ضميرٌ سيسألك الرحمة يوماً
يدخل ضابط الأمن إلى الزنزانة ويضع سوطه جانباً، يصرخ بأعلى صوته أمام كل المسجونين واللاجئين في أرضهم ، يصرخ برقة الفتاة الدلوعة ويقول :" أنا سأعطيك معاشاً شهرياً وأزين لك سواعد أرضك التي صادرناها بالذهب والفضة ، وأفرش لك شوارع كل القرى والمدن العربية (الجيتو) بالفل والياسمين ، وأنا أيها المسجون العزيز ، أيها اللاجئ المهذب سأساعدك بإكمال تعليمك العالي لكن شرط أن تبقى مقفلاً فمك 24/24 ، فهل أنت موافق ؟
تصوروا أيها الأحباء أن تخاطبكم الدولة بأسلوب رقيق كهذا ، وتصور أن تمنحكم جائزة على حسن النوايا ، فما رأيكم؟
نعم ، ستتمتعون بكل هذا من خلال مديرية تدعى " مديرية تطبيق الخدمة المدنية" ، وكيف ستصل إليها؟ لا حاجة لأن تفكر..فقد أقيمت أخيرا وبعد جهد جهيد " أول جمعية عربية باسم " جمعية المساواة الاجتماعية والخدمة المدنية "، " لا تفكر ولا عبالك" فهذه الجمعية تفتح لك ذراعيها وصدرها الحنون " فقط لاستقبالك أيها العربي العزيز وجاهزة لتلبية كل طلباتك فشبيك لبيك وعيون الوطن بين يديك!!
نعم، لا تتعجب ولا تحتار فهو نص ساخر ومهرج ضاحك كما حياتنا تماماً ، فقد باتت الحياة " في دولتنا الحبيبة" سيركاً مزركشاً ونحن مهرجوه فالحقوق ربطت بالواجبات كمن يلصق ربطة عنق بقميص قديم باهت اللون ويفتخر بذلك ، ومؤسساتنا هنا باتت تربط حقوقنا كمواطنين بواجباتنا واخترعت هالة الخدمة المدنية حول قمر عروبتنا كبديل للخدمة العسكرية ، واني لاتساءل حقاًُ : ما الداعي لأن تتبع هذه المؤسسة حجة الواجب في منح الحق لأصحابه؟ وأي دولة ديمقراطية في العالم تربط حقوق مواطنيها من مساواة ودعم وحياة هنيئة بواجب ما؟ هل الولايات المتحدة والتي هي مثال إسرائيل الأعلى تربط حقوق المواطنين ( من مختلف الجنسيات) بواجباتهم وفيما إذا كانوا خدموا أم لا ؟ ثم اننا جميعاً نعلم أن وضع أقليتنا كعرب هو وضع حساس فكيف نشعر بالانتماء ونحن نرى انهم لا يتركون فرصة إلا ويحاولون بها طردنا ونبذنا والتنكيل بنا نفسياً ومن كل الاتجاهات ، وكيف ننتمي والجزء الآخر من جسد فلسطينيننا يتعذب ويبكي ويجرح ويقتل كل يوم ، أهنالك جسد يفرح ويزغرد لموت بعض جوارحه ؟
تجتاح قرانا ومدننا العربية موجة غريبة ومخططة بإتقان من المجندين الفكريين الديماغوغيين المنحطين لغزل شبابنا في فستان الدولة القصير بواسطة ما يسمى " امتيازات الخدمة المدنية" .
كلنا يعلم أعزائي أن الوضع الاقتصادي صعب ، وكلنا يعلم أن المادة هي أمر مهم في حياتنا وبالأخص بعد غلاء المعيشة الواضح ، لكن ..هل نعبد المادة؟ هل أمول تعليمي وأبيع ضميري ؟ هل أتنازل عن مبادئي في الحياة لأجل بضعة شواقل أو دولارات نتنة؟
تحاول المؤسسة أن تجند شبابنا تجنيداً مدنياً وهي أن يخدم الواحد منا في أحد الأماكن العامة كالمستشفيات مثلاً وأن " يخدم مجتمعه" لكنني اسأل نفسي عن أي مجتمع تتحدث وزارة الدفاع؟ ولماذا يا ترى تضرب على الوتر الحساس وتستقطب مشاعرنا بأننا أناس طيبون ونهتم بخدمة مجتمعنا وتطوعنا لأجله؟
ثم ما الذي يدفع المؤسسة إلى تسخير ملايين الشواقل لمثل هذه الخطة؟ الهذا الحد هي مهتمة بمصلحة العرب؟ أو لأن لديها فائضاً كبيراً من الأموال لا تعرف أين تذهب فيه فتصبه في جيوب شبابنا المكافحين ؟
والمشكلة أعزائي هي ليست مشكلة أن اخدم أم لا ..المشكلة أبعد من هذا بكثير بكثير فالذي يعتقد منكم أن الموضوع هو مجرد خدمة عامة ومعاش يساندكم في الحياة أو في التعليم يؤسفني أنه سطحي ولا ينظر أبعد من أنفه ..اليوم سيقولون خدمة مدنية ، وغداً يدخلون حياتنا ، وبعد غدٍ ساجد ابنك لابسا زي الجيش ويطالبك بأنه سيخدم خدمة عسكرية فهو بات ينتمي لهذا الكيان ..فماذا سيكون رد فعلك؟
ثم إنني أكاد أجن من هؤلاء الذين يدعون أنهم ينتمون لهذا الكيان وأستغرب لماذا يودون أن يدخلوا " إطار الخدمة المدنية" ؟ وأي عاقل في الدنيا يقبل هذا المنطق ، فكيف سأخدم وأنا العربية المعرضة للاعتداء في كل لحظة؟
وكيف سأخدم وأنا أعرف بأن أي اعتراض قد أقدمه للسلطة ربما يزجني في السجن؟ أأخدم لأنني أرى بأم عيني كيف يتم الهجوم على شعبي وأقليتي؟أأنسى الشهداء في أكتوبر؟ أم أنسى مئات الشرطيين الذين اقتحموا البقيعة والناس نيام؟ هل أخدم كي أحصل على حقوقي كما يدعون؟
أجل، هو سؤال جميل ولكن الأجمل منه هو حقيقة أن البدو أو الكثير منهم يخدمون في الجيش ، هل يتمتعون بحقوقهم أم ينتهزون كل الفرص لهدم مجرد خيام لأتقي الحر ولا برد الشتاء؟
كيف أتنازل عن جلدي ودمي؟ وأنا أعرف بأن دمي صار رخيصاً في هذه الدولة ولا يساوي ثمن رصاصة واحدة؟
إني وإن كتبت هذا المقال فقد كتبته بدموع تترقرق في عيون عذبها الأرق والسهاد من الألم لأجل بعض شبابنا الغافلين السطحيين الذين سرقتهم مظاهر الحياة الكاذبة وزيفها بل وأكثر من ذلك ، فهؤلاء العرب الذين يدعون الخدمة المدنية ويحثون عليها ألا يخجلون؟ ألا يشعرون بالجرب أم أن الشاقل صار الآمر الناهي على قلوبنا؟
تريد أن تخدم مجتمعك فلتخدمه ولكن لا حاجة لأن تنثر السكر على شوك كلنا يعرفه ويعرف أرضه تماماً .
فيا عماد المستقبل هل نبيع ضمائرنا مجاناً ؟