كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

نجم.. الظاهرة الأدبيّة الفريدة /بقلم:سليمان جبران

موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة · 03/01/2014 الساعة 12:15

تاريخ الأدب العربي حافل بظاهرة الشعراء "المتمرّدين". ابتداء بالصعاليك في الجاهليّة وصدر الإسلام، وانتهاء بالشاعر أمل دنقل في مصر المعاصرة. لكنك لن تجد شاعرا احترف الثورة متأخرا؛ ابن 38 سنة، ولم "يطلّقها " حتى يوم وفاته، وقد جاوز الرابعة والثمانين. هذا هو أحمد فؤاد نجم، أو "الفاجوري"! حتى مجموعته الشعرية الأولى ["صور من الحياة والسجن"، القاهرة، 1964]، ولم يكن فيها "احترف" الشعر السياسي بعد، أثارت حفيظة عبّاس محمود العقّاد، فعارض نشرها متذرّعا بمعارضة النشر في اللغة المحكيّة: " أثار الديوان معركة داخل المجلس الأعلى للفنون والآداب، إذ كان "عبّاس محمود العقّاد" ضدّ شعر العاميّة، وبالتالي ضدّ طبعه، فتصدّى له كلّ من بيرم التونسي ومحمد فريد أبو حديد وسهير القلماوي التي قدّمت للديوان" [فريدة النقاش، مقدّمة مجموعة "بلدي وحبيبتي" ، القاهرة، 1973، ص.10].ٍ
الحكّام الأغبياء يظنّون أن سَجن الشاعر "المشاغب" يمكن أن يشكّل حلا. لكنّهم لا يفقهون، ومن أين لهم أن يفقهوا، أنّ سجن المناضل، سواء كان رجل سياسة أو شاعرا، قد يزيد الغضب الشعبي غضبا، ويفتح عيون كثيرين من "المحايدين" الخالدين إلى الراحة، فتكون النهاية في آخر الأمر عكس ما أمّلوا وخطّطوا! هذا أحمد فؤاد نجم ؛ يُسجن أوّل مرّة، فيكون السجن وناسه مدرسة للسجين المبتدئ، وأيّ مدرسة! "في السجن التقى بنوع آخر من الرجال.. طيّبين وأبناء نكتة وأذكياء، لا يختلفون كثيرا عنه وعن مواطنيه الصعاليك .. متمرّدين وحكماء مثلهم.. لكنّ تمرّدهم يخيف بعض الشيء، فهو يشمل آفاقا لم يصل إليها فكره من قبل، وتمتزج حكمتهم بثقافة تنفذ إلى جوهر الأشياء.. يحبّون الشعر والفنّ والناس، ويتحدّثون عن عالم قادم لا عن فردوس مفقود.. حتى أشعارهم غير ما عرف من شعر".[أحمد فؤاد نجم: إصحي يا مصر، دار الكلمة للنشر، القاهرة 1979، ص.12]ٍ. باختصار: كان ثائرا عفويا فغدا في السجن، بعد لقائه بثوّار عقائديّين، ثائرا مبدئيا؛ كانت ثورته "شخصيّة" فغدت ثورة فكريّة شاملة!
الحكّام، أصحاب السلطة والجبروت، يظنون أيضا أنّ سَجن الشاعر أو الفنّان من شأنه أن يكتم صوته أو يشلّ ريشته. لكنّهم لا يفقهون أنّ سجنه بالذات من شأنه أن يؤدّي أيضا إلى ازدياد وعيه وعنفوانه وانتشاره. وهذا ما كان بالنسبة إلى أحمد فؤاد نجم/الفاجومي: "توافقت فترة سجنه الأولى في الستينات مع وجود عدد كبير من المناضلين المصريّين في السجن، أحبّهم وأحبّوه، وعن طريقهم بدأت قمّة التمرّد والصعلكة، التي وهبها حياته، تأخذ منحى آخر. قرّر أن يحتفظ بأنبل ما في الصعاليك، القدرة على تجاوز قناع الحياة الشكلي، وليمزج بين هذه القدرة وبين هذا العالم الجديد الذي فتحه أمامه المناضلون المصريّون.. قرّر أن يوظّف مكتسباته الخاصّة وصلابته للثورة، وأن يعود بشعره إلى الأصول التي استقى منها أساتذته من شعراء الشعب المناضلين: النديم وبيرم." [المصدر السابق، ص.12-13 ].
وُلد أحمد فؤاد نجم، ويلقّب بالفاجوي، في 23 آذار 1929، في قرية كفر أبو نجم، على اسم العائلة، في محافظة الشرقيّة. أمّا لقب الفاجوري فهو من اتّخذه لنفسه، وفسّره بأنّه "الشخص المتهوّر الذي لا توجد عنده حسابات". وفي قاموس سبيرو للمحكيّة المصريّة وجدناها فجومي، دونما ألف، ومعناها: impulsive,hasty. وفسّرها أحد القرّاء المصريّين قائلا: الشخص الجريء في رأيه، سليط اللسان، يقول للأعور أعور في عينه. والمعاني كلّها مقبولة على من اختار هذا الاسم طبعا!
الشطر الأوّل من حياته، حتّى حرب 1967، قضاه نجم "صعلوكا" تماما؛ لا يستقرّ في عمل ولا في مكان. توفي والده، رجل البوليس عزت أفندي نجم، حين كان الشاعر؛ أصغر أبنائه، في الرابعة، ليعيش بعد وفاة والده يتيما شريدا، في بلد لا يرحم الأيتام ولا المشرّدين! دخل ملجأ الأيتام، حيث التقى بعبد الحليم حافظ، كما أسلفنا، وعمل بعد سنوات الملجأ في قريته راعيا للمواشي. ثمّ انتقل إلى القاهرة عند شقيقه، إلا أنّ هذا طرده فاضطرّ إلى العودة إلى قريته، ليعود بعدها إلى القاهرة من جديد. وفي القاهرة مارس أعمالا كثيرة، فاشتغل كوّاء، ولاعب كرة قدم، وبائعا، وعامل بناء، وخيّاطا- كثير الكارات قليل البارات! كما دخل السجن مرات عديدة، فبلغت " سنوات الخدمة" فيه، مجتمعة، سبعة عشر عاما: في العهد الملكي وفي عهد عبد الناصر والسادات! وإذا كان السجن مدرسة، كما نعرف، فقد كان نجم من التلاميذ المتفوّقين!
يذكر الأستاذ صلاح عيسى في مقدّمة الفاجوري، سيرة نجم الذاتيّة، أنّ المناضل الفلسطيني نايف حواتمة التقى بالرئيس جمال عبد الناصر، بعد اعتقال نجم بسنة، في أواخر الستّينات، وأراد التوسّط عند عبد الناصر لإطلاق سبيل ثلاثة من "المغضوب عليهم": نجم والشيخ إمام والأستاذ صلاح عيسى نفسه. فما كان من عبد الناصر إلا أن أجابه بجفاء واضح: ما تتعبش نفسك.. التلاتة دول مش ح يطلعوا م المعتقل طول ما أنا عايش! [الفاجوري، مذكّرات الشاعر أحمد فؤاد نجم، القاهرة، 1993، ص. 13.].
إلا أنّ سَجنه ومعاناته في عهد عبد الناصر لم يمنعاه من إنصافه بعد عشرين سنة على وفاته، من باب " ما بتعرف خيري تتجرّب غيري"، فقال فيه: عمل حاجات معجزة/ وحاجات كتير خابت/ وعاش ومات وسطنا/ على طبعنا ثابت/ وان كان جرح قلبنا/ كلّ الجراح طابت/ ولا يطولوه العدا، مهما الأمور جابت. [ الفاجوري، ص. 24].
لم يبرح نجم السجن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر فعلا، فلم يخرج منه إلا في عهد السادات، عندما أفرج عن السجناء السياسيين جميعهم بعد استقرار حكمه. لكنّ السادات نفسه أدخله السجن من جديد. لم تكن "التهمة" هذه المرّة القصيدة التي ألقاها بالذات، بل طريقته في الإلقاء، مقلّدا السادات بطريقة أضحكت كلّ سامعيه. فقد ورد في حيثيات الحكم على الشاعر بالسجن سنة كاملة مع الشغل: "أنّ ما أتاه نجم ليس بفنّ أو شعر أو إبداع، وإنّما هو إسفاف وسخرية برئيس دولة!" [ إصحي يا مصر، ص. 12].
لا يمكن، طبعا، سرد حياة نجم، شاعرا ومناضلا، دون ذكر صديقه ورفيق نضاله، الفنان الضرير إمام محمد أحمد عيسى أو: الشيخ إمام (1918- 1995)، الذي قال فيه نجم: "والله يرحمك يا شيخ إمام إنت اللي دوقتني شعري وخليتني أحبه كمان". يصف الأستاذ صلاح عيسى، في مقدّمته لمذكّرات الفاجومي، لقاء الشاعر بالفنان قائلا:
"رجل متوسط القامة، مهوش الشعر، نابت الذقن، ممصوص القوام، يتجاوز عمره الأربعين، يرتدي- أحيانا – قميصا قديما وبنطلونا ناحلا، وغالبا ما يرتدي جلبابا بلديا ويضع في أقدامه صندلا أو بلغة فاسي، يتأبط ذراع رجل نحيف، أبرز ما في وجهه هو نظارة سوداء كبيرة يخفي بها عينيه الكفيفتين، ويسحبه ليصعدا إلى منصّة المدرّج، فيستقبلهما الطلاب بعاصفة من التصفيق المدوّي تستمرّ وقتا طويلا، ثمّ يبدأ الشاعر "أحمد فؤاد نجم" في إلقاء قصائده ويغنّي الشيخ "إمام عيسى" ما لحّنه من القصائد، قبل أن يخرج الجميع في مسيرة صاخبة، تدور في أنحاء الحرم الجامعي، وهي تهتف بالحياة وبالسقوط!".(الفاجوري، ص. 9-10 ).
كان لقاء نجم بالشيخ إمام في المرّة الأولى من باب الصدفة، في حيّ "الغوريّة" الشعبي، في الحارة الضيّقة "حوش قدم"، بجوار الأزهر الشريف، سنة 1964 [وحوش قدم اسم تركي بمعنى قدم الخير، ويكتبها بعضهم "خوش قدم" بالخاء، ولعلّها الأصحّ!]. كان اللقاء المذكور صدفة، لكنّها صدفة خير من ألف ميعاد. لم يكن الشيخ إمام قبل هذا اللقاء سوى رجل ضرير مغمور، يعزف على العود، ويغنّي الأدوار القديمة للشيخ زكريّا أحمد وسيّد درويش "رافضا إغراءات كثيرة كان من الممكن أن تشهره، لكن على حساب التزامه بالتراث، وبشرط مسايرة الأوضاع الفنيّة الهشّة فكريّا والسائدة آنذاك، فكان لقاء الشاعر والمغنّي تفاعلا فكريّا للاثنين أعطى نتاجا غزيرا في مضامينه وعفويته وصدقه." [أحمد فؤاد نجم: بيان هامّ، دار الفكر الجديد، القاهرة، 1978، ص. 6]. لم يكن الشيخ إمام قبل لقائه بنجم جرّب التلحين، بل كان يعزف ألحان سابقيه كما أسلفنا، فدفعه نجم إلى التلحين، فأخذ يلحّن قصائد نجم: "كان لقاؤنا بداية جديدة لي وله معا.. سألني عندما التقينا، وبعد أن استمع إليّ: لماذا لا تلحّن؟ فقلت مداريا خجلي من الفكرة: لأني لا أجد الكلمات. فقال لي على الفور: اسمع هذا النموذج، وقدّم لي أغنية عاطفيّة لحّنتها على الفور[...] هل تصدّقني أنّ كوني كفيفا قد أفادني كثيرا، أشعر أنني أستعيض عن العالم المرئيّ بعالم داخلي يزداد غنى وينفجر موسيقى، من يدري لعلّني محظوظ..أنا بالفعل محظوظ لأني لم أنضمّ إلى صفوف المزوّرين الذين يقبلون أيّ شيء، ويلحّنون أيّة كلمات مهما كان مستواها." [بلدي وحبيبتي، ص. 23].
لم يكن هذا الثنائيّ الرائع ليتألّق وينتشر، فيغدو عاملا شعبيّا مؤثرا في تاريخ مصر الحديث، لولا دوره الواضح في الردّ على هزيمة 1967. كان شعر نجم بألحان الشيخ إمام صوت الضمير المصري الذي ظلّ على إيمانه بالشعب المصري وقدرته على تجاوز الهزيمة القاسية: "حتى سنة 67 كان جمهورنا محدودا للغاية [..] وكانت الهزيمة هي المحبس الذي انفتح لكي نتدفّق معا. كنت أكتب قصيدة وأحيانا اثنتين في كلّ يوم ..وقررنا معا أن نقتحم المسارح والقاعات العامّة التي تقدّم حفلات غنائيّة. كنّا نصعد على المسرح وقبل أن يفيق المشرفون على الحفلات نكون قد أدينا أغنية أو اثنتين، وكثيرا ما ضُربنا وطُردنا من الحدائق العامّة التي كانت تقام فيها هذه الاحتفالات.. وأمام المهانة وقلّة الرزق والحصار.. كنّا نزداد شراسة وتفجّرا" [بلدي وحبيبتي، ص. 12].
يمكننا القول، دونما تردّد، إنّ ظاهرة الثنائي نجم وإمام، بعد حرب 67، كانت عاملا من عوامل الردّ على الهزيمة العسكريّة والروح الانهزاميّة التي ضربت شعب مصر يومها: "كُتبت هذه القصيدة [بقرة حا حا] بعد الهزيمة مباشرة ردّا على تلك النغمة الانهزاميّة التي قادتها جريدة "الأهرام" حين قدّمت منطقا متكاملا يقول إن مصر الفقيرة المتخلّفة المهزومة ليس في مقدورها أن "تناطح" الثور الأميركي، ولهذا جاءت بقرة نجم المسلوبة والمهدرة "نطّاحة" رغم كلّ شيء، وكانت بذلك ردّا شعبيّا أصيلا من موقع الجرح الفائر ضدّ هؤلاء الذين أرادوا وما زالوا أن تتغلغل الهزيمة وتكرّس." [بلدي وحبيبتي، ص. 15].
في أوائل الثمانينات تفرّق هذا الثنائيّ المدهش ، بعد رحلة طويلة استمرّت سنوات، قاما بها إلى أوروبا وشمال إفريقية. لم يذكر نجم ولا السيّد السبب الحقيقي لانفصام هذا الثنائي الملهم، لكن يبدو أن من وحّدهما البؤس والشقاء فرّقتهما النعمة والرخاء!
أخيرا، لا يمكن ذكر الثورات الشعبيّة المتلاحقة في مصر، ضدّ الأنظمة الجائرة والاستغلال وكبت الحرّيات، إلا وكان لهذا الثنائي الرائع، نجم وإمام وبهذا الترتيب أيضا، نصيب فيها وأيّ نصيب !!

موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net

 
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع