كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

عاشق من فلسطين وذكريات من الماضي

كل العرب · 29/08/2008 الساعة 13:51

الصورة الاولى:    
رام الله مكفهرة تتحدى نزواتها وجنود الأحتلال, وحالة من الهدوء  في الشارع الفلسطيني , أشبه بالهدوء الذي يكون ما قبل العاصفة ,  فالسجناء الفلسطينين مازالوا مضربين عن الطعام   لليوم التاسع على التوالي ,والأهالي معتصمين  قبالة مكاتب الصليب الأحمر .
وانا  ياأخي اّمنت بالشعب المقيد والمكبل ..وحملت رشاشي لتحمل من بعدنا الأجيال منجل ...وهتافات نسوية ,تصرخ ,"حرية حرية لسجناء الحرية " .
كانت جامعة بير زيت لم تعلن الأضراب بعد, فغالبا ما تكون السباقة في مثل هذه الحالات.
الصورة الثانية :
أندسست داخل سيارة الأجرة المتجة نحو الجامعة, وهتاف النساء وأهالي الأسرى مازال يراودني صداه .
دخلت قاعة المحاضرات في الحرم الجامعي  القديم,  حيث محاضرة الدكتور عيسى أبو شمسية مدرس مساق اللغة العربية حينها. وبعد التحية قال:
عاشق من فلسطين للشاعرمحمود درويش...
بير زيت على غير عادتها , اصوات وهمهمات في داخل الغرف وهتافات في الخارج وحالة أشبه بلوحة سريالية لم نعرف أولها من اّخرها
" عيونك شوكة في القلب.
توجعني وأعبدها..
وأحميها من الريح               
وأغمدها وراء الليل والأحزان ... وأغمدها
فيشعل جرحها ضوء المصابيح 
ويجعل حاضري غدها
أعز علي من روحي 
وأنسى , بعد حين , في لقاء العين بالعين 
بأنا مرة كنا وراء الباب , أثنيين....    "

الصورة الثالثة : 
نعم أضراب وبين محمود درويش  وشوكته التي في القلب, لملمنا أوراقنا المبعثرة وأنتقلنا لشوارع بير زيت التي كانت أشبه بساحة قتال , أطارات كاوتشوكية , طلاب ملثمون , أعلام فلسطينية على أعمدة الكهرباء والهاتف , وسناسل تحولت الى حواجز لتسد الطريق أمام سيارات الجيش المتوقع دخولها في كل لحظة . تنتقل قصيدة عاشق من فلسطين الى  تلك الشوارع الملتهبة غضب...
" رأيتك عند باب الكهف.. عند النار  
  معلقة على حبل الغسيل ثياب أيتامك
رأيتك في المواقد ... في الشوارع ... 
في الزرائب ...في دم الشمس
رأيتك في أغاني اليتم والبؤس  
رأيتك ملء ملح ا لبحر والرمل  
 وكنت جميلة كالأرض ...كالأطفال..كالفل .

الصورة الرابعة :                                                                                                           

الساعة العاشرة والنصف صباحا كانوا طلاب بير زيت قد تحولوا الى مارد  جبار خرج من قمقم الصمت ليعلو صوته فوق قيود السجن وطغيانه , وأنطلق الطلاب  من الحرم الجامعي القديم ليسدوا الطرق والمفارق والأزقة والشوارع.. سد الطريق سد وأبني الف سد .  والقادم أخطر... ولعبة مواجهة الجيش ا صبح الطلاب يعرفونها  ويعرفون  قوانينها وعادة ما تكون نتيجتها  عدد من الجرحى والمعتقليين وشهيد أو شهيدين  !.
كانت قصيدة عاشق من فلسطين تدخل في مساق اللعبة بعد أن  خرجت من مساق الغة العربية . كانت  تسير في اول المسيرة  والطلاب يهتفون
"طل سلاحي من جراحي ياثورتنا ...طل سلاحي .."  
"من الفارعة لجنين شوكة بحلق المحتلين "   
"وحرية ...حرية لسجناء الحرية   "  
وقفت مذهولا أمام هذا الجرف الطلابي الهائج  وأمام التنظيم المبرمج لمظاهرة " المعد الخاوية  "التي  أججت نار الغضب في داخلي  فأعادتني لمظاهرات  الناصرة وقرية  البروه,  وأعالي الجليل, ومفرق العياضية وتل كيسان   و قرية ميعار والى خوابي الزيت , والى محمود درويش.. وعاشق من فلسطين.
وأقسم:                 
"من رموش العين سوف أخيط منديلا ,          
وأنقش فوقه شعرا لعينيك ,       
وأسما حين أسقيه فؤادا ذاب ترتيلا ....               
يمد عرائش الأيك .....    
سأكتب جملة أغلى من الشهداء والقبل :                                                                                                                                                  فلسطينية كانت ولم تزل..
                 
الصورة الخامسة

الطلاب في كل زاوية من زوايا الشوارع. في شارع عطارة المؤدي الى الجسر, في مفرق بير زيت- جفنة , على دوار البريد  , في الطريق المؤدي الى الحرم الجامعي الجديد في كل مكان ..... وفجأة   تدخل سيارات الجيش من طريق    قرية جفنة. يطلق الجنود نار  حقدهم على جمهور الطلاب,  فيتساقطون  مدرجين بدماءهم ... " أنا أن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي " . وتبدأ المواجهة , كانت قوانين اللعبة قد تغيرت . فتدافع الطلاب   ليختبأوا وراء  السناسل والمتاريس,  والأحتماء في الحرم الجامعي القديم.ألا أن  الأصابات كانت  كثيرةو بالغة ونقل الجرحى مهمة صعبة .
 أذكر حينها أن الطالب موسى حنفي من قطاع غزة , قد أصيب بصدره   وأن طاقم الأسعاف لم يستطع أنقاذه فأصابته كانت خطيرة وعلامات الموت بدأت واضحة  على محياه .                 
 أنهض الدم النازف أخي تكوين جديد ...                
ليس في هذا العالم من يستطيع
أن يجفف دم الشهيد... 
أستشهد موسى الحنفي ونقل من أصيب في المواجهات  الى المستشفيات  والمعتقلون , الى المعتقلات ,  وأبعد  مروان البرغوثي الذي كان  يتبوأمنصب رئيس مجلس الطلبة في الجامعة  حينها الى الأردن , وأغلقت الجامعة أربعة شهور وبقيت قصيدة محمود  درويش عاشق من فلسطين تجلجل  في سماء بير زيت وفي جامعتها العملاقة , فصارالحزن ألفين ...                            
"ولملمنا شظايا الصوت .                      
لم نتقن سوى مرثية الوطن !                       
سنزرعها معا في صدر جيتار                
وفوق سطوح نكبتنا , سنعزفها      
لأقمار مشوهة ...وأحجار                              
ولكني نسيت ... نسيت ... يا مجهولة الصوت :               
رحيلك أصدأالجيتار .... أم صمتي ؟ !   "               
   
هكذا بدأت علاقتي بالشاعر   محمود درويش شاعر الأرض والتراب  والوطن  لتصبح  قصيدته  عاشق من   فلسطين ,التي تحولت الى سلاح في المعركة  بداية الطريق, ترافقني عند عودتي  الى الناصرة وتحزم أمتعتي عندما كنت أعود الى رام الله  وبير زيت
رحم الله شاعرنا الفلسطيني الكبير , التي أبت سيدة الأرض أن تتركه بعيدا فلفته بذراعيها لتسكنه باعماق أعماقها بجانب قلبها الرحيم..

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع