الصفقة - بقلم: آمنة أبو حسين- مهنا
صفقة متفردة سكنت حكايات الأماكن , وتصدرت الشاشات الراقصة فرحاً، وكان لها اختيار مختلف حيث اختارت نهاية غير متوقعة لرواية السجن المنغمسة بخبز جدرانه المبللة بالحسرة. ينهض الشتات وتستيقظ الغربة النائمة قهراً, لتترجل من أرصفة الواقع الأليم لأرصفة واقعها يشبه التجوال في ارجاء الحلم , يكتشف أبطال القصة الأحياء منهم والأموات بأن ما كان مرة يُسجل ضمن قائمة رابع المستحيلات صار مُمكناً , فليس على الله شيء ببعيد , فتقاعُد الأزمنة التي شاخت بداخلهم عاد لها ريعان الشباب كحبكة في أسطورة, وتدفَق الحلم المحبوس في وطأة الخيال فاض ليرى النور أخيراً .
يا مسافات الحلم الآتية تلوح من بعيد، من أهداكم إشراقة الملامح ومن وعدكم وعداً صار كالشهد أحلى .
فعلى حين غبطة- عاد الأسرى الى بيوتهم محملين فوق أجنحة الحرية في مواكب السعادة , يفركون عيونهم ليتأكدوا من صدق الحكاية أهو نسيج حلم ملوّن, أم واقع كان له إغداقته الكريمة وغير المستوّعَبة .
ما بين ارتباكة الحلم ووثوق الحقيقة إرتسمت على الثغور أبهى الابتسامات , وطارت المشاعر تتألق في الأفق , هي سكرة من واقع تخلو من نبيذ الحلم لكنها تشبهه كثيراً , فدقات القلوب الفرحة يكاد وجيبها يصل الى مسامعنا كأجراس النواقيس , ليسربل في صندوق الذاكرة المعتق بذكريات الألم ويولد أملاً مشعاً جديداً, ويرى نور الحرية الخارج من أطواق وأغلال السجن تتوق الجباه لمس تراب الأرض والأرزات , وتتوق الشفاه للثم الامهات, والمكوث طويلا في احضانهن العطشى , والتي بها فائض الحنان, تماما كفائض الحليب في صدر إمرأة مات وليدها, وتأهب الجسد لمرارة الفقد فاستنفره الوجع.
تمسِكُنا المشاهد من قلوبنا, فتعتصرها لتنزف مزيجاً من فرح وألم اختلط بماء الدهشة, فالفرح فيها ما زال عاجزاً لأن يَجبّ وطأة الحزن, فالأحزان كثيرة إذا ما قورنت بالأفراح – وما اقلّها , وكفتا الميزان ما زالت إحداها تتعالى على زميلتها ساخرة , لذلك تأخذ من محاجر العيون دموعاً رقراقة تسكبها على عطش الأمكنة المتشوقة للسكينة التي يراودها حلم السلام وهاجس الطمأنينة , فمن منا لا يسكنه حلم الطمأنينة من منا لا يتوق لأن يلغي تفاصيل تاريخ السلاح والدم, من منا لا يحلم بفرحة قلوب الأمهات وبحقن دماء الأبرياء أينما كانوا , وحيثما تواجدوا , فقلوبنا راشحة بالحزن حتى الثمالة.
وعيوننا تحلم باستبدال قطف مشاهد الذعر بمشاهد الدعة فقد صار الظلم في عالمنا باذخاً حد الثراء, وحصادنا من النزف قد وصل سقف الكفاية ., فعلى شفاهنا يقف الحق وتستبسل الحقيقة لتنزف على شاكلة دماء على وجوهنا فتطمر ملامحنا , لنحال لوحات سريالية حزينة تختلط ألوانها القاتمة فتعز قراءتها وتتعذر .
ثمة وقفة هنا تستدعي منا صلاة استسقاء ثانية لخيرٍ قادمٍ يستوقف أزيز الفواجع والمواجع , ويقول كفى.. وهلمجرا.. في خطوات نازحة نحو النور وإستفاقة حقيقية لتحديد ملامح رائعة نرسمها على هوامش حياتنا التي تتصدر عناوينها كلمات القتل والحروب .
فما أجمل أن نضع عناوين جديدة, حين نتصفح تفاصيل حياتنا اليومية, متسلقون جدارية الهيمنة , لنعبر شارعاً آخر خارجاً عن أرصفة الموت والقتل تعتليه عناوين تؤكد إنسانية الأنسان.