كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

كلمة المطران بمناسبة عيد الميلاد

كل العرب · 01/01/2008 الساعة 19:14

المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة                                                   

هلم بنا نطير بالروح على أجنحة الإيمان إلى بيت لحم.
ها هي مدينة مبنية على رأس جبل تلفحها الرياح من كل جهة، لكنها ثابتة لا تتزعزع.
هو ذا سهولها الخضراء تسرح فيها الأغنام، مترنحة بأنغام مزامير رعاتها.
هنا بين أحضان الطبيعة الفتانة يحدق العقل البشري على جناحي السكون والتوازن إلى إدراك عظمة الخالق.
هنا قضى النبي داوود عهد صباه راعيا غنمه ومترنما بقصائده الخالدة.
ها هما يوسف ومريم قد جاءا من وطنهما الناصرة إلى مدينة أبيهما داود ليكتتبا حسب أمر أغسطوس قيصر ملك الشرق والغرب.
إنهما يبحثان عن مكان في المدينة ليبيتا فيه فلا يجدان لإزدحام الناس القادمين للإكتتاب فيلجآن إلى هذه البرية الواسعة، ويجدان فيها مغارة حقيرة لا تدخل إليها أشعة الشمس، فتكثر رطوبتها ويخيم فيها الظلام ، فيبيتان فيها.
في هذه المغارة، ولدت العذراء مريم بكرها ووحيدها يسوع فلفته واضجعته المذود.
ومن هذه الجموع المزدحمة لم يقدم أحد سريرا للطفل الجديد.
إن الذي جاء " ليجلس على كرسي أبيه داود ولن يكون لملكه إنتهاء" لا يملك شبر أرض ، ولا تجد والدته كوخا في مدينة أبيه تأوي إليه لتلده.
بالحقيقة إنه لسر غريب كيف أن المذود الضيق إتسع لمالئ الكل بحسب الألوهية. إن المذود يرمز إلى فلسفة هذا السر أي سر التجسد الذي به إتضع ملك السماوات ليرفع باتضاعه الأنسان وكما إن يسوع سيعيش فقيرا. وكما أنه سيموت وليس حوله غير مريم ويوحنا هكذا يولد وليس حوله غير مريم ويوسف.
لم يأت ليكون ملكا زمنيا، لذلك لم يولد في قصر فخم ، ولا ليعيش غنيا ، لذلك لم يضجع على سرير ناعم.
من كان يصدق ان وراء هذا الفقر وهذه الدعة يستتر من تنبأ عنه الأنبياء وانتظرته الأمم منذ آلاف السنين؟ وإن من هذه المغارة المظلمة ينبثق النور الذي لا يغرب ومن هذا المذود الجاف الحقير ينفجر ينبوع الحياة والخلود؟.
لا نستطيع ونحن وقوف أمام المغارة والمذود إلا أن ننحني بإحترام متأثرين ومعجبين ، لأن الرب قد احتمل هذه التضحية لأجل خلاصنا.
أمام المذود يرى الغني أن لا قيمة للغنى، ويجد الفقير تعزية لنفسه إذ يرى المذود أحقر من فراشه، ويشعر أن الذي شرف الفقر بفقره ويجد الإتضاع بتواضعه سيكون زعيم الفقراء.
ما أبلغ الدرس الذي يلقيه علينا المذود!
إن الله رآى الإنسان متسكعا في ديجور الفساد ، فتنازل وتجسد ليجدد تكوينه الروحي، وكان هذا التنازل عن طريق المذود، ليدل الإنسان على طريق الصعود إلى السماء ، ألا وهو طريق التواضع.
نزل الإله إلى الأرض ليصعد الإنسان إلى السماء.
ولا غرو إذا كانت الأرض لم تستقبل المسيح المولود إستقبال الملوك " لأن مملكته ليست من هذا العالم".
أما السماء فقد اهتزت طربا وسرورا وأرسلت من عليائها نجما جديدا سطع فوق مغارة بيت لحم.
وقد ترنمت السماء بأناشيد السلام والمسرة الخالدين من أفواه الملائكة الأطهار.
وأول من سمع هذا النشيد هم الرعاة.وهل أحق منهم بذلك؟ أليس المسيح هو الراعي الأعظم الذي أتخذ من الناس خرافا ناطقة له؟ أليس الرعاة ملائكة بقلوبهم النقية؟ أليسوا من سلالة أولئك الرعاة الصالحين ، ابراهيم واسحق ويعقوب؟
أما كان موسى يرعى غنمه على جبل سيناء حين عاين الله؟ وداود، أما كان يرعى خرافه عندما استدعي ليمسح ملكا ؟
فلا غزو إذا ظهر الملاك لرعاة بيت لحم وخاطبهم مخاطبة الند للند قائلا: " لا تخافوا إني أبشركم بفرح عظيم لقد ولد لكم اليوم مخلص هو المسيح الرب وهذه هي العلامة تجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود".
وفي الوقت نفسه سمع الرعاة جوقا من الملائكة يرتلون " المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة".
فلنبتهج يا مؤمنون لأن الله ظهر إنسانا ( 1 تيموتاوس 16:3)
وكلمة الله اتخذ لحما وعظما وسكن ما بيننا ( يوحنا14:1) وبه تم الوفاق بين السماء والأرض.
أجل : لقد جاء ابن الله إلى العالم لينير من في الظلام ، ويهب للجميع غفران الخطايا ، ويحيي الموتى ، ويفرح الحزانى ويحل السلام بدل الخصام. لقد اتخذ صورة عبد ليحرر العبيد، وافتقر ليغنينا بمواهبه، وتواضع ليرفعنا. ابن الله صار ابن العذراء، ليجعلنا ابناء الله فابتهجوا يا مؤمنون وتعزوا ايها الحزانى ، وامتلأوا أملا أيها الخطاة واليائسون.
وفي هذه السنة أيضا كما في كل عام يلمع نور ميلاد المسيح اكثر منه في كل سنة. ومن هذا العيد يستمد  المجاهدون في سبيل المبادئ ، والمثل العليا قوة جديدة لإيمانهم ورجائهم بأن الله لن يهمل خليقته.
إن ميلاد السيد المسيح توبيخ لضمائر الذين آمنوا بقوة المادة وكفروا بقوة الله.
في هذا العيد تكرر الكنيسة نشيد الملائكة " المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة".
فهل نحن مستعدون للإرتفاع بأفكارنا إلى العلي ليتمجد الله بأعمالنا؟
وهل نساعد على إنتشار السلام والمسرة بين الناس؟
إننا في هذه الأيام المقدسة، بقلوب منسحقة ونفوس متألمة نتجه بأفكارنا إلى كافة الشعوب المتألمة والمعذبة في هذه الدنيا لا سيما شعبنا الفلسطيني الذي نسأل الله أن يحفظه ويمن عليه بما يتوق إليه من عزة وكرامة وإستقلال وتحرر ، ونسأل الله أيضا أن يحفظ أمتنا العربية والعالم بأسره في مسرة وسلام وأن يرفع الظلم عن المظلومين ويعيد الحق السليب إلى أصحابه . وكل عام وأنتم بخير 

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع