أين العرب من تجربة حزب العدالة..
أين العرب من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي ؟؟؟؟......
إن من المعلوم من الدين بالضرورة ، أن الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى فريضة من أعظم الفرائض وأجلها .. ففي ذلك صلاح الأمة ، كما أن فيه تحقيق مصالحها في العاجل والآجل ، وحماية حقوقها وإنجازاتها في مواجهة كل التحديات والمخاطر ... وصدق الله العظيم إذ يقول : " كل شيئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون " ..
الحكم الذي نعنيه كل لا يتجزأ ... فالحكم لله تعالى في كل الشؤون والأوضاع ... وللدين المرجعية العليا لكل ما يطرأ في حياتها ... السيادة حسب هذه الرؤية للشرع وحده ولا سيادة لغيره ولا شراكة مع غيره .....
مع ذلك لم يغفل الإسلام العظيم ، وهو الصالح والمُصلح لكل زمان ومكان ، عن حماية الحق البديهي للعقل المسلم في استحداث ما ينفع مجموع الأمة من أنظمة مدنية ، وعن فريضة وواجب الإنتفاع بكل التجارب الإنسانية التي تساهم في بناء مجتمع حضاري ينطلق في هذا الوجود بلا حدود ، إعمارا وبناء وتطويرا ، وهو مشدود في كل ذلك إلى مرجعية إلهية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ( تنزيلا من عزيز حكيم ) ، مما يضمن تامين مسيرة الحياة وهي منسجمة مع مقاصد الشريعة العامة ، ومتفقة مع ثوابت الأمة القاطعة من عقيدة وشريعة وعبادة وأخلاق ومعاملات .. وغيرها ...
صحيح ان السياسة انقلبت على الدين في اكثر من تقاطع تاريخي ما زلنا حتى اليوم نعيش واحدا من تجلياته !!! ، إلا أن هذا الإنحراف في الحياة السياسية للأمة والذي ولَّد كثيرا من الظواهر السلبية في المجتمع ، لم يؤد إلى قطيعة يتمناها الأعداء ، بين الأمة ودينها على اعتباره طريق الخلاص الوحيد لها ، والقاعدة الأساس لنهضتها ، والرافعة الوحيدة لعملية الإحياء فيها ....
من هذا المنطلق العقائدي ، انبرت الحركات الإسلامية تعرض افكارها وبرامجها في طول بلاد العرب والمسلمين وفي انحاء العالم مبشرين بالحل ذي المرجعية الإسلامية ، من غير ان يدَّعوا يوما انهم المحتكرون لهذا البديل او الممثلون الشرعيون الوحيدون له ... فجاء فعلهم جزءا من بناء سياسي طموح يطمع في المساهمة في نهوض الأمة ، والوصول بها إلى حالة ما من تداول السلطة سلميا بعيدا قدر المستطاع عن الإستبداد والدكتاتورية والظلم ، ومن خلال خلق أجواء تتنافس فيها كل القوى الحية على اختلاف صورها وأشكالها ، في خدمة قضايا الأمة وحماية امنها كرامتها ....
إن ممارسة الإسلاميين للسياسة في كل المواقع التي أُتيحت لهم الفرصة فيها للمشاركة السياسية ، والإنجازات التي حققوها رغم محدودية هوامش الحرية الممنوحة ، لهي اكبر دليل على حيوية هذا الدين من جهة ، وعلى فشل كل الدعاوي الرافضة لمشاركة الإسلاميين في الحياة العامة ،وعلى سقوط النظريات المتصدية وبعنف للمطالب الداعية لإقامة أحزاب مدنية ذات مرجعيات دينية من جهة اخرى ...
من النماذج السياسية الرائعة التي ظهرت على الساحة الإسلامية هو حزب " العدالة والتنمية " التركي ، والذي يرأسه السيد طيب رجب أردوغان رئيس الوزراء التركي الحالي ... هذا الحزب الإسلامي الأصول والتوجهات استطاع بحكمة وحنكة أن يشق طريقه وسط حقول من الألغام السياسية والأمنية ، وفي دولة تلاقت على أرضها كل المتناقضات ، وقام على ترابها نظام علماني قاس جعل الفصل بين الدين والدولة من شعائره العقائدية وثوابته القومية ، أوكل مهمة حمايتها إلى اجهزة العسكر التي منحت نفسها الحق في التدخل متى شاءت لحماية العلمانية من ( تسلل الإسلام !!! ) أساسا دون غيره من الأفكار والآيدولوجيات ... نظام هدم الخلافة وغير الحرف العربي وخنق التعليم الديني وحظر زي المرأة الشرعي ومنع المتحجبات من دخول الجامعات والألتحاق بالمؤسسات ، وانتهاء محاصرة الدين داخل المساجد وفي أبسط المظاهر في حياة المسلمين ....
المتابع لمسيرة هذا الحزب ، والمتعمق في أدائه الرائع في السنوات الخمسة الأخيرة بعد أن منحه الشعب التركي الأغلبية الساحقة في البرلمان ، لن يستغرب أبدا إنحياز الشعب التركي مرة اخرى لهذا الحزب الإسلامي في الإنتخابات التي جرت مؤخرا ، والتي ستمهد إلى تغييرات اكثر عمقا في الحياة العامة التركية ، ابتداء من إمكانية وصول السيد عبدالله غل وزير الخارجية والرجل الثاني في الحزب الى رئاسة الجمهورية ، وانتهاء بتعميق التداول السلمي للسلطة بعيدا عن هيمنة الجيش وسلطانه ، والتأسيس لفصل حقيقي بين السلطات ولهرمية إدارية تكون فيها مقاليد الأمور كاملة لمن يختارهم الشعب عبر صناديق الإقتراع ...
من غير ان نطيل التحليل في أسباب نجاح هذا الحزب ذو الميول الإسلامية ، لا بد من الإشارة إلى عدد منها نعتبره خلاصة لا بد منها لكل العرب والمسلمين انظمة وشعوبا ، وعلى رأسها الإسلاميين العاملين والمصرين على المطالبة بحقهم في العمل السياسي : ....
أولا : إن غلبة الروح العملية على المناظرات النظرية والآيدولوجية جعل حركة التطور في هذا الحزب سهلة ميسرة ، مكتفين في المجال الفكري بالرصيد الهائل والتشكيلة المتنوعة من منتوج التيار الإسلامي الوسطي في كل انحاء المعمورة ، فعملوا على الإستفادة منه ، وصياغته بالشكل الذي ينسجم مع واقع الشعب التركي وميوله ، فجاءت برامجهم النظرية استجابة لحلم الغالبية الساحقة من الشعب التركي ومن كل الأطياف والأطراف ...
الثاني : التأكيد على قيم الحداثة في الساحة الإسلامية من قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني ، مما جعلهم جزءا متصلا بالمجتمع لا منفصلا عنه ، مستجيبا بذكاء لمتطلباته لا متصادما معه ، فأحبوا الناس وأحبهم الناس ....
الثالث : الإتفاق الداخلي والتماسك التنظيمي ، والإبتعاد عن الخلافات الشحصية والنزاعات القيادية ، والتناحر على مناطق النفوذ والإيثار وتغليب المصلحة العليا للمجموع على الأطماع الفردية ، وسلامة الصدر وحسن النوايا والشعور بالمسؤولية تجاه ما يحملون من برامج تستحق فناء الذات ، وإحترام الإتفاقيات وعدم التمسك بالكراسي والمناصب حيثما جاء وقت الإستحقاق الرسمي والأخلاقي والسياسي . إن تنازل عبدالله غول عن رئاسة الوزراء لأردوغان مع بداية الدورة قبل خمس سنوات ، بعدما حالت قضايا قانوية دون تسلمه المنصب ، وعدم تمسك غول رغم قدرته على ذلك ، كانت الدليل على عمق ولاء رموز الحزب للمبدأ وللأخلاق بعيدا عن وهج المناصب ولمعان المواقع ...
الرابع : البعد عن العنف في معالجة قضايا الخلاف الداخلي والخارجي ، وإختيار الأساليب العقلانية والقانونية في حماية حقوقهم الدستورية ، والرهان على سلامة التقدير عند الرأي العام عن الحاجة والضرورة ، وهذا الذي أمَّن لهم طريق العودة الكبيرة الى السلطة ، ومهد لهم السبيل وبقوة الى قلوب الناس قبل أي شيئ آخر .
الخامس : الواقعية الشامخة ... وقد تجلى ذلك في السياسة الداخلية والخارجية ، فهم واعون تماما أنهم أصحاب رسالة ، وأتباع نبي علمهم كيف يكون العمل الدؤوب ، والهادئ والمنضبط والعاقل الذي يزن كل شيئ بميزان مهما قال الناس أو ادَّعوا ... عرفوا انها أمانة سيسألون عنها أمام الله والتاريخ ، وعرفوا أيضا انه لو كان هنالك على وجه الأرض من يستحق أن تتحق له الأهداف دفعة واحدة ، لأستحق ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ... إلا أن ذلك لم يحص له ، فكيف لا يكون الأمر آكدا مع اوليائة عبر العصور ....
فيا ليت الكثير منا نحن الإسلاميين قبل غيرنا نفهم هذا ... فإننا إن فعلنا كان حقا على الله ان يحقق لنا آمالنا وأن يبلغنا غاياتنا وأن يسوق لنا الأرض وهي راغمة او طائعة .....