قصة للاطفال: فارس .. وسيف العدالة
أشرقت شمس ذلك الصباح باردة .. كانت مجرد ضياء بلا حرارة .. أطلت على السهول متثاقلة وكأنها أمضت الليل في صراع طويل من أجل البقاء، أخفى الضباب منذ ساعات الفجر الأولى ملامح بيوت القرية الصغيرة، فبدت قبيل إطلالة شعاع الشمس كأشباح أو رؤوس شياطين.
كان كل من يحط رحاله على أطراف القرية تنتابه رعشة سرعان ما تسري في أطرافه كلما تقدم نحو بيوت القرية العتيقة .. فيؤثر أن يبقى في مكانه حتى تطرد أشعة الشمس تلك الضباب من السماء ومن سهول القرية وتبرز مفاتن اللون الأخضر للعشب وروعة اللون الأزرق الصافي للجدول الكبير الذي تبرق أطراف أمواجه حين تنعكس عليها أشعة الشمس كما لو كانت جواهر أو ماسات صغيرة.
لكن شمس ذلك الصباح ضعفت أمام الضباب المنتشر في كل أرجاء القرية والسهول المحيطة بها .. لتنذر بيوم حار جداً.
لم تكن الشمس وحدها من استيقظ مبكراً .. فجميع أهل القرية يستيقظون قبلها .. كل يعرف ما وراءه من أعمال ويؤديها بشكل تلقائي منذ آلاف السنين .. تستطيع أن تسمع أصواتهم الخشنة تعلو من وسط الضباب بين حين وآخر لكنك لا ترى سوى خيالات لا يمكنك تمييزها إن كانت لبشر أم لغيرهم ..
في منزل خشبي كبير بللت حوائطه من الخارج قطرات الندى فبدا كما لو كان غمر في مياه الجدول الكبير .. كانت صرخات مكتومة لامرأة في المخاض تنطلق بين حين وآخر .. وعلى إثرها يشق عواء الكلاب السمينة التي تحرس المكان الصمت المهيب ..
مضت ساعة على هذا الحال والشمس لم تحسم بعد معركتها مع الضباب .. كانت هناك أشباح تتحرك هنا وهناك دخولاً وخروجاً من ذلك البيت الخشبي .. حين غمر المكان بكاء رضيع يطل للمرة الأولى على هذه الحياة .. كان هذا الصوت لبطل صغير ولد للتو .. إنه " فارس " .. حلم والديه .. ذلك الحلم الذي انتظراه طويلاً لكنهما كانا يعلمان أنه سيتحقق يوماً ..
كان والده "جاسر" يعلم أن ذلك الرضيع سيكون له في المستقبل شأن عظيم، لكن من فسر له الحلم أنذره أن ابنه "فارس" سيقاسى الأمرين في حياته، لكن والده كان يكذب مفسر الأحلام لكن صوت ذلك الرجل بقي يتردد في ذهنه كلما آوى إلى الفراش: "سيكون لفارس شأنا عظيما"
لذلك حينما كان والده يحمله بين ذراعيه ويهدهده كان يرى فوق جبينه هالة من النور تضفي مهابة على ملامحه التي كانت تبدو له حزينة .. فيبتسم لفارس ثم يغلبه البكاء يخفي وجهه في صدر ابنه حتى تجف دموعه ..
ولم تكن "حسناء" شقيقة" فارس" الكبرى تختلف عنه في الملامح .. بل كانت لها ذات الملامح .. كانت في الخامسة من عمرها حين ولد " فارس " .. وجدت في البداية صعوبة في نطق اسمه فلم تكن قد أتقنت بعد الكلام .. لكنها ابتكرت لنفسها الحل المناسب لنطق ذلك الاسم الصعب فلم تكف عن مناداته بـ " فايس " ويبدو أنها لم تستطع أن تعدل طريقة نطقها لهذا الاسم فيما بعد ..
أما والدته فقد فارقت الحياة بعد مولده بعدة أيام من تأثير حمى النفاس .. ولعل هذا هو أول مشواره مع المتاعب التي توقعها مفسر الأحلام .
ولم يمض شهر واحد على مولده حتى حلت بأهل قريته كارثة .. فقد بدأت قريته تتعرض لهجمات العصابات المنظمة التي كان أفرادها في كل مرة يأسرون بعض جميلات القرية ويحرقون عدداً من منازلها الخشبية حتى قرر رجال القرية تشكيل فرقة لصد هجمات هذه العصابات واستعادة فتياتها الجميلات .. أما أخطر هذه الهجمات فهي تلك التي تعرض لها بيت أهله الخشبي لعدوان من هؤلاء الأشرار؟
أحرق الأعداء بيت "جاسر" وأسرته فأتت النيران على أثاث البيت وكان أثاثاً فقيراً لكنه كان بالغ الأهمية بالنسبة لأسرة فارس الصغيرة .. فذاك السرير العتيق شهد ميلاد "حسناء" ومن بعدها "فارس" .. كما شهد وفاة أمهما والتي كانت الحدث الأكثر حزناً في حياة والده .. كان هناك أغراض كثيرة أتت عليها النيران التي شبت في غياب رب الأسرة .. كان يعمل في الحقل حينما جاءه النبأ : "لقد أحرق اللصوص بيتك وبيوت عدد من أهل القرية"، فصرخ في وجه من أبلغه النبأ: وحسناء وفراس؟ فأجابه: أنقذهما القدر، فكاد الوالد يطير من الفرحة لنجاة حسناء وفارس .. لكنه كان قلقاً بشدة مما حدث فمنزله استغرق منه عشرة سنوات ليتم بناءه .. وأثاثه المحترق لن يعوضه بسهولة .. وحين وصل إلى المكان وجد منزله قد تحول إلى رماد ولم يبق منه سوى بعض العوارض الخشبية التي كان الدخان لازال يتصاعد منها .. كان أهل القرية الذين هرولوا لإنقاذ طفليه ملتفين حولهما بينما حملت حسناء الصغيرة شقيقها الرضيع وعلامات الخوف تشكل ملامحها الرقيقة.
لم يصدق نفسه حين رأى صغيرته وطفله الرضيع على قيد الحياة وأقسم أن ينتقم من أعدائه ولكن بعد أن يؤمن مكاناً لطفليه .. عرضت عليه نساء العائلة أن يتكفلن بطفليه الذين لم يعد لهما مأوى بعد ما حدث .. ولكنه بعد رفض اختار " نائلة " ابنة عمه الوحيدة لتربي صغاره لأنه من الآن فصاعداً سينضم إلى جيش القرية الذي وهب نفسه للصد عن القرية وحمايتها من الأعداء .. وكانت نائلة قد تزوجت قبله بعدة سنوات وأنجبت ثلاثة بنات أكبرهن كانت في العاشرة.
وما أسعده أن حسناء وفارس اطمئنا لحضن نائلة الدافيء وعاملتهما هي بحنان كأنهما طفليها .. أما هو فقد انتقل إلى حيث يجتمع جيش القرية كل مساء ليبحث مايمكنه أن يقدمه لقريته الصغيرة .. لم يكن جيشاً بمعنى الكلمة بل تجمعاً يضم عشرين شاباً قوياً من خيرة شباب القرية .. تسلحوا بالفؤوس والنبال وبعضهم كان يملك خناجر حادة النصل أو عصي قوية لا تكسر،
في البداية عرضوا عليه ألا يترك طفليه وحيدين ويعود ليكفلهما خاصة وأنه تجاوز سن الشباب حيث كان قد بلغ لتوه سن الأربعين .. إلا أنه غضب بشدة وأكد لهم أنه قوي بما يكفي لقتل خمسة لصوص في وقت واحد .. وكان يتسلح بثلاثة أسلحة أولها سيفه الذي ورثه عن أجداده وكان ذلك السيف معروفاً باسم "المدرع" لأنه كانت به نتوءات صلبة تجعله غير قابل للكسر .. والسلاح الآخر كان خنجراً من الصلب مرصعاً بجوهرة زرقاء لم يكن يعرف قيمتها الحقيقية إلا أنها كانت غريبة فعلاً إذ تضوي بنور سحري عندما يكتمل القمر في الليلة الرابعة عشرة من كل شهر .. وبالإضافة إلى ذلك كان يحمل كرة حديدية زنتها خمسة عشر كيلوجراما متصلة بها سلسلة قوية من الصلب كان والده قد ورثها عن جده وقد كانت سلاحاً فتاكاً قتل به عشرين من الأعداء في معركة قبل ثلاثين عاماً.
كانت لهجة "جاسر" الحاسمة وكلماته القاطعة غير قابلة لمزيد من النقاش فقرروا انتخابه قائداً لجيش القرية .. وعلى الفور قرر زيادة عدد الجيش إلى الضعف بأن يطلب من كل أسرة في القرية أن تمد جيشها بأقوى شبابها ورجالها .. وحين تمكن من رفع عدد أفراد جيشه إلى الخمسين رجلاً بدأ تدريبهم على فنون القتال والدفاع عن النفس وبخاصة القتال ليلاً .. وبدا كأنه يستعد لمعركة فاصلة مع هؤلاء اللصوص.
وفي إحدى الليالي المقمرة .. حدث ما كان يترقبه منذ بدأ تجهيز جيش قريته
أطلق جنود المراقبة الثلاثة الذين وزعهم "جاسر" على أطراف القرية تحذيراتهم باقتراب عصابات اليهود فأثاروا فزع أهل القرية .. وحمل كل رب أسرة فأسه ونبلته وسهامه وغادر برفقة أكبر أبنائه بعد أن أوصى زوجته بأن تحكم إغلاق باب المنزل .. وتجمعوا عن ساحة القرية حيث اعتادوا أن يتدربوا على فنون القتال .. وهناك وجدوا "جاسر" وخيرة رجاله في انتظارهم .. لكن المفاجأة كانت في الخيول التي استطاع جاسر أن يشتريها من قرية مجاورة بأموال التبرعات التي جمعها من المتطوعين استعداداً لمعركة فاصلة مع اللصوص.
شعر رجال القرية هذه المرة بشعور مختلف .. لم يكن غروراً ولا خيلاء وإنما اطمئناناً إلى أنهم لن يتركوا الأعداء هذه المرة يعبثون في ديارهم كما هي العادة ويخطفون خيرة نسائها .. كانت الرغبة في الانتقام من اللصوص تبدو واضحة على ملامح الرجال الذي كانوا مثقلين بأسلحتهم وفي كامل لياقتهم البدنية .. كان جاسر قد جهز ثلاثين فرساً لرجاله إلا أنه فوجئ بعدد إضافي من الرجال لم يكن يحسب حسابه فقد قفز العدد من خمسين رجل إلى ما يقارب المائة.
غلبته السعادة وأحس هذه المرة أن النصر الساحق سيكون من نصيبهم .. وبعد أن نظم الصفوف واختار خيرة الشباب ليمتطوا الخيول .. ألقى فيهم كلمة قصيرة حثهم فيها على بذل الروح والجسد من أجل قريتهم التي كانت دوماً خير القرى وأقواها بين قرى العرب كلها .. وحين شعر أن الأمور قد أصبحت مهيأة للتحرك امتطى فرسه القوية والتي لم يكن يبدو منها سوى عيناها وأجزاء من أطرافها أما سائر جسدها فقد غطاه بالدروع الحديدية لحمايتها .. وقبل أن يتحرك جاءته آخر الأنباء بأن العصابات قد أقامت معسكراً لها على بعد ميلين من القرية وأنهم يبدو مترددين في الهجوم هذه المرة.
وتحرك جاسر بجيشه ثم طلب منهم أن يغزّوا السير ليباغتوا الأعداء الذين بدا عليهم التردد لأن جواسيسهم نقلوا إليهم أخبار أهل القرية واستعداداتهم لكن أغلبهم قللوا من شأن أهل القرية واغتروا بعددهم وكان يفوق المائة والعشرين رجلاً وقالوا : سنفعل بهذه القرية الأفاعيل لتكون عبرة لغيرها من القرى وعندما أصبحت قوات الأعداء على مرأى من جنود "جاسر" أذن الفجر .. فطلب جاسر من رجاله التوقف للصلاة وكانوا ممن يحافظون على الصلوات وبخاصة صلاة الفجر .. وبالفعل أدوا الصلاة وهم على ظهور خيولهم أو وقوفاً .. وما أن انتهوا حتى انطلقوا صوب مخيم الأعداء كأنهم سهم من النار وقد أشهروا سيوفهم أمامهم.
حاصر جاسر بقواته مخيم الأعداء الذين أذهلهم ما رأوا هذه المرة وبهتوا لنظام الجيش وتجهيزه حتى أسقط في أيديهم .. وبدأوا يطلبون الرحمة لكن زعيمهم تمكن من التخفي والفرار هو وعدد من جنوده وتركوا جيشهم محاصراً حتى قتل من جيشهم أغلب الرجال وأسر الباقون .. وسبى جنود جاسر النساء والأطفال وقادوهم إلى القرية حيث انطلقت صيحات الفرح في كل أرجاء القرية تؤكد انبهار أهل القرية بما حدث.