بوش والفاشيين الإسلاميين وقيم أمركا
مرة تلو المرة يثبت المسؤولون الأمريكيون فشلا ذريعا، أو ربما فشلا مقصودا، في تسيير حملة كسب العقول والقلوب في العالم الإسلامي، والتي أطلقت بمبادرة من هذه الإدارة نفسها، وخصص لها دائرة خاصة في وزارة الخارجية الأمريكية، فضلا عن ميزانية لتنفيذ عملها المناط بها.
كارين هيوز، مديرة دائرة العلاقات العامة مع العالم الإسلامي في وزارة الخارجية الأمريكية تجوب ذلك الجزء من العالم ذهابا وإيابا في مسعى لتحسين صورة الولايات المتحدة هناك، وتصرف عشرات الملايين من الدولارات في صيرورة هذا السبيل، ثم يأتي تصريح واحد، أو موقف من هذه الإدارة ليؤكد على بقاء الأمور في مربع الصفر. حدث هذا مع غزو العراق، وحدث من قبل مع التأييد المستمر والمتواصل للعدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، وحدث أخيرا في دعم الدولة العبرية في عدوانها على لبنان. وأخيرا جاء ذلك التصريح الذي أطلقه الرئيس بوش بعد إعلان بريطانيا عن إحباطها لمؤامرة مزعومة من قبل إسلاميين بريطانيين لتفجير طائرات أمريكية في الجو في طريقها من مطار هيثرو في لندن إلى الولايات المتحدة.. ذلك التصريح الذي ربط فيه ضمنا الإسلام بالفاشية. يقول بوش: إنها "تذكرة قوية بأن هذه الأمة (الولايات المتحدة) في حالة حرب مع الفاشيين الإسلاميين الذين يستخدمون أي سبيل لتدمير من يحبون الحرية منا من أجل إيذاء أمتنا".
بداية ينبغي القول، أنه من الصعب الافتراض دائما أن هناك سوء فهم لدى مسؤولي هذه الإدارة، أو أن الأمر يتعلق بأخطاء غير مقصودة، فتكرار هذه الأخطاء قد يؤدي إلى الاستنتاج بأن ثمة من يدفع باتجاه التصعيد مع الإسلام والمسلمين. وإذا كانت الإدارة مقتنعة فعلا، كما نقل عنها في تصريحات سابقة، ومن ضمنها تصريحات لبوش نفسه، بأن الإسلام دين محبة وتسامح، وأن أغلب المسلمين أناس مسالمون، وبأن المعركة هي مع "الإرهابيين" الذين يدمرون بإسم الإسلام، فإنه من باب أولى إذن تجنب مثل هذه التصريحات التي لا تنفع، ولا تفيد إلا في صب مزيد من الزيت على نار مشتعلة أصلا، ولا يستفيد منها في المحصلة إلا أولئك الذين ترى الولايات المتحدة أنها في حرب معهم لكسب قلوب وعقول المسلمين.
ثانيا، ينبغي التذكير هنا-وهذه نقطة ينبغي استصحابها في ردنا على هذا التصريح المسيء-أن الإسلام ليس دينا وافدا على هذه البلاد، فثمة عشرة ملايين مسلم يعيشون في هذه البلد، وجلهم يحمل جنسيتها، أي أن الشعب الذي يقوده بوش، فيه مسلمون، كما فيه مسيحيون ويهود وسيخ وهندوس.. الخ، ومن ثمّ لا يكون من الحكمة ولا من القيم الأمريكية أن تهاجم عقيدة وقناعات جزء من شعبك. لا أحد يتصور أن الرئيس سيتجرأ مثلا على مهاجمة اليهود أو الكاثوليك في أمريكا، وفي ذات السياق لا ينبغي أن يسمح الرئيس لنفسه بمهاجمة الإسلام والمسلمين.
ثالثا، المؤامرة المزعومة، لو ثبتت، فإنها لا ترسخ إلا أمرا واحدا، ألا وهو أن حرب أمريكا على "الإرهاب" لم تجتثه، وإنما ضاعفت منه. لقد تحولت القاعدة من منظمة معزولة ومطاردة، إلى حركة أو ظاهرة يتبناها كثير من الشباب المسلم الغاضب على سياسات الغرب، وخصوصا سياسات الولايات المتحدة وبريطانيا. لقد جربت الولايات المتحدة الخط الذي تنتهجه الآن وكانت النتيجة فشلا ذريعا في هذه الحرب، فلماذا تصر على الاستمرار فيه؟ اللهم إلا إذا كان هذا هو المقصود، أي بقاء الحرب مستمرة.
رابعا، النقاش في الولايات المتحدة حول ألـ Profiling (الاستهداف على الهوية) بدأ يتصاعد في دوائر الكونغرس الأمريكي والوكالات الأمنية. هؤلاء يقولون لماذا نشدد إجراءات الأمن والسلامة في المطارات على مواطنينا ونحن نعرف من هو مصدر الخطر الحقيقي؟ وطبعا مصدر الخطر هنا-في فهمهم-هم العرب والمسلمون الأمريكيون. ولذلك فهم يطالبون بأن يتركز التفتيش والتدقيق والتشديد على هذه الجالية، في حين تخفف على المواطنين الآخرين. إلى الآن لم يتحول هذا النقاش وهذه التصريحات إلى قوانين، ولكنها قد تتحول إن لم يكن هناك حملة وخطة عربية-إسلامية أمريكية شاملة لمواجهة مثل هذا الأمر. ولنتذكر أن الإسلام لم يعد دينا مقتصرا على الوافدين في الولايات المتحدة، بل هو أيضا دين له أتباع من كل الأجناس والأعراق والألوان، بما في ذلك البيض والسود في الولايات المتحدة، وهذا بحد ذاته يشير إلى أن أي عملية استهداف على الهوية لن تأتي الثمار المرجوة منها.
وأخيرا، لنكن صريحين، فإن أمريكا قبل أن تخسر العالم الإسلامي بمثل هكذا تصريحات سلبية، فإنها أولا تخسر قيمها القائمة على الحرية والعدل والمساواة. بسبب تلك القيم أصبحت أمريكا أرض الأحلام للجميع، وعلى أساسها قامت نهضتها، وبدونها ستتحول أمريكا إلى عملاق مفتول العضلات ولكن بدون ميزة أخلاقية في هذه الدنيا. هل هذا هو ما تريده أمريكا؟ وهل هذه هي الفكرة التي من أجلها ناضل الآباء المؤسسون؟ الجواب قطعا لا. ولذلك ينبغي أن يقف الجميع من أجل أمريكا..أمريكا القيم والعدل والمساواة والحرية للجميع.