لماذا الميلاد- بقلم: قدس الأب سهيل فايز خوري
* هي المحبةُ التي أعطت الدفءَ للعالم، هي المحبةُ التي أغدَقْتَ بها علينا دون أن نستحقها
* إني أرتقي في حبِك يومًا بعد يوم، وأصعد بدرجات لقائك وصحبتك ومرافقتك، فأصادقك كل يوم وكل ساعة وكل حين
* هذا النورُ الذي أشرقَ للعالم، هذا النجمُ الذي لمع في العُلى، مُنبِئًا بولادةٍ يُعجزُ بيانُها، لنطربْ ونفرحْ للذي وُلِدَ مِنَ البتول. إنَّ الله صار إنسانًا وأخذ طبيعتَنا وعاش فيما بيننا كواحد منَّا
أيها الأحباء
يدق على أبوابنا عيدُ الميلاد المجيد، وأبوابُنا كلُها مشرَّعة، وحتى النوافذُ وكلُّ المنافِذِ في بيوتنا. وسرعان ما نضطرب بكل ما فينا من مشاعرَ واستعداداتٍ، ونبدأ بالتخطيط والتحضير، لما هو آت.
والقلقُ يراودُنا، بألا ينتابنا أيُّ مكروه حتى نعبُرَ هذه المناسبة بأمانٍ، ونفرحَ ونرقصَ ونمضيَ الليالي بكل ما فيها من حفَلات، وما لذ وطاب من أنواع المأكولات والمشروبات، ولُعبِ الورق وسائر المسليات. وأصبح هذا هاجسُنا الرئيسي وأهَّمُ ما يُشغلُنا.
لماذا يا تُرى؟ لماذا الميلاد؟
هذا النورُ الذي أشرقَ للعالم، هذا النجمُ الذي لمع في العُلى، مُنبِئًا بولادةٍ يُعجزُ بيانُها، لنطربْ ونفرحْ للذي وُلِدَ مِنَ البتول. إنَّ الله صار إنسانًا وأخذ طبيعتَنا وعاش فيما بيننا كواحد منَّا.
لماذا تنازلتَ يا رب وتواضعتَ إلى هذا الحد؟
ألِترى عالمَنا اليومَ؟ وهو يعج بالأنوار والأشجار والمغاور والكهوف المليئة بالأشخاص والتماثيل، وكأنها لا تعني شيئًا لأصحابِها ولا ترمز إليهم بشيء، بل هي زينةٌ خارجيةٌ تُبهرُ العيونُ وتسلب الألبابَ والعقول.
وأنت يا صاحبَ العيد، أين أنت؟ نكادُ لا نجدُك، نكادُ نغفلُ لماذا أتيتَ ولماذا ولدت؟
الحبُّ ثم الحبُّ ثم الحبُّ هو الذي جعلك تولَد في مذودٍ حقير، لأنك أنت المحبة ذاتها، بطولِها وعرضها وبكلِ اللامحدودِ فيها، لأنك أنت المحبة الطاهرة والنقية.
هي المحبةُ التي أعطت الدفءَ للعالم، هي المحبةُ التي أغدَقْتَ بها علينا دون أن نستحقها. وبالمقابل، ها نحن نوجِّهُ لك الألفاظ السفيهة، ونشتمك كل مطلعِ فجرٍ ومغيبِ شمس. ننكر وجودك لأن قلوبنا تتعلق بكل شيء إلاّ بك، ونهوى كل الأشياء إلاّ أنت، ونتساءل هل هذا هو الميلاد ؟
رنَّمَت الملائكةُ ورتلت منشدةً يوم ميلادِك، المجدُ لله في العلى وعلى الأرضِ السلام وفي الناس المسرّة. هذه بُشرى السماءِ للأرض، لتعلن بصوتِ جهور، ولتفتحَ أذانَ من بهم صممُ، وتُحركَ أحشاءَ من بهم سَقمُ، فينبضَ القلب المتحجرُ ويصبحَ قلبًا يتدفقُ بالحبِ ويعملُ للسلامِ ويبني المحبةَ بالتسامحِ ويقيمُ الجسورَ المهدومةَ منذ زمن. وليتصالحَ الأخُ مع أخيه، والجارُ مع جارِه والزميلُ مع زميلِه والإنسانُ مع الإنسان ومع الله. حتى تطالني أنا، فألجَ إلى أعماقي وأبحث عن صديقٍ مهزومٍ أو مَنسيّ، أو أقضيَ على غليلٍ ماضٍ دفين.
إنك تُذكِّرني بكل هذا لكي يسطعَ نورُك في كل حنايا نفسي المظلمة، فلا الظلمةُ بعدَ اليوم ولا الفتور أو البرود، بل دفء حرارة الإيمان، وإشعاعُ النور الحقيقي المتوهجِ منك، لعلّي أجدك في زوايا الشوارع وفي الأزقة والطرقات، في البيوت المظلمة وفي غياهب السجون، في عيون الكسيح وقلب المريض ونفس الحزين، في الطفل واليتيم والمظلوم، في الأم الثكلى وأم الشهيد، في خيام المشردين والنازحين واللاجئين، في الجائع والعطشان والعريان.
ففي تمجيدك يارب يلهجُ قلبي ليلَ نهار، فلا يصبح مجيئك إلينا سدىً ولا ميلادك فينا عبثًا.
وها إني أرتقي في حبِك يومًا بعد يوم، وأصعد بدرجات لقائك وصحبتك ومرافقتك، فأصادقك كل يوم وكل ساعة وكل حين.
ومنك أرتوي يارب، فأنت المنهل والنبع والمصدر ليفيض في قلبي وعقلي عذبُ الكلام وأصدقُه، وينبثق مني شيء من حبك وعطفك وحنانك نحو الآخر، فلا غشّ بعد اليوم ولا مداهنة ولا نميمة ولا افتراء ولا حقد ولا بغضاء، بل كل الحب وكل النور وكل الميلاد.
فامنحني يا رب القدرة لكي أمجدك وأعيش ميلادك.
والآن أيها الأحباء اليكم هذا التأمل الميلادي:
الله
طالَ الزمانُ أيها الإنسانُ، طالَ الزمانُ أيها الحبيب ... إلى متى .. تعالَ ... تعالَ ... تعالَ إلي أيها الحبيبُ ولكن إلى أينَ تأتي؟ ...... أإلى السماء؟ التي تخليتَ عنها، إلى السعادةِ الغامرةِ التي خلقتُك فيها، إلى كنوزِ الملكوت التي ائتمنتُكَ، وسلَّطْتُكَ عليها. إلى صدريَ الدافئ تعالَ ... إلى الحياةِ لكي تحيا.
الإنسان
مَنْ الذي يتكلم، هل أنا المقصودُ بذلك، مَنْ الذي يُكلِّمُني؟ ..... ما لي ولك !!!
الله
منذ زمنٍ بعيدٍ، بعيد، لم تسمعْ صوتي، صَمَمْتَ أذنيك عني، أغمضْتَ عينيك، سكَّنتَ جميع حواسَّك نحوي. سلكْتَ طُرقًا وَعِرَةً، شَوَّهتَ صورتي التي منحتُك إياها، بَذَّرتَ كلَّ ما مَنَحتُك من حرِّيات... أعلنتَ إفلاسَك، صرختَ مِنْ أعماقِك، استغثتَ بآلهةٍ كثيرةٍ غيري، لكنها آلهةٌ صمّاءُ. آلهةٌ هباءُ، آلهةُ سرابٍ لا وجودَ لها. ومع هذا كلِه سرتَ وراءَها إلى الظلمة... إلى الهاوية، إلى المتاهاتِ التي ضَيَّعتْك عني يا ولدي.
الانسان
خطئتُ يا أبتِ إلى السماء وأمامَك... وامنحني فرصةَ الخلاص... هلُمَّ تعالَ، ارحمني أنا الخاطئ.
الله
مِن صُلْبِكَ ومِنْ جِبْلَتِك البشريةِ سآتي. ها إنَّ العذراءَ تَحبلُ وتلدُ ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل، وسيملُك على عرش داوود، ولن يكونَ لمُلكِهِ انقضاءٌ.
الانسان
ها أنا خادمُ الربِ ليكن لي بحسبِ قولك .
الله
ها أنذا أُبشرُكم بفرحٍ عظيمٍ يكون لجميعِ الشعب، اليومَ ولدَ لكم المخلصُ وهو المسيحُ الربُّ، إنكم تجدون طفلاً ملفوفًا بقمُطٍ ومضْجعًا في مذود.
الانسان
ولدتك يا ابني وإلهي وخالقي، حملتُك في أحشائي كي تُجدِّدَ جِبلتي الساقطة وتجعلَني وارثًا من جديدٍ لملكوتِك، وتنضَحَني بالزوفى فأطهُر، وتغسلَني فأبيضَّ أفضلَ من الثلج.
الله
تذكر أنه لا يكن لك إلهٌ غيري، هأنذا أقفُ على بابِ قلبِك وأقرعُ، متى تفتحُ لي أقيمُ عندَك وأتعشى معك. وأعطيك جسدي لتأكلَه ودمي لتشربَه، فيصيرَ لك للحياةِ الأبدية. فتنفتحَ عيناك لتراني، لأنك كلما فعلتَ ذلك بأحدِ إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتَه.
الانسان
ها أنذا أراك في كلِّ جائعٍ وعطشان، في كل عُريان ومريض، في كل محبوسٍ ومُشرد، في كل منبوذٍ ومُهمَل.
الله
أحقًا تراني؟ أحقًا عرفتَني؟ إذًا هذا هو الميلاد .