لا تذروهم وحيدين... بل أعينوهم
الحكم الجديد الذي أصدرته دائرة الاستئناف السابعة أواخر العام الماضي، والذي بموجبه أسقطت حكما قضائيا سابقا عام 2004، رأى قاض في شيكاغو بموجبه أن عددا من المؤسسات الإسلامية الخيرية والإعلامية والبحثية، مدانة مدنيا في حادثة مقتل مراهق أمريكي يهودي، يدعى ديفيد بويم في الضفة الغربية عام 1996، بحجة أنها تدعم حركة حماس سواء ماليا أم إعلاميا أم لوجستيا... يعتبر نصرا جديدا، وإن كان جزئيا، للجالية العربية والمسلمة الأمريكية. وهو لا شك يأتي بعد عدة انتصارات جزئية هامة أخرى، لكنها لمّا تصل بعد ما نبتغيه في أفق إعادة ترسيخ الحقوق المدنية والدستورية لجاليتنا في هذه البلاد.
هذه القضية كانت قد شقت طريقها إلى المحاكم أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وهي كانت غير متوقعة، حيث أن لا أرضية لها أصلا. إلا أن اللوبي الصهيوني في هذه البلاد أقنع والدي المراهق المقتول بأنه يمكن لهما رفع دعوى مدنية، لا جنائية، ضد عدد من المؤسسات الإسلامية الأمريكية (بإمكانكم الرجوع إلى قائمة بأسماء هذه المؤسسات في التقرير المنشور في صفحات شؤون الجالية)، وذلك بذريعة أن هذه المؤسسات تقدم دعما ماليا وإعلاميا ولوجستيا مزعوما لحركة حماس، والتي قيل إن جناحها العسكري تبنى عملية إطلاق النار من سيارة مسرعة قرب محطة باصات في بيت إيل، في الضفة الغربية، والتي قتل بها بويم. حينها نظر الجميع، محقين، إلى القضية على أنها اصطياد في الماء العكر. وأن اللوبي الصهيوني الذي وقف وراء تحريكها ومول مصاريفها، كان يريد من ذلك استنزاف المؤسسات الإسلامية محل الدعوى ماليا عبر محاكمات طويلة الأجل في قضايا مدنية. إلا أن القليل اعتقد حينها، أنه يمكن لهذه القضية أن تصل إلى حكم بمسؤولية هذه المؤسسات مدنيا عن العملية.
إلا أن عاملا جديدا استجد على الساحة، ألا وهو هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. حيث أضحى منطق "الحرب على الإرهاب الإسلامي"، العقيدة الجديدة للولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس جورج بوش. ولم يكن القضاء ومبادئ الدستور والحريات المدنية، بعيدة عن جبهات هذه المعركة الجديدة. ثمّ جاء قرار الرئيس بوش بإغلاق مؤسسة الأرض المقدسة أواخر ذات العام، بدون إدانة قضائية، بتهمة دعم حركة حماس. فكان أن أقر قاض، جراء ذلك كله-بالإضافة إلى تلك الحملة الإعلامية المسعورة على الإسلام والجالية المسلمة الأمريكية-المنظمات الصهيونية في ادعاءاتها ضد المؤسسات الإسلامية الأمريكية وأدانها بالمسؤولية المدنية عن العملية، وغرمها مبلغا خياليا مقداره 156 مليون دولار أمريكي.
طبعا، كان الكل يعلم أن هذه المؤسسات لا تمتلك حتى الكسور العشرية من هذا المبلغ، فكان أن أغلقت بعض المؤسسات أبوابها إفلاسا، كما جرى في حالة الاتحاد الإسلامي لفلسطين في أمريكا الشمالية.
وللتاريخ، فإنه يجب أن يسجل هنا للسيد رفيق جابر، رئيس الاتحاد الإسلامي لفلسطين في ذلك الوقت، إصراره على مواصلة القضية في ساحات المحاكم، على الرغم من أن الكثيرين خطأه في قراره ذلك حينها، ومن بينهم صاحب هذه السطور. كان المنادون بالرأي القائل بأن تتحول القضية إلى تاريخ بعد إغلاق كل المؤسسات محل الاتهام، هو أن تكاليف الاستئناف باهظة ماديا، وبأن الأجواء في هذه البلاد منحازة كليا ضد كل ما هو مسلم، وبأنه لا جدوى من الاستمرار في معركة على الأغلب أنها خاسرة وسترهق الجالية ماديا، وقد يترتب عليها ذيول ومضاعفات جديدة. إلا أن رفيق جابر بقي مصرا على قناعته، وانطلق في هذا المسار، على ما أظن وحيدا أو معه من الأناس القليل، ولذلك حق له تسجيل هذا الأمر في الذاكرة الجمعية لهذه الجالية في سياق سعيها لنيل حقوقها وحرياتها التي تقضم يوما بعد يوم بنفس سلطوي غريب عن قيم ودستور هذه البلد.
هذه القضية لم تكن أول انتصار جزئي-نتمنى استمراره-ونسأل الله أن لا تكون آخر انتصار في سياق منافحتنا عن حقوقنا وحرياتنا. فالحمد لله أولا وأخيرا، فقد حققت الجالية انتصارات أخرى كبيرة سابقة. لقد انتصرنا في قضية الدكتور سامي العريان، وذلك عندما لم تستطع هيئة محلفين في تامبا/فلوريدا أواخر عام 2005 إدانته ورفاقه ولو بتهمة واحدة تتعلق بالإرهاب. لقد كانت تلك القضية باكورة انتصارات لاحقة انتصرت فيها أمريكا لذاتها وقيمها وروحها، كما في قضية الدكتور عبد الحليم الأشقر والسيد محمد صلاح من بعد مطلع عام 2007، ثم قضية مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية أواخر ذات العام.
في كل هذه القضايا لم تنجح الحكومة ولو في تأمين إدانة واحدة في القضايا التي تصفها إرهابية. عشرات الملايين من الدولارات، وأكثر من عقد من التحقيقات والتنصت والتجسس، وترسانة قانونية جديدة وصلاحيات غير مسبوقة مترتبة عليها بعد مرحلة الحادي عشر من سبتمبر، اصطدمت كلها بصخرة قيم أمريكا وروحها. في كل هذه القضايا، لقن مواطنون أمريكيون عاديون الحكومة درسا مفاده أنه لا يمكن، ولا يحق لها أن تتحول بهذه البلد من نظام ديمقراطي إلى نظام بوليسي يستهدف أقلية من مواطنيه. في كل هذه القضايا انتصر المحلفون للمبادئ الدستورية، التي جعلت من أمريكا دولة عظيمة بالإضافة إلى أمور أخرى. نعم انتصروا لمبدأ حرية التعبير، حتى ولو خالف الرأي المعبر عنه رأي الغالبية، ورأوه ممجوجا. وانتصروا لمبدأ حرية التدين والعبادة، حتى وإن كان لأقلية مستهدفة ومهمشة في هذه المرحلة. وانتصروا لمبدأ المحاكمات العلنية وضمان حقوق المتهمين بمحاكمات عادلة لا يكون فيها شهود سريون وأدلة سرية.
كل هذه الانتصارات الكبيرة، هيأت لروح جديدة تسري في شرايين وخلايا ومفاصل هذه الجالية. ولكن هذه الروح لمّا تصل بعد بنا إلى استعادة التوازن والثقة اللازمين لترسيخ حقوقنا وتثبيتها.
صحيح أن الحكومة وبعض اللوبيات المتمردة على روح الدستور الأمريكي تلقت صفعات دستورية وقانونية كبيرة تذكرها أنها خرجت عن سكة القيم الأمريكية في هذه القضايا، ولكنها لم تعد بعد إلى رشدها. فرغم أن أناسا من مثل الدكتورين سامي العريان وعبد الحليم الأشقر برئا من كل تهم الإرهاب، إلا أنهما لا زالا يعانيان أشد المعاناة في السجون، بتهم أقل، لا تخلوا في حقيقتها من تلاعب جديد بالقوانين.
الدكتور العريان، كان من المفترض أن يطلق سراحه ويبعد في نيسان/أبريل الماضي، وذلك بعد أن وقع اتفاقا مع الحكومة يقضي باعترافه بتهمة صغيرة، بعد أن عجزت الحكومة عن إدانته في المحاكم. حينها كان من المفترض في القاضي أن يعطيه أقل حكم ممكن، ولكنه اختار أن يعطيه الحكم الأقصى على عكس الاتفاق ما بين فريق دفاعه والحكومة. وفعلا حكم عليه القاضي بأكثر من 4 سنين سجنا، كان قد قضى أغلب مدتها عند صدور الحكم. إلا أن الحكومة لم تحترم اتفاقها مع فريق دفاعه بأن لا تطلبه للشهادة في أي قضية أخرى، فكان أن طلبته للشهادة في قضية ضد مؤسسات إسلامية أمريكية أكاديمية في فرجينيا، وعندما رفض التعاون بناء على نصوص الاتفاق الموقع بينه وبين الحكومة، أمر قاض بحبسه 18 شهرا إضافية، بتهمة ازدراء المحكمة، لرفضه للشهادة، آخذا جانب الحكومة في تفسيرها لنصوص الاتفاق الواضح بينها وبين فريق دفاعه. وللعلم فإن هذه ألـ18 شهرا، لا تحتسب من مدة سجنه، التي ينبغي أن يقضيها بناء على الحكم السابق. وهي قد انتهت الشهر الماضي مع انتهاء المدة القانونية لهيئة المحلفين في القضية المنظورة في شمال فرجينيا. ومن المتوقع أن تطلب الحكومة الآن توجيه تهمة "الإهانة الجنائية" له، والتي قد يصل حكمها إلى 5 سنوات سجنا، وهي إضافية هنا.
والأمر لا يختلف كثيرا في الإطار العام في قضية الدكتور الأشقر، وإن اختلفت الحيثيات. فالرجل برئ من كل تهم الإرهاب، وأدين بتعويق العدالة وتضليلها، بحجة أنه رفض الشهادة ضد مؤسسات وشخصيات إسلامية أمريكية، متمسكا بذلك بحقه الدستوري الخامس، الذي يبيح له الصمت. ورغم أن هذه الإدانة لم تكن عادلة، إلا أن الجميع اعتبر القضية نصرا، وهي كذلك، على أساس أن الرجل برأ من كل تهم الإرهاب التي كانت الحكومة تتهمه بها. وكان الكل، بناء على ذلك، يمني نفسه أن تأخذ القاضية ذلك في اعتبارها عند إصدار الحكم، وأن تعطيه كأقصى حد بضع سنين في السجن. إلا أنه وفي حكم مفاجئ، حكمت القاضية عليه بأكثر من 11 عاما سجنا، وذلك عندما عززت عقوبة التهمتين اللتين أدين بهما بما يسمى "تعزيز الإرهاب"، وهو الذي برئ من كل تهم الإرهاب!.
أقول كل هذا الكلام، لكي أصل إلى نتيجة مفادها أن كفاحنا وطريقنا من أجل إعادة ترسيخ حقوقنا وحرياتنا لا زال طويلا وصعبا. وبأنه لا زال بحاجة إلى جهود ودعم الجميع.
صاحب هذه السطور كان يمتعض عندما يقوم بعض المتهمين من أبناء جاليتنا بالتعاقد مع محامين كبارا يكلفون الجالية مئات الآلاف من الدولارات في القضية الواحدة. ولكنني الآن أعترف بخطأ موقفي ذلك. إن قضايانا كبيرة ومعقدة، وإن كانت عادلة، وهي لذلك تحتاج إلى محامين كبارا ومتمكنين. بمثل هذه النوعية من المحامين حققنا بعض الانتصارات والتي وإن كانت جزئية، إلا أنها بنيوية. ولمثل أولئك المحامين لا زلنا نحن بحاجة.
إنها دعوة ومناشدة ورجاء لأبناء هذه الجالية ولمسؤولي المساجد والمراكز الإسلامية أن يتبرعوا وأن يفتحوا أبواب التبرع لمثل هذه القضايا. فحالنا جميعا هنا، كمثل أهل السفينة التي ضرب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا. وللتذكرة والعبرة، فهذا هو الحديث كما يرويه البخاري رضي الله عنه:
"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجو ونجوا جميعا".
طبعا أستعير هذا الحديث هنا مع فارق التشبيه في الصنف الثاني. فإخواننا من المظلومين في السجون اليوم هم طليعة ومشاعل الحرية لهذه الجالية، وحالنا نحن بإذن الله، ممن نسأل الله أن لا نكون من المفتونين أو المبتلين، هو المعين لهم في كفاحهم من أجلنا جميعا، وإلا كنا كمن يخرق السفينة، إن نحن خذلناهم، وحينها فإنهم ليسوا وحدهم المغرقين، وإنما كلنا سنكون في القاع. فهذه حملة مسعورة إن لم تقف عند حد فإنها ستستمر في سحق من في طريقها. ومن أسف فنحن، كجالية عربية ومسلمة، شئنا من أبينا، من في طريقها اليوم.
مرة أخرى لا تخذلوا إخوانكم، ولا تخذلوا قضاياكم، ولا تخذلوا أنفسكم. إننا إن لم نمكنهم من الدفاع عن أنفسهم نكون بذلك كحال الثور الأسود الذي قالها مدوية عبر الأماكن والأزمان "أكلت يوم أكل الثور الأبيض". افتحوا لفرق الدفاع عنهم وللمؤسسات القانونية أبواب مساجدكم ومراكزكم. إنها أمانة في أعناقنا لهم ولأنفسنا ولجاليتنا ولأمريكا ولديننا. ولمن أحب العون يمكن أن يعود إلى إعلان مؤسسة قانونية (صفحة 11) يقوم عليها محامون ثلاثة من الثقات في جاليتنا المسلمة، أو حتى أن يكلمنا على الميزان ونحن نوجهه للقائمين على مثل هذا العمل. اللهم ألا قد بلغت، اللهم فأشهد.