كنت طفلاً عندما انتكست أُمّتي
قبيل اندلاع عدوان الخامس من حزيران (يونيو) من العام 1967، كنت في الثامنة من عمري، براءة الأطفال تلازمني، ولكن بدل اللعب مع أترابي، كنت منشغلاً في متابعة الإنباء الواردة من مصر، أم الدنيا، عن التحركات العسكرية وعن تصرفات الزعيم العربي الواحد والأوحد، طيب الذكر جمال عبد الناصر، عبر إذاعة صوت العرب وصوت مذيعها الرنان والحربجي احمد سعيد.
وبما أنّ واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط كانت فارضة على البقية المتبقية من أبناء الشعب العربي الفلسطيني، الذين تشبثوا بأرضهم وعشقوا كل حبة تراب من الوطن الغالي، الحكم العسكري، فقد رافقت جدي من طرف والدتي المرحوم جميل جريس اندراوس، الذي كان يعشق عبد الناصر بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان. تابع الخطابات، على الرغم من خطورة ذلك، لان عناصر جهاز الأمن العام (الشاباك الإسرائيلي) كانت تتجول في القرى والبلدات العربية لتقبض على الفلسطينيين مُتلبسين بسماع خطاب لألد أعداء الدولة العبرية.
وكانت مهمتي عند بدء خطاب الزعيم، أن اعتلي إلى السدة المطلة على الشارع في قريتي ترشيحا لمراقبة الأوضاع، فعيني على الشارع لإعلام جدي بان عناصر المخابرات حضرت، وأذني باتجاه المذياع لسماع أقوال وتصريحات الرئيس المصري الخالد. وعندما كان يلقي الزعيم خطاباً، كانت ترشيحا تتحول إلى قرية أشباح، هدوء وسكينة ولا احد في الشارع، الجميع في بيوتهم يستمعون لعبد الناصر، آملين أن يعلن الحرب على إسرائيل وينتصر عليها، وترجع فلسطين إلى أصحابها الشرعيين، ويرجع اللاجئون إلى ديارهم بعد التشريد البربري في النكبة المشؤومة. الأحلام كبرت مع سماع أقوال المذيع الميتولوجي احمد سعيد عبر أثير صوت العرب من القاهرة ومقولته التي باتت على لسان الجميع: هنيئاً يا سمك البحر، أبشر يا سمك البحر، أي أنّ العرب سيلقون اليهود في البحر.
واندلعت الحرب بين إسرائيل ومصر وسورية والأردن. وبما أننا كنا على ثقة بان بيانات احمد سعيد صادقة وصادرة عن القيادة العامة للجيش المحارب في ساحة القتال، فقد واصلنا الاستماع والاستمتاع بالأقوال التي بثها، والرجل كان فعلاً مؤثراً على الجماهير في جميع أرجاء الوطن العربي بشكل عام، وفي مناطق الـ48 بشكل خاص. وبدأت البيانات المطمئنة، وعلى حين غرة تحوّلت إلى بيانات انتصار عربي وتحرير الأرض والعرض، ونحن نمسك بالمذياع الصغير، الذي تحوّل إلى كل عالمنا، ونستمع بشغف لا يوصف لبيانات احمد سعيد.
لم نستمع إلى الإذاعة الإسرائيلية العامة باللغة العبرية لسببين: الأول، أننا لا نثق بها ونعتقد أنّ أخبارها مُوجهة وكاذبة وتريد إحباطنا وحرماننا من متابعة نصر الأمة العربية، أما السبب الثاني فكان أننا لا نجيد لغة أولاد العم-اليهود، الذين يتكلمون العبرية.
لم يذق جدي طعم النوم في الأيام الأولى. كان ينتظر لحظة الإعلان عن الانتصار ويريد أن يسمعه ببث حي ومباشر. في اليوم الثاني أو الثالث من الحرب جاء التحول الذي طالما انتظرناه، احمد سعيد من وراء الميكروفون يعلن بثقة كاملة وبصوت جهور أن القوات السورية احتلت طبريا وحررتها من اليهود، دون أن يُخبرنا ماذا فعلوا بيهود طبريا، هل رموهم في البحيرة أم لا! وخلال دقائق معدودات عاد احمد سعيد ليؤكد للمستمعين أن القوات السورية تتقدم باتجاه منطقة عكا لإكمال عملية التحرير. في تلك اللحظة باتت السعادة سيدة الموقف، حتى الذين شككوا في أقوال الإذاعة العربية، انضموا إلى معسكر السعداء وأعلنوا الولاء الكامل لصوت العرب من القاهرة.
فجأة، وبدون سابق إنذار تحوّل الديوان في بيت جدي إلى ما يشبه القهوة. سكان القرية وصلوا من كل الحارات ليستمعوا إلى إعلان النصر، غير آبهين من المخابرات الإسرائيلية. إنهم كانوا على موعد مع التحرير وموعد لا يقل أهمية مع عودة اللاجئين الذين شردتهم العصابات الصهيونية الى لبنان وسورية. فترشيحا، عروس الجليل، كان يسكنها خمسة آلاف شخص، هُجر السواد الأعظم منهم ليبقى في القرية المنكوبة بضع مئات من العرب، وبضع مئات من اليهود الذين استجلبهم الصهاينة من المغرب العربي وأيضاً من دول أوروبا.
وتأخرت القوات السورية، لم تصل إلى ترشيحا، ولم نسمع أنّ أهالي مدينة عكا يرقصون في الشوارع فرحاً بالتحرير. ومضى يوم آخر ولا جديد تحت الشمس. لم نعرف ماذا حصل للقوات التي كان من المفروض أن تحرر قريتنا. واختلط الليل بالنهار ولكن احمد سعيد واصل بث البيانات، بيانات الانتصار والتحرير.
وفي اليوم الرابع من الحرب وصل رجل من القرية إلى ديوان جدي وملامح وجهه تدل على أن الأسوأ قد حصل. كان الرجل يمتلك جهاز تلفاز ويتابع الأخبار بالصوت وبالصورة، قال ودموعه على عينيه: اليهود غلبونا، اليهود غلبونا، احمد سعيد لا يقول الحقيقة. أقواله كانت حازمة وصارمة، هُزمنا يا إخوان، الجيش الإسرائيلي حطم الطائرات العربية واحتل شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان العربية السورية والقدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
كالصاعقة نزلت أقواله على المتواجدين في الغرفة، فهذا يبكي كالنساء، وذاك ينوح للأموات، وآخر لا يريد أن يصدق. ولكن الدولة العبرية الصغيرة، ابنة التاسعة عشرة، تغلبت بالضربة القاضية على الجيوش العربية مجتمعة.
مع ذلك شكك البعض في الرواية، وأبى الكثيرون التسليم بالمصطلح الجديد الذي بات يُرافقنا حتى اليوم: الهزيمة، حتى قامت إذاعة صوت العرب ببث خطاب جمال عبد الناصر الذي اعترف من خلاله بالنكسة.
وهكذا خلال ستة أيام عشنا البهجة والفرح والسرور، وفي اليوم السادس تحطمت الأحلام وتحولت إلى كوابيس، وانفض الديوان على النكسة التي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. حتى الرئيس عبد الناصر، الذي اتسعت همته ليحمل آمال أمته، لم يتمكن من تحرير فلسطين، فما بالك اليوم مع الزعماء والملوك والسلاطين، الذين اختاروا خيار السلام وقضوا على خيار المقاومة، وباتوا يقاومون من اجل التطبيع مع الدولة العبرية، ويعرضون بالمزاد العلني قضية عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ترشيحا وعكا واسدود ويافا والرملة وجميع القرى والبلدات والمدن العربية التي اقتلعوا منها.