مرحلة ما بعد غزة والطريق الموصود
سؤال يراود الانسان العربي والفلسطيني على وجه الخصوص ..ما الذي ينتظر الشعب الفلسطيني بعد سيطرة حماس على قطاع غزة واستفرادها بالسلطة هناك ؟؟؛؛ وهل حركة حماس قادرة على مواجهة التحديات السياسية، الاجتماعية والاقتصادية التي ستواجه الشعب الفلسطيني مستقبلا ؟؟ وهل هي قادرة على تأمين متطلبات الشعب الحياتية اليومية .. بعد العزلة التي سيفرضها العالم ويشددها على قطاع غزة انتقاما وثأرا لما أقدمت عليه حماس من سيطرة مطلقة على المؤسسات الفلسطينية ؛؛
ليس لدي أدنى شك من أن العالم العربي والمجتمع الدولي سيفرض حصارا قاسيا على حركة حماس لأنها وبمفهوم قادة تلك الدول أقدمت على انقلاب دموي أطاح بشرعية أبو مازن والذي يعتبر معتدلا من وجهة نظرهم ،وسوف يحاول العالم تضييق الخناق على حركة حماس من خلال جعل قطاع غزة كانتون مغلق لا ينعم بمقومات الحياة اليومية ؛؛ وبدات اسرائيل تهدد بقطع الكهرباء والماء عن القطاع ؛؛
من هنا لندخل الى معادلة الربح والخساره التي فرضها الواقع الجديد .. كل المؤشرات تشير الى أن غزة ستتحول الى كانتون مغلق من جميع الجهات وحتى شريان الحياة الذي يربطه باسرائيل سوف يقطع ، ولن تقوم الدول المانحة بتقديم أية معونة لسكان القطاع كعقاب لحركة حماس ؛؛ اذا من هذه الناحية فالشعب الفلسطيني سيدفع الثمن، وليس حركة حماس لوحدها .. والى أي مدى سيتحمل الشعب مثل هكذا واقع ؟؟
وهل سيصل الى حالة من اليأس والجوع تجبره على النزوح من القطاع بحثا عن لقمة العيش ؟؟ والى أي مدى سيصمد في قلب هذه الاوضاع المزرية ؟؟ السياسية والحياتية ؛؛
أما السؤال الاخر والمتروك لحركة حماس للاجابة عليه .. الى أي مدى هي قادرة على تأمين متطلبات المواطن الفلسطيني .. وهل بامكانها فرض شرعيتها السياسية على العالم كحكومة معترف بها دوليا وعربيا وحتى اسلاميا ؟؟ من اجل الاستمرار في الحياة السياسية والتعامل مع العالم والمجتمع الدولي وفق المعايير السياسية لهذا العالم ؟؟؛؛؛
انني أشكك بقدرة حركة حماس الازلية على تأمين متطلبات المواطن الفلسطيني الحياتية اليومية، خاصة وانها ستواجه سياسة اقفال النوافذ بوجهها من قبل دول العالم ، وابقاء النوافذ مفتوحة منوط بقدرة حركة حماس على التنازل عن فكرها وسياستها .. وهذا أمر مستبعد جدا لانه سيعرض حماس الى انقسامات وتشرذمات داخلية وهي ليست معنية الان ، من هنا يطرح السؤال المفصلي : هل كانت حماس بحاجة الى هذه السيطرة المطلقة على قطاع غزة وما الذي ستحصده من وراء هذه السيطرة ؟؟ وهل ستسطيع العيش بمعزل عن التفاعلات الاقليمية والدولية ؟؟
أعتقد ومن قراءتي للاوضاع الدولية والفلسطينية بان خسائر حماس ستكون كبيرة وخسائر الشعب الفلسطيني ستكون أكبر ، وستكون هذه المرحلة مرحلة مفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني ، واذا بقيت الاوضاع الداخلية الفلسطينية على ما هي عليه ، دولتان لشعب ؛؛ وسلطة دون مقومات ونفوذ فليس لدي أدنى شك من ان القضية الفلسطينية ستصبح في خبر كان وقد يجد العالم الذريعة لنزع اعترافه بالشعب الفلسطيني وقضيته ؛؛ اليوم لا يمكن للقيادة الفلسطينية أن تطالب بالحقوق المشروعة أو أن تتحدث عن تحريك عملية السلام قبل أن تعزز السلام الداخلي ؛؛ وترتب أوراقها الداخلية ولن يسمع صوتها العالم ما دامت أوراقها مبعثرة بهذا الشكل المعيب والمخجل .
حركة حماس ربما لم تجري الحسابات الدقيقة لما قد يحصل من تداعيات على المستويين العالمي والفلسطيني وظنت أنها تخوض معركة قد تنتهي بتطهير الشارع الفلسطيني من المفسدين كما تقول ، دون الأخذ بعين الاعتبار الاسقاطات الدولية على هذا الموضوع ؛؛ ودون أن تأخذ بالحسبان موازنة الشارع الفلسطيني الذي ينقسم ما بين المؤيد والمعارض لخطوتها هذه ؛؛ ودون أن تجري حسابات دقيقة لمدى خطورة هذه الخطوة وانعكاساتها على مجمل النضال الوطني الفلسطيني ومصيره ؛؛ ودون أن تحسب حساب لحالة الانقسام الحاد الذي سيشهده الشارع الفلسطيني ؛؛ لن أناقش من خلال مقالي هذا دواعي المغامرة التي خاضتها حركة حماس ، لكنني أقول وبجرأة ...أن ليس كل من انتمى لفتح هو مفسد ، وليس كل من انتمى لحماس هو نظيف، هناك عناصر من الطرفين عبثت بالشارع الفلسطيني لاعتبارات خاصة ، وهذه العناصر جنت على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ؛؛ وهي المسؤولة أمام التاريخ عما سيحصل مستقبلا للقضية الفلسطينية ؛؛
انني متشائم مما هو قادم .. فالعالم كان ينتظر فرصة كهذه لتبرير تنصله من مسؤولياته التاريخية والانسانية تجاه شعبنا .. ونحن أهديناه هذه الفرصة على طبق من ذهب ؛؛
أما ما هو مطلوب العودة الى الحوار الفلسطيني الداخلي الذي لا مفر منه ولا خيار غيره ؛؛ المطلوب وبسرعة اعادة صياغة أسس الوحدة الفلسطينية وثوابتها بالشكل الذي يتماشى مع مصلحة الشعب الفلسطيني وليس مع المصلحة الذاتية للفصائل المتناحرة ، واذا كانت قيادة شعبنا حريصة على صيانة مكتسبات هذا الشعب فليس أمامها خيار آخر ، فالعصبية والتعصب لن يأتيا بشيء لشعبنا بل من شأنه ، أن يعمق الشرخ القائم .. وأكرر اذا كانت هذه القيادة عاجزة عن صيانة وحدتها وتأسيسها على قاعدة " مصلحة الشعب فوق المصالح الفئوية " فحري بها أن تريح الشعب وترحل وتترك الخيار للشارع ؛؛
لا يوجد انسان عاقل في هذه الدنيا يقبل بما حصل ؛؛ الأخ يطلق الرصاص على أخيه ، والدم يملأ الشوارع دون مبرر مقنع ، فالصراع الدائر ليس صراع المناهج والمبادىء ، بل هو صراع أمراء المصالح الفئوية ؛؛
المطلوب من حركة فتح نزع الشرعية عن رموز الفساد داخلها وتقديمهم للمحاكمة، واعادة صياغة ملامحها الثورية الحقيقية، وهذا ما هو مطلوب من حماس أيضا .. فليس كل من انتمى الى فتح مفسد وليس كل من انتمى الى حماس نظيف ،هناك عناصر من كلا الطرفين عبثت بالشارع الفلسطيني وأساءت للتاريخ الفلسطيني ونضالاته ... أساءت لشهداء الثورة الفلسطينية ويجب شطب هذه الرموز والعناصر ، عندها لن يكون خلاف بين الطرفين .
ما حصل في غزة يجب ان يكون درسا للطرفين... ويجب ان يستخلصا العبر من هذا الدرس وان تسعيا الحركتان الى تأسيس عهد جديد عنوانه (شطب رموز الفساد في الشارع الفلسطيني).