انها تقف بعيدا وانا ما زلت احدق بطابع الحسن فوق جبينها
اخر لحظة هي المتبقية , انه حفل التخريج الذي لطالما تمنيت ان لا يأتي , ولكن قد جاء بسرعة لم اكن اتمناها ابدا .
انها تقف بعيدا , وانا ما زلت احدق بطابع الحسن فوق جبينها حتى ملني الصبر , لم تبقى سوى بضع دقائق على الرحيل , بل بالتحديد لم تبقى سوى لحظات .
واصوات على الهامش تعانق اليأس بكفيها , ورحت اتفكر كثيرا في هذه اللحظة بأشياء ليس لها ذلك الوقع على ذهني كي اضيع اهم لحظة قد تكون في حياتي من اجل هذه الخواطر العقيمة .
ها هي دقت ساعة الصمت , وصليل الهواء يلتف حولنا كأنه الموت , لا بل هو الموت بعينه , ووقفنا صامتين طوال هذه اللحظة , حتى تعطلت لغة الكلام , وحتى التفكير صار مبهما بعض الشيئ , افكار تجول في ذهني , وصور تمر امام عيني كأنها تحترق , لم ادري ما سبب هذا الشعور اليائس .
وظننت حينها انني اقف هنا في مكاني منذ مئات السنين , ولم ادرك للوهلة الاولى انها سوى لحظة وسوف تمر كأنها الردى من بيننا , وسوف تخطف من امامي بسرعة , وما زلت اتخبط بين افكاري المشتتة حتى همت هي بالرحيل .
احسست حينها بأنني يجب ان اتكلم , او حتى ظننت حينها بأن الصراخ قد يكون افضل دواء لأعصابي التي تنهار شيئا فشيئا .
ولزم قلبي الصمت مرة اخرى , ولا اتذكر شيئا سوى انني قد اهملت جميع ما حولي من اشياء وصرت احدق بعمق في عينيها الحالمتين كأنهن نافذتان على عالم غير عالمي , وبدأت تتحرك اطرافها شيئا فشيئا حتى هممت انا , وفي هذه المرة لم استطع ان اقف مكتوف اليدين ولا اكلمها , فلقد جاءت اللحظة التي يجب فيها ان ارمي ذلك الخجل الذي بعثر روحي هنا وهناك ورائي .
واذ بي امر من امامها وعيناي في الارض لكن , رغما عني قد تباطئت في هذه المرة بطريقة تلفت الانتباه .
ها انا اقف على حافة الهاوية , ويبدو ان الاحلام الوردية سوف تذهب مع السراب .
احسست انها قد اصبحت خيوط ذكرى معطرة تنقطع شيئا فشيئا مع مرور هذه اللحظات , انها نوبة الجنون قد اصابتني , شعور بالاسى والشوق واليأس والتفائل يجتاحني .
وعدت مرة اخرى لأكلمها دون ادنى تفكير , لأنه في مثل هذه اللحظة لو فكرت ولو قليلا , لم أكن لأقوى على مجرد النظر في عينيها الواهيتين .
ومددت يدي مصافحا , وهنا كانت الدهشة قد بلغت مبلغا لا يمكن اخفاؤه في مقلتيها الحالمتين , فهذا الاندهاش كان شيئا طبيعيا للوهلة الاولى , حتى انا قد تعجبت من نفسي وتصرفي الذي ظننته احمقا في اول الامر .
كيف اصافحها وانا لم اتكلم معها طوال حياتي , لم اجرؤ طوال السنتين ان اكلمها والان جئتها مصافحا .
كانت تبدو في اول الامر مترددة بعض الشيئ او يمكن القول انها مصدومة , فما فرغت الثواني وانقضت لحظات حتى شعرت كيف تعانق يدي اصابعها برعشة لم اعهدها من قبل ابدا .
لم اعد اعرف بالضبط هل اتكلم وابوح ما بداخلي من مشاعر جياشة , ام ان الصوت في مثل هذه اللحظة اقوى من لغة الكلام واقوى من جميع الحروف ؟؟, حتى فاجئتني ببسمة رسمت على ثغرها الصغير حرك ما تبقى من حروف على لساني , فإذ بي انطق بعضا من الكلام غير المفهوم المتعمد , ولم اعد اعلم هل هو ضعف , ام خجل , ام هروب .
ومرة اخرى تحرك ثغرها ليرسم لي الدرب مرة اخرى , وفجأة قاطع سلسلة افكاري صوت ملائكي حزين بعض الشيئ .
- ما بك ؟؟
نعم , انه صوتها الملائكي من جديد , لقد احسست ان الارض توقفت عن الدوران للحظات , احسست في حينها ان الكلام مات والحروف قد شنقت فوق لساني , فلا يوجد اي حروف ليعبر عن ذلك الصوت .
استجمعت قواي من جديد , ونبرة صوتي كانت يائسة بعض الشيئ وقلت لها بصوت خافت يكاد لا يسمع :
- الا تعرفين ما بي ؟
ها هي الصدمة والدهشة تعود رويدا رويدا لتسكن احداقها .
لا ادري فعلا كيف فعلتها , وتكلمت معها ولو بضعة كلمات , ولا ادري كيف قربت تلك المسافة العظيمة بيننا وانني الان على بعد بضعة اقدام عنها , وكل ما اعيه انني لم اعد استطع الاقتراب اكثر من هذا , حتى داهمتنا نسمة من هواء وكأنها تنقل الينا نسيم الصبح , وتحركت خصلة من خصلات شعرها الاسود تعانق اطرافي .
وعندها رفعت عيني قليلا لأقرأ عيناها , فصوت الصمت قد داهمنا هذه المرة , وعندها قد كان اي حرف ينطق مباح ليكسر حاجز الصمت الذي يخيم فوقنا .
فَرُحْتُ اكمل ما بدأت من تمتمة متعمدة ولكن هذه المرة بنبرة مسموعة , لأنني حينها احسست بشيئ من الاطمئنان عند البوح للعض من مشاعري تجاهها .
- انا منذ سنتين وانا انتظر هذه اللحظة , لحظة سماع هذا الصوت الملائكي الحزين
- ولكن الا تعتقد انك جأت بهذا الكلام في وقت متأخر بعض الشيئ ؟
احسست انها قد قالتها بطريقة عفوية , نابعة عن طيب قلب تجاهي
- لقد كنت مترددا طوال هاتين السنتين , او يمكنك القول انني كنت خائفا
- خائفا !! قالتها بدهشة لم تستطع اخفاؤها ومم تخاف , ولم تخاف , اتخاف من الحب ؟
وعندها , هزل جسمي للمرة الاولى , ووقعت يداي تلوح بجانب اطرافي , ورحت محدقا في الارض ونظراتي تترامى في السكون , واخذت احاول الكلام لكن دون جدوى حتى خرجت بعض الحروف عن غير ارادتي :
- ولكن ..... شكرا
والتففت عنها بانكسار , ولم احاول قط ان انظر خلفي , لا ادري لماذا , لا يوجد سبب معين , وبعد فترة وجيزة احسست ان يدها الصغيرة قد حطت على كتفي وكأنها عصفورة نزلت لكي تشرب , وقالت لي بصوت يمتزجه بعض من الخوف :
- وانا ايضا اردت ان اكلمك طوال السنتين
قالتها باستسلام في هذه المرة.
وللحظة شعرت ان دموعها قد انهالت فوق وجنتيها دون اي قيود , فالتففت لها فإذ بها تبتسم ودموعها تعطر مجراها وقالت والدموع حبست انفاسها :
- انا .. احببتك طوال السنتين ولكنك لم تشعر بحبي لك
قالتها بصدق في هذه المرة .
وفجأة اخذت يدي تتحرك باتجاه مقلتيها دون ان اعي ذلك لتكفكف بعضا من دموعها
- هل تحبينني فعلا , ؟
فأخذت قسمات وجهها تتغير شيئا فشيئا حتى اجهشت بالبكاء
- لم اتخيل ابدا انكِ كنتِ تحبينني الى هذه الدرجة , او حتى لشيئ بسيط !!.
وعندها قد احسست بدمعة ساخنة تجري فوق خدي , وبعض من قطرات المطر تتراقص فوق نافذة الغرفة الصغيرة , وبصيص نور القمر يدخل من ثقب جعلته انا في النافذة وانهل في عيني , وادركت في هذه اللحظة ان كل هذا ما كان سوى حلم وردي او بعض تخيلات نائية ,
وحينها فقط ادركت انني شيئ فقط, ولست انسان !!.