كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

عدم دفع ثمن المياه وازدواجية التصرف

كل العرب · 31/05/2008 الساعة 08:33

اعتليت مركبتي في صبيحة أحد الأيام متّجهًا إلى عملي ، محاولا قدر الإمكان عدم التأخر، وإذ بسيارة تقف أمامي ، يتجاذب سائقها أطراف الحديث - بهدوء مقيت- مع سائق آخر قادم من الجهة المقابلة . اجتهدت، كعادتي، أن أحافظ على اتّزاني، منتظرًا بضع دقائق, لعلهما يشعران بالإزعاج والعرقلة التي يسبّبانها- لكن دون جدوى!! وإذ بسائق آخر يأتي من خلفي ، فبدأ صوت الصّافرات يدوي في السّماء ، وتعالت أصوات الصياح في صباح كنت أتمنى ألا أسمع فيه سوى زقزقة العصافير وتغريدها...
قادتني هذه الحادثة الصباحية إلى التأمل في تصرفات البعض في مجتمعنا ، فحادثت نفسي سائلا : هل كان يجرؤ هذان السائقان على هذا التصرف لو تواجدا في مدينة نهريا أو نتانيا ؟ لماذا يسمحان لأنفسهما بتصرف في قريتهما ولا يجرأن بأن يتصرفا نفس التصرف في مدينة يهودية ؟
لأول وهلة كدت أعزي هذا التصرف إلى الخوف من القانون، ولكنني سرعان ما وجدت تعليلا أدقّ منه وهو "ازدواجية التصرف". فنحن نبدي تصرفًا مزدوجًا في الكثير من الأمور : فعندما نكون في قريتنا أو مدينتنا العربية نسمح لأولادنا برمي الأوساخ في كل مكان : في الشارع وفي الساحة ، غير آبهين بنظافة بلدتنا وبجمالها , بينما عندما نتواجد في مدينة يهودية نحذّر أولادنا من مغبة رمي الأوساخ في الشارع ونلزمهم على حملها إلى أقرب صندوق قمامة ! عندما نكون في " صندوق المرضى " أو في مكتب البريد في قريتنا نتجاهل قواعد الترتيب والنظام العام والوقوف في الطابور، ولكننا عندما نكون في المدينة نتصرف بشكل عكسي ومغاير- محترمين أسس النظام وقواعده...
جال خاطري باحثًا عن أمثلة عينية للازدواجية، فلم أجد أنسب من معضلة عدم تسديد ثمن المياه لمجالسنا المحلية. فالمواطن في مجتمعنا يستلم فاتورة الكهرباء أو الهاتف بنوعيه – ألبيتي والخلوي-  ويسارع إلى تسديدها في الوقت المحدد – أو قبله – خائفًا من مغبة المخاطر الناجمة عن عدم دفع وتسديد هذه الفواتير . فكيف له أن يعيش يوما واحدا دون كهرباء أو هاتف، لكن عندما تصله فاتورة المياه فانه يضعها جانبًا ولا يدفعها – غير آبه بتهديد السلطة المحلية...
لقد وصل الحد ببعض المواطنين إلى عدم دفع ثمن المياه لعدة أشهر ، بل لعدة سنوات ، ممّا أدّى إلى تراكم الديون عليهم . ولا أجد في هذا السياق كنية أنعت بها تصّرفهم سوى المواطنة غير الصالحة، لأنّ من يحبّ بلدته عليه على الأقل تسديد ديونه فيساهم بذلك في مسيرة عمرانها وتطورها.
إذا دققنا النظر جليًا بالمتضررين من هذا التصرف ، نجد أن المواطن لا يسبب الضرر لنفسه فحسب : لأنه عندما لا يسّدد المواطن ثمن الكهرباء تقوم الشركة بقطع التيار الكهربائي عن بيته , بينما تستعمل شركة           " مكوروت" أسلوب العقاب الجماعي  بحيث تقوم بقطع المياه عن جميع بيوت القرية !!
أعذروني أن بالغت القول ووصفت كلّ من لا يسدد ثمن المياه بأنه يشرب ماء الحرام ، لأنّها السّرقة بعينها، فكيف يجد الإنسان منا لذة بشرب ماء الحرام؟ كيف يجد الواحد منا الأموال الكافية لدفع فاتورة الكهرباء والهاتف ولا يجد الأموال لتسديد ثمن المياه، التي هي من متطلبات الحياة الأساسية؟
نعم – أنها الازدواجية في التصرف  - وللأسف لقد اعتدنا على فعل وتنفيذ الأمور في حياتنا من منطلق الخوف والقوة وليس من منطلق الاقتناع والرغبة – تمامًا كالسائق الذي يربط حزام  الأمان فقط عندما يخرج من قريته متجها إلى المدينة – لا اقتناعًا وإنّما خوف ورهبة...  

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع