كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

تداعيات الرحيل - بقلم: خالد عوض

كل العرب · 05/07/2008 الساعة 19:13

يدفن بعضنا تعضا ويمشي                       أواخرنا على هام الأوالي


هكذا شاءت يد القدر أن تخطف الإنسان المعلم, الذي أحبه الجميع , خطفته ونحن نتعثر في الطريق التي شقها أبو الأمين , أنها طريق الحرية, طريق السلام وبناء الدولة الفلسطينية . كنت في رام الله حين سمعت نبأ وفاة توفيق زياد , فمادت الأرض تحت قدمي ودار بي الزمن دورته , فأختلطت في مخيلتي صور قديمة وحديثه , مظاهرات, حكايات, إحتفالات , انتصارات , كلها مرت من أمامي كشريط سينمائي بلحظة عجزت فيها عن الكلام.
وعندما سألت صديقا ً : "أحقا مات أبو الأمين؟؟؟!
قال لي وقد أغرورقت عيناه بالدمع هازاً رأسه: هي حال الدنيا....
فقلت  أجل , هي حال الدنيا , تمتزج حلاوتها بمرارتها, تستل من كنانتها أسهمها الناريه لتحرق قلوبنا ولترينا أن السهم إن أصاب نزف الفؤاد.
وأطرقت أفكر , وعدت بذاكرتي لسنوات خلت, لسنوات تذكرت فيها الإنسان الذي عاش ومات وهو يبحث ويحافظ على الجذور وعلى بقاء هذا الشعب . فجسد عمله هذا في الدراسات والأبحاث والأشعار التي تهتم بالتراث الفلسطيني , أذكر منها مجموعته القصصيه "حال الدنيا" وكتابه عن الأدب, والأدب الشعبي الفقلسطيني الذي أعتز به كثيرا ً كونه أو كتاب قرأته في مجال التراث الشعبي,  ومما أذكر منه ذلك المقال الذي يقول:
"لننقذ أدبنا الشعبي من الضياع فيقول في بدايته":
كثيرون هم الشعراء, والفنانون ورجال الفكر , الذين قدوما للبشرية أعمالا ً ضخمة , وكان إنتاجهم قمما ً شاهقة في الثقافة الإنسانية . ولكن في كل الثقافة الإنسانية, ذات المميزات العامة وفي كل الثقافة البشرية , ذات المميزات الخاصة بشعب من الشعوب توجد قمم لم يستطيع ولن يستطيع الوصول اليها أي شاعر أو فنان, هذه القمم غير المتنازع عليها, وصانعها المبدع هو "الشعب كمجموع".
وفي فقرة أخرى يقول "إن الشعب- كمجموع- هو القوة المحركة لتطور المجتمع , وهو صانع كل الخيرات المادية والروحية , وهو الرحم الخصب الذي يعطي لكل جيل غذاءه الذي تتوفر فيه كل الفيتامينات الضرورية , حتى يشب قويا معافى . من وجهة النظر هذه يجب أن ينظر الى فلكلورنا , الى أدبنا الشعبي".
إن سنوات السبعينات التي كتب فيها أبو الأمين بغزارة حول هذه الموضوع هي من أصعب وأحلك السنوات التي عاشها شعبنا الفلسطيني في الداخل وفي الشتات, لذا نراه يدعو الى إحياء التراث وتعزيزه , ليس خوفا عليه من الضياع فحسب, وإنما لأنه تتوفر فيه الفيتامينات الضرورية للبقاء, وكونه كما يقول "مهمة قومية حالية وشكل من أشكال النضال ضد عدو يهدف الى  إفناء هذا الشعب وإفناء جذوره معا وبقدر ما تتخذ هذه العملية شكل الحفاظ على الأصالة فهي عملية إعادة تاصيل بإيقاد هذه الأصالة في إتجاه الدفاع عن الأرض والجذور في إتجاه التقدم.
وهكذا كانت وبقيت أفكار أبي الأمين  الذي أبى إلا أن يموت واقفا كالأشجار.
أذكر في أحد أيام "يوم الأرض" الخالد, أنني عدت معه بسيارته من كفركنا الى الناصرة, وفي الطريق اغتنمت الفرصة لأشحذ ذاكرته بتلك الأيام التي كان فيها نشطا في جمع التراث ونشره. وبعد جدال لم يطل قال لي بعصبية:
"شو بدك مني أكثر من هيك , إذ بدي أفتح أوراقي القديمة بدي جمعة شغل يوم يوم تا أعرف شوفي موجود عندي . الله يخليك تفتحش مواجع قديمه".
إن العمل السياسي والحزبي والبلدي الذي انهال على أبي الأمين من كل حدب وصوب منع باحثنا الذي غرس بذور جمع وحفظ التراث في جليلنا من الإستمرار بهذا العمل لأنهماكه كما أشرت سابقا . ويعود الفضل له أيضا بأنه قام بعمل جديد لم يقم به أحد من قبل, وهو تصوير قصص وحكايات هذا الشعب بشكل أشعار وأهازيج شعبيه بمضمون جديد مثل "عذب الجمال قلبي" والتي غناها في إحدى المسلسلات الفنان الفلسطيني وليد عبد السلام . وحول بعض الملاحم والسير الشعبية الى قصص ثورية تتحدث عن البطولات والكفاح ضد الإستعمار والمستعمرين مثل "سرحان والماسوره".
من هذا النسيج التراثي , الثوري , الإبداعي نسج توفيق زياد كلماته . لقد كتب شاعرنا من داخل المعركة , فارتبط إرتباطا ً عضويا بها, فمنحته هذه المعارك وسام شرف , وليصبح توفيق زياد الشاعر الثوري الفلسطينين والعربي في آن واحد , ما جعل إسمه يذكر على شفه ولسان كل إنسان يعرف ما معنى الثورة والحرية والنضال.
إن هذا التراث الذي جمعه ودونه أبو الأمين لا بد وأن يستمر العمل فيه, وأن يدون ويؤرشف كي نحافظ على بقائنا ووجودنا , وهذا حسب ما جاء في وصيته حين قال: " إن خطر الضياع قضى على كنوز كثيرة , وهو يهدد الكنوز الباقية . والكنوز التي تولد كل يوم , وعلينا أن لا نسمح بذلك , فيها كل الأدباء والشعراء, يا كل الذين على صلة بهذا التراث الشعبي, ارموا بأحجاركم في هذا الدلو" ونحن بدورينا نعاهد أبا الأمين على مواصلة الطريق ونقول له :

                        إنا باقون على العهد

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع