ماذا بعد رمضان؟! - بقلم: الشيخ النائب إبراهيم صرصور
* رمضان علمنا أمورا ما أحوجنا إلى الالتفات إليها
* ينبغي لعاقل أن يفرط بما حققه من قفزات في طاعته وعبادته وذكره واستقامته وعلو همته، ثم هو يعود إلى سيرته الأولى
اتفقنا على أن رمضان يعتبر وبكل المعايير دورة تدريبية سنوية تسمو فيه النفس، وتشرق الروح، وينير القلب، وتنضبط الجوارح، وتستقيم حركة المجتمع أفرادا وجماعات... أو هكذا يجب أن يكون... المسلم الذي يعي هذه الحقيقة يبادر إلى تحقيق النقلة المميزة في واقعه ، ويعمل على تحويلها إلى حالة مستديمة يحلق في فضاءاتها ، ويستفيد من بركاتها إلى ابعد الحدود ... فهو لا يمكن أن يرضى بوضع تنحط فيها نفسه بعد سمو، وتظلم روحه بعد إشراق، وَيَسْوَدُ قلبه بعد أن استنار، وتنفلت جوارحه بعد انضباط، وترتبك حركته في الحياة بعد أن استقامت على الجادة...
حاجتنا إلى المحافظة على ما تحقق من تغيير في مختلف مناحي حياتنا في رمضان بسبب ما اختصه الله تعالى من البركات والفضائل والميزات ، هو في الحقيقة كحاجتنا إلى الماء والهواء ... لا ينبغي لعاقل أن يفرط بما حققه من قفزات في طاعته وعبادته وذكره واستقامته وعلو همته، ثم هو يعود إلى سيرته الأولى... هذا مخالف للمنطق كما انه مخالف للذوق السليم والعقل السوي... وهذا بالتحديد ما يجعلنا متخلفين بأشواط فلكية عن السلف الصالح الذين حرصوا دائما على تنمية إيمانهم وضبط سلوكهم وتعزيز يقينهم ، فحقق الله سبحانه على أيديهم ما اعتبره المنصفون من علماء الشرق والغرب فتحا مبينا وشمسا أشرقت على البشرية بعد طول غياب ، فجعلت للحياة معنى وللكرامة الإنسانية نكهة وللوجود طعما ... لقد بلغوا منزلة لو كُشِفَ معها الحجاب بينهم وبين الله ما ازدادوا يقينا ، ولو رُفِعَ الحجاب فرأوا الجنة رأي العين ، ما ازدادوا فيها حبا ولها طلبا ، ولو رُفِعَ الغطاء فرأوا النار رأي العين ما ازدادوا منها خوفا وعنها هربا ، ولو جاءهم مَلَكُ الموت في أية لحظة ، ما ازدادوا بلقائه إلا حبا وسرورا وشوقا ... أتعرفون لماذا ؟؟!! لأنهم ببساطه ذاقوا طعم الإيمان فعرفوا الله حق المعرفة ، فاغترفوا من بحر حبه ما جعل هَمَّهُمْ هَمًا واحدا وهو الله والإسلام ، فأصبحوا بهذا المعنى الماء التي انتظرته تربة الإنسانية العطشى ، فأعطوها ما لم تعط حضارةٌ على وجه الأرض ، خلقا وحضارة ومدنية وعلما ورفاهية وتقدما ورقيا ، وسعادة بسطت ظلالها الوارفة على الجميع بلا استثناء ، فعاشت البشرية أزهى عصورها وأعظمها ....
هذا هو السر الذي ينقصنا ويجب أن نبحث عنه... وللحقيقة أقول: لقد وجدنا الطريق إلى هذا السر بفضل أيام وليالي رمضان المبارك... أنا على يقين في أن من أقبل على رمضان بهمة عالية وإرادة جادة قد شعر بتغيير ما في حياته، ربما لم يكن يتوقعه أبدا... فرمضان علمنا أمورا ما أحوجنا إلى الالتفات إليها ... الأول ، أن في الواحد منا طاقات نائمة أو خاملة لو تحركت بالشكل الصحيح لحققت المعجزات ، فهي تبحث عمن يعيدها إلى طبيعتها وفطرتها التي فطرها الله عليها ، والثاني ، أننا قادرون على تحقيق كم هائل من الإنجازات الروحية الحياتية خلال مدة قصيرة إن نحن عقدنا النية الصادقة والعزم الأكيد وشحذنا الهمة ، والثالث ، أن التغيير ليس أمرا مستحيلا ، وأن هنالك فرصا يجب ألا تُضَيَّع، وأن لله في دهره لنفحات دعانا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أن نتعرض لها حيثما هبت.
نستطيع أن نحول حياتنا إلى رمضان مستمر ، بمعنى أن نعيش أجواءه باستمرار ونسعد بلذة فيوضاته وبركاته ... القرار بأيدينا ، وبأيدينا فقط ... والمطلوب: قرار وإرادة وعزيمة...
ما أعظم أن نسمع الزواجر حتى تنزاح عن قلوبنا كوابيس الغفلة ، ومنها ما قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله :
( يا إخوة الغفلة تيقظوا ، يا مقيمين على الذنوب انتهوا واتعظوا ، فبالله اخبروني : من أسوأ حالا ممن استعبده هواه ، أمن أخسر صفقة ممن باع آخرته بدنياه ؟ ما للغفلة قد شملت قلوبكم ، وما للجهالة قد سترت عنكم عيوبكم ؟ أما ترون صوارم الموت بينكم لامعة وقوارعه بكم واقعة ، وطلائعه عليكم طالعة وفجائعه لعذركم قاطعة ، وسهامه فيكم نافذة ، وأحكامه بنواصيكم آخذة ؟؟ فحتى متى؟ والى متى ؟ وعلام التخلف والمقام ؟ أتطمعون في مقام الأبد ؟ كلا والواحد الصمد ، أن الموت لبالمرصاد ، فلا يبقى على والد ولا ولد ، فجدوا - رحمكم الله - في خدمة مولاكم واقلعوا عن الذنوب فلعله يتولاكم ) .
لم يبق لنا بعد ذلك إلا أن نبكي على حالنا ، ونبكي ثم نبكي ، بكاء المتأمل لا اليائس والطامع لا القانط ، لعل الله سبحانه ينظر إلينا نظرة ترفعنا ويرحمنا بها ، فنفوز بسعادة الدارين ....