الجاهلية الجديدة
ليس بالمعنى الديني، فقد اكتشفنا الذات الإلهية وبلغنا حكمة التوحيد وبايعنا خاتم الرسل وعايشنا أهل الكتاب وآمنا بالصراط المستقيم، إذن فليس بالمعنى الديني، بل بالمعنى السياسي- الفكري- الاجتماعي- الثقافي- العسكري- الاقتصادي، إلخ، من شؤون الحياة الدنيا. ولا بدّ من الاعتراف بأن الجاهلية القديمة لم تكن كلها شراً، إنما يظلّ أبرز أوجه الشرّ فيها ذلك التشرذم القبليّ الحائل بين "الأمة" وبين طاقاتها المبعثرة في ميادين الغزو والسلب والسبي والنهب.
وبمثل ما تتحكم بالولايات المتحدة الأمريكية عقلية "المحافظين الجدد"، فإن الحياة العربية تتحكم بها عقلية "الجاهليين الجدد"، الامر الذي يغيب دور الدولة والمؤسسات ويفرغها من مضمونها، ويحوّل الطوائف إلى قبائل ويحوّل الأحزاب الى قبائل، ويحوّل مجالس الشعب والحكومات والهيئات إلى قبائل، ويمنع طاقات الجماهير من التأطر السليم في أجهزة قادرة على مواجهة التحديات الكبرى التي تفرضها على الأمة قوى الاحتلال والاغتصاب والإذلال والهيمنة الأجنبية، سواء كانت إسرائيلية أو أمريكية او بريطانية أو سواها.
والجاهلية الجديدة التي تحكم الحياة العربية لا تستطيع التعامل الجدي مع المفاهيم المعاصرة، كالتعددية والديمقراطية وحرية الرأي وشرعية الأختلاف وحقوق الفرد، ومن هنا فإنها تذهب إلى مقولات التكفير والتخوين والاستقواء بالأجنبي، وتؤدي فوراً إلى الاحتراب الطائفي والقبلي على النسق العراقيّ المأساويّ الراهن. وحين يدور الكلام على "الصمت العربي" فإنه لا يكون دقيقا، اذ ينبغي الكلام عن "العجز العربي".
وبعيداً عن مفهوم الثورة الثقافية في صين ماوتسي تونغ، فإننا بحاجة الى ثورة ثقافية عربية تضع مشروعاً قومياً تقدمياً جديداً يستفيد من طاقات الوعي الايجابية، فلا تناقض على الإطلاق بين التدين المتنوّر والعلمانية المتنوّرة، علماً بواقعية وجود التديُّن الظلامي والعلمانية الظلامية في الوقت نفسه.
فلتكن الثورة الثقافية العربية.. من هنا نبدأ، ورحمة الله على الشيخ خالد محمد خالد، هل تذكرونه؟!
طوني+ طوني = اسرائيل
٭ كأنما لا تكفينا تصريحات جون بولتون وكوندوليسا رايس المشبعة بالسموم، فينضم إلى جوقة التحريض الأرعن الناطق بلسان البيت الأبيض السيد طوني سنو، والناطق بلسان الامبراطورية البريطانية الغائبة عنها الشمس، رئيس الوزراء طوني بلير.
وإذا جمعنا تصريحات طوني سنو إلى تصريحات طوني بلير في التحريض على لبنان والتشجيع على تدميره فإن النتيجة الوحيدة التي نحصل عليها هي الموقف الرسمي الإسرائيلي المتشدد، الذي تذرّع باختطاف جنديين إسرائيليين لتصفية حسابات شاملة كاملة ولخلط جميع الأوراق ولإعادة الصراع العربي - الاسرائيلي إلى أحد مربعاته الأولى القديمة.
ونكرر هنا ما قلناه في إحدى الفضائيات الإسرائيلية خلال الحوار مع بعض الجنرالات والمثقفين الاسرائيليين، من ضرورة التخلي عن لغة أفلام الكاوبوي، لغة تكسير العظام وجلب رأس حسن نصر الله..
لا تجلبوا رأس حسن نصر الله.. إذا كنتم من أنصار الحياة فاجلبوا السلام باحترام الشرائع والمواثيق والقرارات الدولية.. هذا ما قلناه لهم، وبلغتهم، وهذا ما نقوله الآن بكل اللغات المتاحة مستندين إلى تاريخ طويل من كفاح جماهيرنا هنا لأجل الحرية والسلام وأخوة الشعوب والتقدم والعمران، ولا ينسينَّ أحد أن هذه الجماهير كانت أول من رفع شعار حق تقرير المصير وحل الدولتين لشعبين إذا تعذر حل الدولة الديمقراطية ثنائية القومية، وشعارات السلام والمساواة والأخوة بين البشر والتعاون الإنساني على جادّة الإبداع والخير والتقدم نحو حياة أفضل للأجيال الراهنة والقادمة. نقطة. سطر جديد.
رسالة الى بيروت..
٭ شرَّفني أصدقائي من الكتاب التقدميين اللبنانيين بطلب رسالة أوجهها إلى حبيبتنا بيروت في أيامها العصيبة هذه. ومن ركام القلب، أتيح لي التقاط هذه الكلمات الممزقة بقذائف الغزو الدامي..
بيروت.. أيتها القربانة..
خَجلاً متوتراً امام ذوقكِ الرفيع، فإنني أتجنب طبول اللغة وصنوج الإنشاء، لا أسميك البطلة، ولا أنعتك بالمعجزة، لسبب اعترف به في وهج القذائف وفوق ضجيج الأنفجارات: لا يستطيع المحبّ أن يكذب على المحبوب، ولا أستطيع أن أكذب عليك لأنني أستطيع أن أحبك. إذن فاسمحي لي بأن أدعوك، هكذا، عفو الخاطر وببداهة النبض: بيروت أيتها القربانة.
وكم يوبخني قلبي لأنني لا أملك القدرة على حماية دمي، إذن فلا أملك القدرة على حماية دمك. ولأنك تختصرين لبنان وتلخصين العروبة، وتتمجدين برحابة الإنسانية، فأنا أجرؤ على محاولة الاطمئنان عليك، لأنني محتاج أشدّ الحاجة لمحاولة الأطمئنان على أهل وأصدقاء وأقرباء، وأحباء يلوذون الآن بخرائبك، طمعا ببقية من حياة لا تستأهل أو أنها لم تعد تستاهل كل هذا الجهد المبذول لأجلها، لماذا؟ لأن هناك فرقا كبيراً وشاسعاً بين البقاء، بدافع الغريزة الحيوانية المبررة والمباركة، وبين الحياة بمفهوم البشر الذين تراكمت تجاربهم مع الكينونة والصيرورة آلافا من الأعوام، على الأقل، أجل، على الأقل!
ويا بيروت.. أيتها القربانة.. لطالما قلتها جهاراً نهاراً: إن احتياطيَّ الكذب في الحياة العربية أكبر من احتياطي النفط في الصحارى العربية..
ولا تسيئي فهمي.. وأنت المجرّبة الممتحنة المبتلاة لن تسيئي فهمي، ولن تذهب بك الظنون إلى أنني مسكون بهوس جَلد الذات.. لا. لن تسيئي فهمي، لأنك لا تسيئين فهم ذاتك. وكم تفهمين أيتها القربانة أن الذين يطلبون تأييمك وتيتيمك يرطنون بأكثر من لغة ويتأبطون أكثر من شرّ.
واسمحي لي الآن أيتها القربانة الرائعة موتاً وحياةً بصعود منصتي الخاصة لإطلاق ما لديّ من شرر السخط والوجع مخاطباً أحبائي اللائذين بأنقاضك:
إخوتي وأخواتي في لبنان.
يا حراس الجبل الجميل الشاهق على مطامع الغزاة
هيذي الحدود المفبركة بيننا تلتغي مرة أخرى.. لا بقوة محبتنا العفوية الفطرية، بل بهدير الطائرات، ودويّ الصواريخ.. وها أنذا أخاطبكم من جبل حيدر الجليليّ، شقيق جبالكم وصديق أجيالكم، آملاً أن نجتازها معاً، ومرة أخرى، سحابة الحقد والموت والدمار، وشبكة خيوط العنكبوت السودا، متجسدة بالعدوان الاسرائيليّ الجامح السادر السائب الجديد.. ومن ركام العذاب وسناج القلق تهيب بكم عظام جناحي المحطم على صخرة الحقيقة العارية، أن اتحدوا وتكاتفوا وتكافلوا ولا تسمحوا لڤيروسات الفتنة بأن تصيبكم بما يصيب أهلنا وأشقاءَنا في عراقنا الذبيح المستباح الممتهن الممتحن..
وعلى خلفية من موسيقى صفارات الانذار النشاز حول بيتي وتحت شرفتي، فإنني أتوجه اليكم بعقيدة المقاومة والصمود والاخوة القومية والإنسانية، بما خاطبت به أشقاءَكم الفلسطينيين ذات محنة من المحن.
طعام الشهيدة يكفي شهيدين..
وحفنة ماء المناضل، أيها الإخوة المناضلون، تكفي مناضلَين، فتعاونوا على البر والتقوى، وتعاضدوا لحماية وطنكم ودولتكم بحماية وحدتكم وصيانة تعدديتكم، ودفع قوى الشر التي لا تتربص بكم إلا شراً على شر.. وإنها لسحابة صيف متقشعة لا محالة، بارادتنا وبمحبتنا الأقوى من كراهيات الأرض كلها!
وسيخرج اللبنانيون والفسطينيون والعرب وقوى الحرية والسلام في العالم كله، من هذه المحنة، أشدّ صلابةً وأرقى بهاءً وأنقى فضاءً..
ذات يوم نادت أُختنا "فيروز" ."وسلامي لكم يا أهل الأرض المحتلةط.. وها أنذا أستعير قلبها الطيب كصوتها الموجوع كقلبي: وسلامي لكم.. أيها المنزرعون في أرض لبنان.. لبنانكم ولبناننا..
وكم أتمنى أن أكون قربانك لتسلمي لنا أيتها القربانة التي نسميها "بيروت" بقوة الذاكرة وبعنفوان الحب..