دعوة للخروج من التقوقع العائلي
في كابول القرية الجليلية، تأتي الانتخابات بعدد كبير من مرشحي الرئاسة، أكثر بكثير من عددهم في باقي القرى والمدن العربية. وان اختلفت كابول، عن أخواتها العربيات بعدد مرشحيها، الى أنها تتفق معهن بأن الانتخابات هي في أساسها عائلية، كما يقول الدكتور أحمد هيبي الذي حاورناه وفي جعبته فكرة ربما تصلح أن تكون نموذجا لباقي القرى والمدن العربية. فما رأيكم كما يقترح الدكتور هيبي بتأسيس قائمة تستقطب جميع شرائح المجتمع ولا يكون أساس هذه الانتخابات العائلية أو الإنتماء العائلي أو الطائفي في القرى والمدن التي تعيش فيها أكثر من طائفة؟ هل تكون هذه التجربة ناجحة؟ هل يختار الناخب العربي مرشحه على أساس مصداقية المرشح وقدراته أكثر من انتمائه العائلي؟
الدكتور أحمد هيبي
هل اصبحت العائلة حزباً حتى تجري برايميريز
يقول الدكتور هيبي أن البلد تكون بلدا واحدة موحدة في أفراحها واتراحها، فاذا جاءت الانتخابات تقسمت الى عائلات وحمائل، والعائلة الواحدة تنقسم بدورها الى بطون وأفخاذ. ويصبح مرشح العائلة هو مرشح بطن العائلة الكبير. مع كل ما يجره هذا من ظواهر سلبية كتناحر وعداوة وتشرذم. وأكبر مثال على ذلك ما صار يعمل به كبرايميريز داخل العائلة، وكأن العائلة هي حزب له مؤسساته ودساتيره وقوانينه. ونسى الناس أن المرء يستطيع أن يغير حزبه أو رأيه السياسي، بينما لا يستطيع أن يغير انتماءه العائلي. والنتيجة هي العداوة الممضة. حيث صار كثير من الناس يتمنون أن لا تكون انتخابات، فهي شؤم كلها برأيهم. والمواطن البسيط لا يطاله منها شيء. بل ان البعض يصف لانتخابات بأنها إجراء قامت به السلطات الحاكمة لشرذمة الناس وابعادهم عن بعضهم، حتى تسهل عليها قيادتهم والسيطرة عليهم.
في هذا السياق رأينا في اقتراح الدكتور هيبي والنموذج الذي يريد أن يبنيه ظاهرة مختلفة تستحق التسجيل والوقوف عندها. ولذلك كان لنا هذا اللقاء معه.
س:ما الذي تسعى اليه من وراء هذه القائمة. وهل هي مبادرة فردية أو جماعية.
المبادرة هي مبادرة، ونحن نحكم عليها كما نحكم على الأفكار، سواء كانت من فرد أو مجموعة. والفكرة هي انشاء قائمة غير عائلية دعائمها أفراد من جميع الأطراف والشرائح الإجتماعية. بصراحة أقول لك أن هذه الفكرة مقبولة على الجميع، وأكاد أقول أن الجميع ينادي بها في الجلسات التي تضم عددا كبيرا من الأشخاص. ولكن عندما يعود الأفراد الى جلساتهم الخاصة، والى الاطار العائلي الضيق، تتقلص هذه الفكرة، وتعود لتطفو على السطح الأفكار التعصبية، من أن أن دار فلان يجب أن يأخذوا دورهم، أو ان الرئيس يجب أن يكون من دار فلان لأنهم أكثر عددا وهكذا.
س: من هم الأشخاص وراء هذه القائمة؟
د. هيبي: نظريا الجميع يؤيد مثل هذه القائمة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسيه هو التطبيق. هناك من يري في رئاسة المجلس المحلي قوة وسيطرة. وهناك من يري به زعامة. وهناك من يرى به وظائف توزع كغنيمة على كل من ساهم في انجاح الرئيس أو من نجح في عقد صفقة معه. وقد رأينا في الفترة الأخيرة أن عددا من السلطات المحليبة قد حل بسبب الرشاوى والصفقات الانتخابية. اننا مهتمون بالأشخاص المؤمنون بأهمية النهوض بالبلد اجتماعيا وثقافيا ، وباعطاء التربية والتعليم القسط الأوفر من اهتمام السلطة المحلية. فعلى التربية والتعليم يعتمد وجودنا ومستقبلنا في هذه البلاد.
س: ولكنك تعرف أن الانتخابات في النهاية هي كم من الأصوات وليس الأفكار.
د. هيبي : لكن يجب أن نتذكر أن الانتخابات هي فردية، بمعنى أن كل فرد يصوت منفردا وراء الستار بدون ضغط ولا إكراه. بينما نتائج الانتخابات وافرازها تخص المجموع. وهذا ما يجب أن نذكر الناس به. لقد مللنا الطرائق التقليدية للترشيح والتصويت. مللنا التناحر والتنافخ بين من ينصبون أنفسهم رؤساء للعائلات. وهم بذلك يسيئون لعائلاتهم وللنسيج العائلي. عندما يقول قائل أن دار فلان يجب أن يأخذوا دورهم يكون قوله حقا يراد به باطل. فهل القيادة هي شيء دوري؟ وهل الرئاسة يجب أن ترسي على الجميع، القادر والعاجز الراغب والزاهد؟ لقد آن الأوان لإعطاء القدرات الفردية الخلاقة والمبدعة دورها في قيادة المجتمع، حتى وان لم تكن تستند الى قاعدة عائلية واسعة. آن الأوان لأن نفهم أن المجلس المحلي هو اداة للنهوض بالبلد وليس كأسا تفوز به العائلة الكبيرة مرة كل خمس سنوات. آن الأوان لايصال القيادات الشابة والواعية الى واجهة المجلس المحلي، على اساس القدرة والكفاءة وليس على اساس الانتماء العائلي.
س: هل بدأتم في العمل على تأسيس هذه القائمة؟
د. هيبي: بالفعل لقد أجريت ومجموعة من الأصدقاء اتصالات مع اشخاص كثيرين في القرية. وقد لاقت هذه الفكرة استحسانا كبيرا وتشجيعا. وأبدى معظم الذين التقيناهم استعدادهم أن يشاركوا في نشاطات القائمة. وقد قمنا بالفعل بعقد بعض الحلقات البيتية ، ونحن بصدد التحضير لاجتماع كبير يحضره كل من يؤمن بهذه الفكرة ويسعى لتحقيقها. ومن هذا الموقع ادعو جميع الذين لم نصل اليهم ولم نطرح الفكرة أمامهم، أن يأخذوا هذه الدعوة كدعوة شخصية لهم للمشاركة. صحيح أننا اتصلنا مع الاشخاص الذين كانت لنا معهم صلات قريبة. ولكننا لا نستثني أحدا. فالجميع مدعوون للمشاركة اذا كانوا يحملون نفس الأفكار.
س: ما هو دورك أنت في مثل هذا الإطار؟ وهل أنت مرشح الرئاسة في هذه القائمة؟
د. هيبي: أقول بوضوح وبكل شفافية. دوري في هذا الاطار حتى الان هو المبادرة. أنا ومجموعة من إخواني مبادرون. نحن في طور التأسيس وقد التف حولنا عشرات الأشخاص المؤمنون بهذا النهج. ولو طلب مني الإخوان أن أقود هذه السفينة حتى النهاية فسوف أقبل هذا التكليف. ولو رأوا أن يوكلوا هذه المهمة لشخص آخر، فأنا على استعداد لدعم هذا الشخص الآخر، بشرط أن يكون مقبولا على الجميع. نحن لا نريد أن نذهب لشخص من عائلة كبيرة - مع احترامي لجميع العائلات - ونقول له كن على رأسنا لأنك تجرف أصوات كثيرة من عائلتك وتنجح هذا الاطار. ليس هذا هو الهدف. والأهم من الوصول الى المجلس المحلي هو تغيير النهج القائم. ولي هنا كلمة أقولها لباقي الاخوان في القرى والمدن العربية الأخرى، وهو أن يكون عملنا وتجربتنا نموذجا لهم، وان لا ينجروا وراء شعارات التعصب العائلي والجاهلية الأولى. العائلة هي شيء مهم في حياتنا وصلة الرحم والتراحم العائلي نجله ونحترمه. ولكننا نرفض أن يستغل البعض مشاعرنا العائلية للوصول الى غاياتهم الشخصية الضيقة. أي لا نريد أن تكون العائلة مركوبا لمن أراد حصد الجوائز وإبرام الصفقات الانتخابية من خلف ظهر العائلة وعلى حسابها.
س:هل المنتمون الى الإطار الذي تتحدث عنه هم المتعلمون والمثقفون فقط؟
د. هيبي: ليس بالضررة. نحن لا نقيس الناس بدرجاتهم العلمية. وهناك الكثير من حملة الشهادات الذين لا يشغلون انفسهم بقضايا المجتمع. يجب أن يكون للمثقفين دور كبير في النهوض بمجتمعهم. ولي مآخذ كثيرة على هؤلاء المثقفين. ولكني مع ذلك أعذرهم: فالنهج الحمائلي يشلهم أو يعميهم ويصدهم عن واجبهم نحو مجتمعهم. وعند اول صدمة لهم ينزعون نحو التقوقع والانشغال بأعمالهم وأشغالهم اليومية، ممتنعين عن ممارسة العمل البلدي. خصوصا عندما يرون المظاهر السلبية في العملية الانتخابية مثلا. وهكذا يتخلون عن مواقعهم الريادية، ويتركون الأمر لمن لا هم له ولا مشغلة سوى العملية الانتخابية في الاطار العائلي.
س: ما هي المواصفات التي ينبغي أن تتوفر في رئيس السلطة المحلية برأيك؟
د. هيبي: على الرئيس أن يكون واعيا لهموم المجتمع الذي يعيش فيه. أن يكون متواضعا ومحبا للناس ومطبوعا على خدمتهم وقت الحاجة. وينبغي أن يكون مالكا لحس القيادة واتخاذ القرار والتضحية عند اللزوم. ومن المهم أن يملك حس المبادرة والتفكير الخلاق. لا مانع في الرئيس الطموح الشخصي وحب الظهور. فقد كان خالد بن الوليد ونابليون بونابرت محبين للظهور. الذي يغضبني أحيانا أن يملك حب الظهور اشخاص سطحيون ومدعون. المشكلة في السياسية أن الإنتهازيين يحتلون ادوارا متقدمة فيها. قد لا يستطيع الجاهل ان يدعي العلم، ولا العاجز ان يدعي القوة ولكن المدعي والانتهازي يستطيع بسهولة أن يدعي القدرة على القيادة. بسبب أنه قادر على خداع الناس. وهذا أمر مؤسف حقا.
س: ما هي المشاريع والطروحات التي ستهتم به قائمتكم لو وصلتم الى موقع المسؤولية؟
د. هيبي: الطموحات كثيرة وزولها المدارس. في قرية مثل كابول لا يقوم المجلس المحلي بدوره في دعم التنعليم. لا تجد في البلد دورة واحدة لدعم الطلاب المحتاجين الى دورة في اللغة الانجليزية مثلا زو الرياضيات أو انهاء البجروت. لا تجد مكتبة عامة. الشباب لا يجد غير اماكن الاراجيل يقضي بها وقته. القرى والمدن العربية تتحول الى تجمعات سكانية مغلقة تتفشى بها البطالة والمخدرات والسرقات والعنف وغيرها من المظاهر السلبية. هناك مشاكل في مسطح القرية. في التخطيط المستقبلي في القرية. القرية والمدينة العربية هي تجمع سكاني زكثر مما هي بلد له تطلعاته ومخططاته المستقبلية.