في ذكرى استشهاد القائد عبد القادر..
في ذكرى استشهاد القائد عبد القادر الحسيني يوم الثامن من نيسان -48
مع بدايات عام 48 ,كانت فلسطين جاهزة للبيع ..من اجل ذلك شكل وجود جيش الانقاذ عاملا اساسيا لكي تكتمل الخدعة ..
(استندت فكرة النظام العربي الرسمي انذاك على الاعتقاد بان حشد الجيوش والتهديد بدخول فلسطين انما هو "بضاعة خاصة للاستهلاك في الامم المتحدة" وهو ما افضى به عبد الرحمن عزام بعد سنوات طويلة من الصمت.) لهذا السبب ايضا ظلت الامال تراود الكثيرين رغم كل المعطيات والشكوك, بان الخير لا يزال منعقدا في ازلام ومسؤولي هذه الامة, وان فلسطين لا يمكن ان تضيع بتلك الطريقة.
من ضمن هؤلاء المتمسكين بحسن الظن حتى حين, بطلنا عبد القادر بن موسى الحسيني الذي تولى قيادة الجهاد المقدس حتى استشهاده على ارض القسطل,ف أبّنته جريدة فلسطين بهذه الكلمات: ان من عرف هذا البطل عرف ان الله قد اودع في قلبه سرا علويا لم يودعه الا في القليل من عباده الصالحين.
وهكذا صرح هذا القائد لمندوب جريدة المصري بتاريخ 2/2/1948 قائلا:" الواقع اننا نفخر الان بتفوقنا تفوقا كبيرا على عصابات الهاجناه وارجون وشتيرن معا, واصبح لدينا الان الكثير من الاسلحة والذخائر, واستطيع ان اؤكد لك ان لدينا من الرجال المدربين في فلسطين وحدها ما يكفي لمحاربة اليهود والتغلب عليهم. ولكننا مع ذالك نستعد وناخذ اهبتنا لكل ما يقع في الحسبان ونحن على اتفاق تام في ما يتعلق بوسائل الدفاع التي نظمتها جامعة الدول العربية". لكن التحول المرتقب في موازين القوى حدث خلال شهر او بعضه, وذلك عندما وصلت الى القوات الصهيونية كميات كبيرة من الاسلحة المتطورة, واصبح لديهم سيارات مصفحة كثيرة ودبابات وطائرات ومدافع ميدان, وادخلوا الى فلسطين الاف المقاتلين الذين تدربوا في اوروبا. وفي الوقت نفسه تسابقت حكومات روسيا وبعض دول اوروبا والولايات المتحدة وانجلترا في ارسال الأمدادات والأموال الى قوات الصهاينة. فجعل هؤلاء يعدون لتوجيه ضربة قوية وحاسمة للقضاء على كل مقاومة عربية, الآن وفي المستقبل القريب.(في ما عرف بخطة "نحشون").
عند هذا المفترق توجّه القائد يوم الثالث من نيسان برفقة بعض أركان حربه الى الشام حيث مقر القيادة العليا لجيش الانقاّذ أملا في الحصول على المال والسلاح الثقيل الذي يمكنه من مواجهة التحدي الجديد.
وهناك في رحلة الشام, راى عبد القادر وسمع العجب العجاب وادرك كل شيء بعد ان سدت في وجهه جميع المسالك والابواب- يقول الكاتب عيسى خليل محسن في هذا السياق:
"لا شك في ان طريقة الموت التي اختارها عبد القادر هي التي توجت اعماله وحياته بهالة المجد والفخار, وفيها تتركز عظمته ومقدار خلوص نيته وجهاده لله وحده.. فلما حيل بينه وبين النصر طلب الموت والشهادة. وكان يعرف تماماً نتائج ما هو مقبل عليه, لكنه راى ان لا بد من ذلك الامر, وان التراجع عنه كفر وجبن ونذالة فاقتحمه."
وصل عبد القادر الى دمشق يوم السبت, 4 نيسان, وفي صبيحة اليوم التالي ذهب الى وزارة الدفاع للاجتماع باللجنة العسكرية وعلى راسها الجنرالات طه الهاشمي والقائد العام اسماعيل صفوت, وذلك بحضور سماحة المفتي امين الحسيني. وطفق يبين لهم دقة المرحلة واوضاع الميدان. قال: يجب ان نعمل الان وقبل انتهاء الانتداب البريطاني في 15 ايار 48, واني اطلب سلاحاً وعتاداً, وقد رايت مخازن اللجنة العسكرية المليئة بالسلاح والعتاد. فاذا اعطيتم اليوم ما اطلبه فانني قادر على تحقيق اهدافي وكسب المعركة لان الموقف لا يزال حتى هذه الساعة في ايدينا وليتفضل القائد العام اسماعيل صفوت ليقود المعركة بنفسه فيرى من المجاهدين ما يثلج الصدور. فاذا فشلت في مهمتي فان دمي محلل لكم ولكم ان تشنقوني في اوسع ميادين الشام.
فلما راى فتور القوم واحجامهم, قال للهاشمي: "والله يا باشا, اذا ترددتم وتقاعستم, فانكم ستحتاجون بعد يوم 15 ايار الى عشرة اضعاف ما اطلبه منكم الان. واني اشهد الله على ما اقول واحملكم سلفاً ضياع القدس وحيفا ويافا وصفد وغيرها.." هنا فاجأه الهاشمي بقوله: "لماذا كل هذا الاهتمام بالقدس يا عبد القادر انها لا تستحقه. ولو كانت القدس ميناءاً على البحر لقمنا بمساعدتك!! "ثم جعل القوم يسخرون ويتهكمون واردف اسماعيل صفوت قائلاً:" يا عبد القادر يظهر انكم تخافون اليهود وتقدرون قواتهم اكثر من اللازم ونحن نعرف الحقائق اكثر منكم. دعهم يحتلون القدس ويافا وحيفا ونحن سنسترجعها حالاً.." انفض الجمع عند هذا الحد ورمى عبد القادر باضبارة كانت في يده في وجوههم قائلاً:"انكم تخونون فلسطين. انكم تريدون قتلنا وذبحنا.." ثم خرج مع سماحة المفتي وهما يتميزان من الغضب فتبعهما عدد من البوليس السري يتعقب خطواتهم.
في صباح اليوم التالي,5 نيسان, حملت الانباء سقوط قرية القسطل, وهي تقع على هضبة عالية حصينة تبعد نحو 8 كم عن القدس غرباً وتشرف اشرافاً تاماً على طريق القدس يافا. فكان لذلك النبأ وقع الصدمة على عبد القادر واخوته. وبتاثير ذلك عقد اجتماع عقيم اخر بوساطة الامين العام عبد الرحمن عزام في مقر اللجنة العسكرية..
وعاد الهاشمي يسوق كلامه السخيف ويقول: "يا اهل فلطسين.. لا شغل الا طلب السلاح, وليس لدي سلاح هل اخلقه من الهواء؟"
فرد عليه القائد: "لازم تعيرنا ان نحن طلبنا سلاحاً ونحن ما جئنا الى هنا للراحة والاستجداء, بل جئنا نطالب بحقنا ونصيبنا من الاسلحة ونحن ندافع عن فلسطين وعن البلاد العربية وان السلاح الذي لديكم قد جمع باسم فلسطين."
وراح الهاشمي يقوم بحركات بهلوانية فرفع يده اليمنى وقبض على الهاء وقال: هذه دبابات.. ورفع يده اليسرى وقال هذه مدافع.. خذها.. حبيبي ماذا تريد؟ ما في سلاح.. ما في مال.. ونحن نعرف شغلنا.."
فرد عليه عبد القادر غاضباً: "ان هذا هراء. ما هذا العبث بمصير الاوطان؟ وأين ذهبتم بالثمانمئة بندقية وبالمئة وعشرين رشاشاً,تلك التي تبرع بها اخوتنا اللبنانيون, واشترطوا تسليمها لي ولأخي حسن سلامة؟ ان مخازنكم مليئة بانواع الاسلحة وقد رايتها بعيني هذا الصباح."
ختاماً, لم يسفر الكلام الا عن مزيد من المرارة والحقارة. ونفد صبر الطرفين, فقال اسماعيل صفوت: "خلاص.. ماكو مدفعية.. ماكو مال.. ماكو سلاح.."
واما عبد القادر فردد مزمجراً: ان التاريخ سيحملكم ضياع فلسطين انتم ومن يقفون وراءكم. انتم المسؤولون عما سيحل بنا من دمار ايها الخارجون المتآمرون.. ساسترد القسطل واموت انا وكل جنودي. وسيسجل التاريخ وسيشهد العالم انكم انتم المجرمون الخونة الذين اضعتم البلاد."
وقبل ان يطرق الباب خلفه بقوة قذف القائد مرة اخرى بالخريطة الكبيرة التي كان يبين بواسطتها خطته في وجوههم, قائلاً: انني مستقيل من قيادتكم ثم خرج من غرفة الاجتماع فلحق به رفاقه عاقدين العزم على الرحيل صفر الايدي, وليقاتلوا حتى النهاية بما تيسر لهم.
لكن, وبعد جهود ووساطات قام بها سماحة الحج امين ورياض الصلح, امر الهاشمي بتقديم خمسين بندقية(اكثرها غير صالح) وبضع الاف من الطلقات وثلاثمئة قنبلة يدوية ومبلغ 500 جنيه لا غير.
ازاء هذه الاهانة, هرع عبد القادر الى عمه المفتي وهو يقول: "والله يا عماه انهم يخونوننا.انهم متآمرون علينا وعلى بلادنا. وهل بمثل هذه الاسلحة يريدون تحرير فلسطين!؟ وانني قررت العودة, وساعود جندياً يعرف كيف يدافع عن بلاده. وتابع ايضاً: سنقاتل بدمائنا ولحومنا وليبقى السلاح مكدساً في دمشق."
العودة
بهذه الحال رجع عبد القادر الى الوطن مع الفجر مصمماً على التوجه لتوه الى القسطل لمهاجمتها.فالتحق بالمجاهدين في ضحى السادس من نيسان في نفس اليوم الذي وصل فيه, ليتولى قيادة المعركة.
وفي ظهيرة اليوم السابع من نيسان بدأ الزحف على معاقل العدو المحيطة بالقسطل حسب الخطة المرسومة. لكن الهجوم فشل بسبب نفاد الذخيرة, وأخذ المجاهدون في التقهقر وبقي عبد القادر محاصراً مع قليل من رجاله دون ذخيرة امام مراكز العدو المحصنة, وانتشر خبر المحاصرين في القسطل, فهرع مئات من المتطوعين والمجاهدين من كل الانحاء لنجدتهم مع بزوغ فجر اليوم الثامن. عند ذلك اندفع البطل متقدماً جنوده ومكبراً: الله اكبر الى الامام ايها الابطال! وانقض المجاهدون على القرية من جهاتها الاربع ودخلوها منتصرين فتهاوت حاميتها ولاذت بالفرار مخلفةً ورائها اكثر من 200 قتيل و80 جريحاً.
ورد في صحيفة الاهرام الصادرة يوم 15.4.48 على لسان مجاهد مصري كريم (مصطفى الجيار) شهد معركة القسطل المهيبة:".. وما لبثنا ان استمعنا وسط صخب المعركة الى صوت عبد القادر بك يهيب بنا ان تقدموا ايها الابطال الشجعان. فسرت الحمية في نفوسنا واندفعنا الى الامام مقتحمين القسطل من نواحيها جميعاً, فكنا واليهود وجهاً لوجه,واتخذ القتال شكلاً جديداً اختلط الطرفان فيه بعضهم ببعض, مستخدمين كافة ما يمكن استخدامه من الاسلحة ووسائل القتال."
لكن, وفي غمرات الظفر هذه صحا المجاهدون فجأة على صوت الناعي ينعي اليهم خبر استشهاد قائدهم..
يقول قاسم الريماوي في مخطوطته(حياة عبد القادر): "فانقلبت افراحنا اتراحاً لما رأينا قائدنا المحبوب مستنداً الى حائط الجامع, ويده على جنبه وقد أسلم الروح وبيده مسدسه. فأسرع الرفاق يتلقفونه بصدورهم عندما وجدوه جثةً هامدة وقد اصيب في عنقه واذنه وبطنه بشظايا قنبلة (سلبند) القاتلة. ووجدوا قرب جثته عدداً من الجنود اليهود الصرعى. وأغلب الظن أنه تبادل معهم النار. كما وجدوا بجانبه رشاشاً فارغ الطلقات ومسدساً."
وبعد..
فها هو القلم وقد كلّ وتعب.. فليرجع من شاء ان يستزيد الى المراجع. وانما هي كلمة وفاء وتذكرة في حق هذا الرجل. فليذكر العالم ولتذكر فلسطين يوماً بكت فيه السماء والأرض على ابنها الوفي الذي سار على خطى جده سيد الشهداء بعد اذ خذله الاعراب.. ولنتذكر يوماً صبت علينا من بعده المصائب وتوالت النكبات-يوم الثامن من نيسان.
تنويه: معظم الوقائع والمعلومات الواردة في هذه المقالة مستقاة من كتاب (عبد القادر الحسيني) للكاتب عيسى خليل محسن.دار الجليل,1986.