ميرا والأورفيزيون.. دوز بوا
1. رغم موافقتي ورافضي مشاركة الفنانة ميرا عوض في تمثيل إسرائيل في مسابقة "الأوروفيزيون"، إلا أنّ ما يشوب هذا الرفض من غوغائية وشعبوية يُبعدنا عن النقاش الحقيقي، الذي يجب أن يدور بهدوء ومبدئية، وبعيدًا، قدر الإمكان، عن النهج التصفوي التخويني الذي رافق جزءًا من الحملة الأخيرة على عوض.
2. لنتفق أولا على أمرين: الأول دحض نظريات المؤامرة القائلة بأنّ اختيار عوض جاء تلبيةً لـ"أوامر عليا"؛ والثاني دحض نظريات السذاجة، إذا جاز التعبير، القائلة بصفاء الاختيار من أي اعتبار سياسي أو دعائي. فلعوض رصيدها الذي يؤهلها للمشاركة، مثلما أنّ لسلطة البث رصيدها الذي يؤهلنا للتشكيك في ما وراء كواليس هذا الاختيار.
3. إن مشاركة عوض في هذه المسابقة إشكالية بامتياز، وليس فقط لأن الإعلان عنها جاء في خضم المجزرة الإسرائيلية في غزة. فحتى لو جاءت هذه المشاركة في توقيت أقل دمويةً وعنصرية، لظلت إشكالية. لأن هذه المسابقة تتمحور في البعد التمثيلي لا الفني. ولأنه سيُنظر إلى ميرا، شاءت أم أبت، كمندوبة لدولة إسرائيل. لذا كان حشر "دماء أطفال عزة" و"شطب قوائم الكنيست العربية" زائدًا ومُفتعلا.
4. وما الفرق، قد يسأل البعض وبحق، بين هذه الحالة ومشاركة فنانين عرب في أعمال فنية إسرائيلية؟ والحقيقة هي أنّ الدنيا ليست "أسود-أبيض"، لكن هذا لا يعني أنّ الرمادي يجعلنا في حِلٍّ من وضع الإصبع على الخط الفاصل بين الخطأ والصواب.
5. الفرق الأساسي هو أنّ ميرا، في هذه الحالة، ستمثل دولة إسرائيل. ونعم هنالك فرق بين المشاركة في عمل فني يشارك فيه إسرائيليون كممثلين أو مخرجين أو منتجين (مثل "العرض الأخير" و"شجرة الليمون") أو تدعمه صناديق إسرائيلية، وبين المشاركة في مسابقة رسمية باسم دولة إسرائيل.
6. بخلاف بعض "دلـّوعي المواطنة"، أعتقد أن مشكلتنا الأساسية مع دولة إسرائيل ليست أنها مُعرّفة على الورق كدولة يهودية، بل أنها تمارس على الأرض احتلالا كولونياليًا بشعًًا ضد أبناء شعبنا الفلسطيني منذ أكثر من 40 عامًا، وتمارس عنصرية قمعية وقحة ضد جماهيرنا العربية منذ أكثر من 60 عامًا. هذه هي القضية، وهي أهم برأيي من لون العلم وشكل الرمز ولحن النشيد.
7. لو أضحت إسرائيل "دولة جميع مواطنيها" كما يريد البعض، وظلت دباباتها وجدرانها وحواجزها في القدس ورام الله وغزة، هل عندها ستكون مشاركة ميرا شرعية لأنها نابعة من "مواطنة كاملة"؟!
8. أطرحُ هذا النقاش (معضلة المواطنة) لا من باب المناكفة، بل من باب الإشارة إلى التناقضات التي قد تضعنا جميعًا في موقف سخيف عند خوض نقاش جدي مع الآخر. فمَن يطالب بالاندماج والتمثيل الملائم لا يمكنه أن يكون انتقائيًا ويقول "هاي لحال وهاي لحال".
9. من الصعب تقبّل الادعاء بأنّ مشاركة عوض ستحسّن صورة إسرائيل في المحافل الدولية وتؤثر على الرأي العام وبالتالي على سياسة أمريكا وأوروبا تجاه الشرق الأوسط. هذا كلام سخيف. لكنه يبدو أكثر سخافة حين يجترّه أناس هللوا للإنجاز التاريخي المتمثل في ترشيح عضو كنيست عربي لرئاسة حكومة إسرائيل عام 99.
10. لا يمكننا الإفلات من التداعي الذي يستحضر حادثة اختيار عارضة أزياء عربية لتمثيل إسرائيل في مسابقة "ملكات الجمال" في نفس السنة (99). وإذا عملنا بمقولة "العتب على قد العشم"، فإنّ عتبنا على ميرا، الفنانة المثقفة التي نشأت في بيئة وطنية مُسيّسة، يأتي على قدر توقعاتنا منها من حيث مستوى الوعي والالتزام.
11. ولا يمكننا عدم التذكير بمشاركة إشكالية سابقة لعوض، وأقصد مسلسل "شغل عرب"، الذي دافع عنه بعض العرب بزعم أننا لم نرتق إلى فهم الساتيرا الرفيعة. هذا بالطبع لا ينزع أحقية أحد في نقد خيارات ميرا، ولكنه يفضح تلوّن بعض "أهل ثقافتنا" الذين تحتكم مواقفهم إلى المصالح لا المبادئ.
12. إن قبول ميرا عوض تمثيل دولة إسرائيل هو قرار خاطئ ومعيب، ولكنه يبقى قرارًا فرديًا. ويبقى السؤال الأساسي هو كيفية تعاطينا الجماعي معه، بما في ذلك مساءلة ومحاسبة صاحبته مستقبلا.