... وإحــنــا شــو عـمـلـنـــا؟
رغم احتدام المواجهة على خط الحدود مع لبنان في أعقاب عملية حزب الله، إلا أن ذلك يجب أن لا ينسينا المشكلة الأساسية في غزة والتي تنبع من إصرار إسرائيلي على استمرار الحصار وعدم التجاوب مع دعوات القيادة الفلسطينية بمبادلة الاسير الجندي الاسرائيلي بالاسرى الفلسطينيين، وخصوصاً الاسرى من النساء والاطفال. هذا الحصار ادى الى تفاقم الاوضاع الانسانية في قطاع غزة، وخصوصاً في كل ما يتعلق بالحاجات الانسانية المعيشية اليومية، وهنا نرجع لنذكر في اننا، نحن الفلسطينيين في اسرائيل، مقصرون ولا نقوم بجهد يستحق الذكر في هذا المضمار.
فاذا استذكرنا محاولة متواضعة أعلن عنها الطلاب الجامعيون العرب في الجامعة العبرية ومبادرتهم الى حملة لجمع الدعم المادي لدعم اهلنا المحاصرين، نبقى بدون اية مبادرة اخرى ونبقى في الحقيقة "عراة" امام ابناء شعبنا وشعوب العالم جمعاء، كما لا نبقي للتاريخ سوى ذكرنا كحالة انغمست في حالتها الحياتية اليومية، في مناسبات وطنية لا تنفع بها الخطابات ولا كلام المنصات والجرائد وشاشات التلفزيون، بل تتطلب عملاً حقيقياً في مجال متواضع، نستطيع أن نقدم من خلاله الدعم لاهلنا.
وهنا اجدني مضطراً الى التذكير بأننا، نحن الفلسطينيين في اسرائيل الوحيدون من ابناء الشعب الفلسطيني الذين يملكون "حدوداً مشتركة" مع غزة ونستطيع التواصل معهم مباشرةً لو رغبنا بذلك وتوفرت لدينا الارادة. كما أننا قادرون عملياً على دعم اهلنا مادياً، حتى لو استمر الامر لاكثر من عدة اشهر، هنا اود التعريج، للتذكير فقط، على الاموال الطائلة التي نصرفها سنوياً على الاعراس او شهرياً على البليفونات، وهنا اؤكد انه من حقنا القيام بهذه النشاطات، لكننا يجب ان نتذكر بأنه من واجبنا ان نقوم بدعم اهلنا، وفي هذا الظرف بالذات هذا هو المعنى الحقيقي الاساسي لهويتنا الوطنية.
ان استمرارنا بتجاهل دورنا في دعم اهلنا يرجعنا الى نقاش الاساسيات في وجودنا، الى حالة الغربة بيننا وبين باقي ابناء الشعب الفلسطيني، والى حالة تشتت الوعي الذي كان من نصيبنا، والمغاير في الحقيقة لما ندلي به من تصريحات على المنصات، تجاهل ما يجري في غزة وعدم التجند لنصرة اهلنا معناه ان اسرائيل نجحت، ليس فقط في تشتيتنا بل ايضاً في تشتيت وعينا. فمن الناحية التاريخية, تأخر الفلسطينيون في تبني تعريف الهوية الفلسطينية, ولم يكونوا شركاء في خطوات اليقظة الوطنية الأولى بعد نكبة عام 1948. ولم يشاركوا في إقامة منظمة التحرير في العام 1964 أو في نص الميثاق الوطني الفلسطيني والأهداف الوطنية. ولم يتم ضمهم للمؤسسات الفلسطينية التي أقيم معظمها في الشتات. وفي مطلع السبعينيات فقط تم ضم بعض ممثلي "عرب 48"، الذين غادروا إسرائيل, للمجلس الوطني الفلسطيني, ومن هؤلاء, محمود درويش وصبري جريس.
ولم تحاول م.ت.ف خلال سني العمل الطويلة تجنيد الفلسطينيين في إسرائيل في صفوفها، ولم تقم باعادة بناء جدية لديهم، كما فعلت في الضفة وغزة. وانعكس بعدنا عن الحركة الوطنية بوضوح, مع بداية عملية الانفراج في العلاقات بين إسرائيل والمنظمة في نهاية الثمانينيات، ومع بداية العملية السياسية في المنطقة. في العقد الأخير لم يعتبر المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل شركاء سياسيين لمنظمة التحرير ولا للسلطة الفلسطينية من بعدها.
ويتم التعامل مع مشاكل الفلسطينيين داخل إسرائيل كشؤون داخلية، يتوجب عليهم معالجتها أمام المؤسسة الإسرائيلية دون أي تدخل للسلطة الفلسطينية. وهناك اتفاق ضمني بين السلطة الفلسطينية وممثلي الفلسطينيين في إسرائيل حول ذلك، ويشكل الأمر مؤشرا على هامشيتهم وعلى مكانتهم المركبة في فترة يبني فيها الشعب الفلسطيني استقلاله وسيادته.
وهنا اود الاشارة الى انه قد يكون قد كتب علينا ان نكون مفرقين ومفترقين في وضعيتنا السياسية، لكننا يجب ان نجتهد لرأب الصدع في الوعي المشترك كفلسطينيين، دعم اهلنا في الضفة والقطاع وخصوصاً على ارضية ما يحدث في غزة، هو مناسبتنا لنثبت الوعي المشترك، او لنعيد له اعتباره.
وهنا اعود الى فكرة اقامة صندوق وطني، ليكون مؤسسة داعمة دائمة لاهلنا تحت الاحتلال وليمثل رسالة لهم بأننا لم نتنازل عنهم ولا نريد ان يتنازلوا عنا حالياً ومستقبلاً. وهذا ممكن اذا "شمرت" قياداتنا عن سواعدها، بدل الخطابات النارية وكتابة المقالات والتعليقات في الصحافة والتلفزيون، وقامت، ولو لمرة واحدة، بقرن خطابها بالعمل الحقيقي.
فعندما تتحول قضية تنظيم مظاهرة احتجاجية تضم جميع الفعاليات والتيارات السياسية في الداخل الفلسطيني إلى مهمة شبه مستحيلة، يتحتم على القيادات الاعتراف بالفشل في تعبئة الجماهير، ويتحتم عليها الاعتراف بأنها قيادة تحولت إلى عبء على الجماهير، وبالتالي فان دورها القيادي والريادي بات مهددا بالخطر، والأحاديث التي نسمع عنها بين الفينة والأخرى عن محاولات تنظيم فلسطينيي الداخل كأقلية قومية لا تتعدى كونها شعارات فارغة ورنانة معدة للاستهلاك المحلي ولشاشات الفضائيات العربية والغربية وحتى الإسرائيلية.
على الرغم من سوداوية وضعنا، فان الحيز المتاح أمامنا ما زال مفتوحا ويمكن لقياداتنا أن تعيد حساباتها بسرعة وتتوقف عن حملات الشوشرة والتهريج وحتى المزايدات وإسداء النصائح لإخوتنا في الضفة والقطاع، والعمل على حشد وتعبئة الجماهير، لان غير ذلك سيحولنا من حيث ندري أو لا ندري إلى متأسرلين قلبا وقالبا وعندها كفك عالضيعة...!