كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

واتس-اب وتويتر وفيسبوك: المربّون الجدد للطفل العربي/ بقلم:د.كمال موعد

موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة · 29/12/2013 الساعة 17:52

د. كمال موعد في مقاله:

غزت تلك التطبيقات العالم بأسره من شرقه الى غربه ومن شماله الى جنوبه دون أن تستأذن أحد وشكلت افرازا جديدا من افرازات الفكر الامبريالي الغربي الذي طالما احرج الانسان العربي 

لو امعنّا النظر في المسألة لوجدنا أن التعامل العربي مع تلك التطبيقات يشكّل خير دليل على درجة الارتباك والتناقض حيالها وحيال مجمل افرازات الفكر الأوروبي

في نهاية المطاف والحيرة والارتباك تشكل هذه الحالة صدام داخلي نفسي حتمي ما بين المجتمعات العربية المتخلفة المستهلكة للمعرفة وما بين المجتمعات الغربية المتطورة المنتجة للمعرفة والمصدرة لها

مصدر قوة تلك التطبيقات تكمن في انها تنقلك في غضون لحظة في رحلة روحانيّة مذهلة الى عوالم جديدة جذابة تستجيب لرغبة الانطلاق وللغرائز التي تميز المراهقين رحلة تنقلك من عالمك المحافظ التقليدي الروتيني الى ما هو اجمل وأكمل وأمتع

الشباب العربي بمعظمه وقع في الفخ واتخذ الفيسبوك واليوتيوب والواتس-اب مربيا له وقدوة وخليلا بل اباً واماً ومعلماً فلم يعد بمقدوره التراجع ولا المراجعة ولم يعد قادرا على المقاومة ولا على الرفض

جاء الثمن الحتمي الذي يدفعه المجتمع العربي ككل وليس فقط افراد وهو الثمن المتمثل بالعنف المتفشي بكافة اشكاله وضعف وترهل الروابط الاسريّة التي ميّزت العائلة العربية وتسطيح الفكر وتشويه الهويّة القومية والثقافية للشباب وفقدان الشهيّة على القراءة 



إن كل من يتابع عن كثب التحولات السريعة التي يشهدها المجتمع العربي في السنوات الاخيرة، يلمح بوضوح نبرة الاعياء وربما اليأس التي يبديها قادة المجتمع وعلى رأسهم المربين والمعلمين وخبراء التربية وعلماء النفس التربوي والمستشارين التربويين، نبرة ناتجة عن عدم القدرة على مواكبة المستجدات العلميّة التكنولوجية في مجال الاتصالات والفشل في التفاهم معها ومصالحتها وعلى رأسها تطبيقات "واتس-اب"، "تويتر" و "فيسبوك".

لقد غزت تلك التطبيقات العالم بأسره من شرقه الى غربه ومن شماله الى جنوبه دون أن تستأذن أحد وشكلت افرازا جديدا من افرازات الفكر الامبريالي الغربي الذي طالما احرج الانسان العربي ووضعه في موقف الانسان الضعيف المدافع عن نفسه وعن ثقافته و"المشيطن" للثقافة الغربية بكل مكوناتها متهما اياها بمحاولة فرض الهيمنة المستمرة على الشعوب وبالتالي سلب ارادتها ووضعها تحت رحمة تلك الثقافة "الغازية". ولو امعنّا النظر في المسألة، لوجدنا أن التعامل العربي مع تلك التطبيقات يشكّل خير دليل على درجة الارتباك والتناقض حيالها وحيال مجمل افرازات الفكر الأوروبي: فهي من جهة اولى تشكل ثقافة غريبة، غربيّة، لها ايحاءات سلبية وارتباطات تاريخية استعماريّة قديمة وبالتالي ينبغي الابتعاد عنها قدر الامكان، بيد انها من جهة ثانية تشكل افرازات وتطبيقات حديثة، ذكيّة، جذابة الى حد السحر، تطبيقات تنم عن كم هائل من الابداع والتدفق المعرفي الذي يلامس الخيال.

رضوخ الضعيف لإرادة القوي
في نهاية المطاف والحيرة والارتباك، تشكل هذه الحالة صدام داخلي نفسي حتمي ما بين المجتمعات العربية المتخلفة المستهلكة للمعرفة وما بين المجتمعات الغربية المتطورة المنتجة للمعرفة والمصدرة لها. اذا، من الطبيعي ان يضعف الضعيف امام القوي، الجاهل امام المتعلّم، المستهلك امام المنتج، المقلد امام المبدع، من الطبيعي ان يرتبط به مع أنه لا يحبه ولا يرتاح اليه. في هكذا حالة يصبح الموقف غاية في السريالية والغرابة وفي ذات الوقت غاية في الواقعيّة. تشكل التطبيقات المذكورة اعلاه، وخصوصا الفيسبوك، خير مثال على رضوخ الضعيف لإرادة القوي، هروب المهزوم الى احضان الهازم دون ان يتمتع بأدنى قدرة على المقاومة وعلى طرح البديل. لقد غاص المجتمع العربي، وخصوصا شريحة الاطفال وشريحة الشباب، الى اذنيه داخل تلك التطبيقات دون اقل درجة من درجات الغربلة، دون اقل درجة من درجات الاستعداد الفكري، المعرفي، الاجتماعي والاخلاقي، دون أي سؤال عن الحاجة او المقدار او الشكل الكافي والمطلوب.

إدمان
لقد وصل الحد الى ادمان الفيسبوك، اليوتيوب والتويتر وتحويلها الى "أسياد" يتم التوجه اليها وطلب المعونه في كل صغيرة وكبيرة. ففيها تجد كل نفس ما تبتغيه: الترفيه ،الرسائل، المعلومات، الاخبار، الاستغابة، النميمة، التكتلات على انواعها، الشتائم، المؤامرات، تصفية الحسابات، التجسس، الجنس، استعراض "النرجسيّة والبطولة" وغيرها الكثير. حقاً، إن مصدر قوة تلك التطبيقات تكمن في انها تنقلك في غضون لحظة في رحلة روحانيّة مذهلة الى عوالم جديدة، جذابة، ساحرة، مغرية، خيالية متحررة تستجيب لرغبة الانطلاق وللغرائز التي تميز المراهقين، رحلة تنقلك من عالمك المحافظ التقليدي الروتيني الى ما هو اجمل وأكمل وأمتع. بيد ان نقطة القوة هي ذاتها مكمن الخطر الفادح لكل من لا يتقن حق الاتقان الخروج في تلك الرحلة والتدبّر فيها فليس كل ما يلمع ذهبا.

دفع الثمن
هكذا وصلنا الى لب الكلام وهو ان الشباب العربي، بمعظمه، وقع في الفخ واتخذ الفيسبوك واليوتيوب والواتس-اب مربيا له وقدوة وخليلا بل اباً واماً ومعلماً فلم يعد بمقدوره التراجع ولا المراجعة، لم يعد قادرا على المقاومة ولا على الرفض ولذلك جاء الثمن الحتمي الذي يدفعه المجتمع العربي ككل وليس فقط افراد وهو الثمن المتمثل بالعنف المتفشي بكافة اشكاله، ضعف وترهل الروابط الاسريّة التي ميّزت العائلة العربية، تسطيح الفكر، تشويه الهويّة القومية والثقافية للشباب، فقدان الشهيّة على القراءة وابتعاد الطلاب عن الكتاب الذي لم يعد بعد خير جليس، وأخيرا تشويه المنظومه القيميّة الاخلاقيّة لدى اطفالنا وشبابنا المدمنين على تلك التطبيقات واستبدالها بمنظمومة مستوردة تحمل في طياتها الكثير من المخاطر. من هنا، لم يكن من قبيل الصدفة هذا الاختلال الحاصل في العلاقات الاجتماعية بين الكبار وبين الصغار، بين الاباء وبين الابناء، بين المعلمين وبين الطلاب. لقد اختلف قاموس المفردات المستعملة، ارتفعت الاصوات، اختلفت النظرات وتهاوت الحدود. ولو عدنا الى اصل المسألة لوجدناه، الى حد كبير، يكمن في عدم مقدرة الاباء على السيطرة والتحكم لعدم امتلاكهم القدرة المعرفية التي تمكنهم من التعامل بفاعليّة مع تلك التطبيقات ومن ثم توجيه وارشاد ومراقبة الابناء والتاكد من اجتيازهم "تسونامي" عالم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل امن. ولكي اكون واضحا اقول ان علاج المسالة ينبغي ان يبدأ اولا بتثقيف الكبار وتقويم اعوجاجهم وإلا فستتفاقم وسيمضي الوقت عبثاً.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net


واتس-اب وتويتر وفيسبوك: المربّون الجدد للطفل العربي ، د. كمال موعد
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع