كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

الحبل إذا اشتدّ انقطع

كل العرب · 18/06/2009 الساعة 19:21

لا يكاد احد يختلف معي في الرأي إلا صاحب هوى نفس, أننا على الصعيد المحلي والصعيد الفلسطيني نعاني من مرارة, ولا ينقضي يوم من الأيام إلا ويرافقنا تنغيص لا حدود له, ونازلة وملمة لا وصف لها...
ظاهر الأمور يوحي بأن النوازل والفواجع التي تلاحقنا كل ساعة تستوجب الرضوخ والتسليم بالأمر الواقع, وخلع خوذية الجندية, بل وذهب بعض المثبطين للقول بأن بلاءنا الشديد جزء من جنس عملنا, وهو عقاب الـهي بحت نستحقه, بسبب التواءات نفوسنا...
وبعيداً عن كل هذه المناقشات, فإننا نسلم أن نُجوعنا وبلداننا موضوعة في اختبار لحظة حقيقية, تتطلب الصبر وحسن التخطيط لإدارة المعركة مع الحوّامة التي تبغي ابتلاعنا, فان أحسنا الصبر من غير تشكي أو برم أو سخط كوفئنا:
* (ولنجزينّ الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)
* (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)
* (إن الله مع الصابرين)
وهذه المعية هي معية التأييد والنصرة والمنعة والغلبة والتمكين في الأرض, التي تورث أصحابها طمأنينة القلب وسكينة الوجدان, والثقة الغامرة أن الظلم سيزول, وأن الجبروت سينهزم والنصر حليف المكلومين...
فالصبر والانتصار رفيقا درب وفرعا غصن واحد ورضيعا لبان...  وأعلم أن النصر مع الصبر...
وإذا كنا اليوم نحن عرب الداخل المنسيين نقاسي مرارة سوط الجلاد, ومرارة الغربة في وطننا, فلا ضير فمحنتنا منحة وعطاء, وبلاؤنا هدية, وآلامنا دواء مراً لا يحصل الشفاء إلا به, وأبعد من ذلك, أن المحن التي ترافقنا آناء الليل وأطراف النهار... زرعت فينا من الفضائل والمزايا ما لم نخطط له, وألقت في روعنا من الأخلاق والخصال ما كنا لها هاجرين..... ومهما اشتد الطوق علينا ستنمو في قلوبنا أخلاق أخرى, لو تربينا عليها خطوة خطوة ستفنى أعمارنا وأعمار أجيال أخرى حتى نُحصل بعضها...
وما أصدق قول القائل :
الصبر مثل اسمه في كل نائبة
لكن عواقبه أحلى من العسل
ما أشبه نكبة القدس وغزة والخليل ونابلس والمدن الساحلية والنقب والجليل والمثلث بالبيضة !! تحسب سجناً لما فيها وهي تحوطه وتربّيه وتعبّئه على تمامه, وليس على كل هذه الأسماء اللامعة إلا الصبر على اللأواء إلى مدة, ثم تنفتق البيضة فيخرج خلقاً آخر ما أبدع تكوينه.
فيا كل أهلنا في الداخل والوطن والشتات, لا تستسلموا لليأس, واسقوا ألمكم في التحرير بماء الصبر, واعلموا أن ما نحن فيه من محن إن رافق أصحابها الجزع ثم لحقها الضجر والتأفف لا يقلع المحن بل يزرعها, يضر ولا ينفع, تضني ولا تبقي.
ارى البلايا تخيط المرء تصنه
حتى لئن صح ذوب الصخر لم يذب
أو صحّ أن قناة الصلب قد وهنت
فلا يلين إذا صبّ في اللهب
ما حصحص الحق إلا بعد ما انسلخت
من عمر يوسف أعوام من النصب
نحن لم نختر البلاء بأيدينا... بل هبّ علينا كالطوفان دون إرادة منا, فإن أردنا الإمامة والريادة وتحقيق الغلبة ... فلنحسن إدارة معركة الصبر, ولنكن جبال صبر وتحمل, تتحرك حتى يغار منا الصبر, وقد قال تعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا)...
يا أهل غزة, ألم يصبر نبينا على الجوع والفقر حتى ربط على بطنه الحجر والحجرين؟ فأحسِنوا المصابرة والمرابطة حتى تنكشف الغمّة عن صباح حر منبلج...
يا أهل القدس, ألم يصبر نبينا على فقد الزوجة الأنيسة والولد...
يا كل أهلنا, ألم يصبر نبينا على إيذاء قومه له سباً وضرباً وحِصاراً في الشِعاب؟ وصبراً على إخراجه من أحب البلاد إليه؟, وصبر على فقدان أصحابه أمام عينيه والتمثيل بهم؟, وصبر على قذفه في عِرضه واتهام أحب الخلق إليه أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ؟.
كل هذه التركة تركها لنا حتى تسوق الشاردين عن الله إلى الله... وترد الهاربين منه إليه, ولترسم الطريق بوضوح إلى بيت الملك, فإن ارتدى ثياب المرابطة وألح في المسألة, باعثاً دعاء قد خضّبته الدموع, وزيّنه الوجل, وعطّّره الأدب مع الله...
عندما فقط توهب لنا الحياة من جديد, لأن قوة الشكيمة والإيمان تظهر في النكبات لا في الركعات, وعند الرزايا لا في الزوايا والتكايا (فمن آمن بالله فكأنما قال له امتحنّي, وكيف تراك إذا كنت بطلاً من الأبطال مع قائد الجيش؟ أما تعرضت عليك شجاعتك أن تقول للقائد:\" امتحني وارمِِ بي حيث شئت, وإذا رمى بك فرجعت مثخناً بالجراح... أتراها أوصافاً لمصائبك أم ثناءً على شجاعتك؟؟ّ)...
لتقرأوا معي هذا الحوار السريع في لغة أبي الفرج ابن الجوزي (اللطائف):
\"شجرة صنوبر تتم في ثلاثين سنة وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين, فتدرك الصنوبر فتقول شجرة الدباء :\" إن الطريق التي قُطِعت في ثلاثين عاماً قطعتها في أسبوعين, فيقال لك شجرة ولي شجرة, فيجيبها:\" مهلاً إلى أن تهب ريح الخريف..\".
فأي الطريق نختار ؟ طريق الصمود والرباط مع الله حتى يطلع الربيع أخضراً, أم شجرة التشكي والتبرم فتكافأنا الريح مع أول هباتها ؟.
إن بعض المتأففين يرون اليُسر بعيداً ونراه أقرب إلينا من حبل الوريد, والله جلّ في علاه لم يجعل الفرج والنصر واليُسر بعد العُسر أو عقبه... بل معه, \"إن مع العُسر يسرا\", وفي هذا قال بعض السلف:\" لو دخل العُسر حُجراً لتبعه اليُسر\", لأنه مع كل بلاء تتولد النِعَم الخفية المكتوبة, فإن أردتم المزيد أتيناكم بشعر:
اشتدي أزمة تنفرجي
قد أذن ليلك بالفرج
مهما اشتدت بك نازلة
فاصبر فعسى التفريج يجي
أجل نوافقكم الرأي أن الأوضاع تزداد ضيقاً, ولا يخلو بيت من لدغة أو قهر... والأمور شيئاً فشيئاً تضييق ويشتد الطوق, ولكن... العاقل من يدرك أن الأمر إذا ضاق اتسع... والألم إن اتسعت دائرتها اتسعت دائرة الأمل أكثر فأكثر, والحبل إذا اشتد انقطع... وأن وراء الظلام فجراً ساطعاً, وخلف الغمام بدراً مستنيراً, وأن ضحك الرياض في بكاء ودموع ومطر السحاب, وحياة النبات في شق التراب, وأنها الغمرات والغمات والهنات ثم ينجلين, والظلمات ثم يولين الأدبار... وأن مع اليوم غداً...
عُضّوا على ساعات الأمل بالنواجذ... ليكن الأمل بالغد المشرق الناطق الرسمي باسم عصركم, حتى لا يعطب مولّد كهربائنا, فطالما بقي الأمل ظل المولّد شغالاً, وقادراً على توزيع الضوء والحرارة في أطرافنا وفكرنا, وحينئذِ لن ينطفئ الوطن المقهور في عيوننا, ولا أحد يستطيع أن يسرقه منا للأبد, أو أن يطفئ قناديله للأبد, ويغتال حضارته , ويلغي سلالة التمكين في الأرض.

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع