاب التي تمنح دعمها مجانًا تجد صعوبة أكبر في انتزاع التزامات بعد تشكيل الحكومة، خصوصًا عندما تصبح المحافظة على بقائها هدفًا بحد ذاته.
ولهذا، فإن المطلوب من القائمتين المشتركة والموحدة ليس الاكتفاء بتقديم التوصية، بل صياغة برنامج مطالب مشترك، والتفاوض العلني على أساسه، وتحديد الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.
ولا يعني ذلك بالضرورة المشاركة في الحكومة أو الحصول على مناصب وزارية، بل بناء علاقة سياسية تقوم على الالتزامات المتبادلة، والشفافية أمام الجمهور العربي واليهودي، وربط الدعم البرلماني بسياسات وقرارات قابلة للقياس والمحاسبة.
إن وحدة الموقف العربي حول المطالب الأساسية يمكن أن تمنح القائمتين قوة تفاوضية أكبر من مجموع قوتهما عندما تتصرف كل منهما بصورة منفردة.
أما الاكتفاء بالتوصية على أيزنكوت من دون اتفاق سياسي، فقد يمنحه فرصة الوصول إلى رئاسة الحكومة، لكنه لا يضمن للجماهير العربية أي تغيير حقيقي في واقعها.
والخطر الأكبر ليس أن تفشل الأحزاب العربية في إسقاط نتنياهو، بل أن تنجح في إسقاطه من دون أن تنجح في تغيير السياسات التي ناضلت ضدها.
فالتغيير السياسي لا يُقاس فقط باسم رئيس الحكومة، وإنما بطبيعة السياسات التي تنتهجها الحكومة الجديدة، ومدى احترامها للحقوق الجماعية والفردية، وقدرتها على تحقيق المساواة وإنهاء الاحتلال وفتح أفق سياسي عادل.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق المرحلة المقبلة هو: تحويل الأحزاب العربية الى شريكًا مؤثرًا في صياغة التغيير، تحصل من خلاله على مقابل سياسي حقيقي؟
جعفر فرح
مؤسس مركز مساواة وصحفي سابق