حرية التعبير وحرية التغبير
"حرية التعبير" و"حرية التغبير"، إعلام ومنتدى الصحفيين العرب
ترددت قبل أن أقدم على كتابة هذا المقال، فقد إعتبرت أن الموضوع إستنفذ نفسه حاليًا (مع التأكيد على انه يحتاج نقاش جدي حول مسألة حرية التعبير)، لكن البيان الصادر عن إعلام ومنتدى الصحفيين العرب بشأن موضوع المقال الوارد في فصل المقال حول رمضان استوقفني لشدة ما يحمل من تناقضات.
البيان يبدو كلام حل وسط بين مجموعتين التناقض بينهما صارخ للغاية، طريقة عجيبة للتعبير عن "مع –ضد"، بيان كان الاحرى أن يكون عنوانه "لعم".(لا و نعم)
1-يأتي البيان بالعموميات دون أن يقف عند ما نشرته صحيفة فصل المقال بواسطة رئيس تحريرها، فالقول أن "إحترام حرية التعبير كقيمة إنسانية تنسحب على الجميع"، هو كلام عام جدًا، غير واضح، ولا نعرف ما المقصود بالقيم الإنسانية، لأنه لا يوجد قيم إنسانية واحدة يتبناها البشر وإلا ما كان اختلاف بينهم.
والقول أن "احترام حرية التعبير كقيمة إنسانية أساسية تنسحب على الجميع، بمعنى حق كتابة المقال يستتبعه حق الرد "، هو كلام لا يشي بشئ، أي كلام هذا،, ماذا هل نحن بصدد مساجلة كلامية، أم أن علينا أن نكون جريئين ونحدد حدود ومفهوم حرية التعبير .
2-البيان يأتي منحازًا لصالح طرف، مع أنه يحاول أن يخلق إنطباعًا غير ذلك، والدليل انه يطالب أولا بإرجاع الكاتب إلى مكان عمله، مع انه لا يطالبه بتاتًا بالاعتذار لجمهور القراء ، ويترك ذلك لحق الرد.
الذين كتبوا البيان يعرفون أن هذا الكلام هو "تخويث" لا يليق بمن يعرف قواعد النشر وحدود النشر وإحترام الآخر والقذف والتشهير، والمس بثوابت امة بأكملها، هذا الكلام لا يليق، والأصل أن يحدد كاتبو البيان أين يقفون، لان الحديث لا يدور عن إنتقاد بل عن شتائم وسفاهات من النوع الذي لا يليق ب"الساتيرا" للقنال الثانية في التلفزيون الإسرائيلي.
3- من المفروض أن يعرف كل كاتب بالفطرة، وهم كتاب ونحن كذلك ان على كل واحد تحمل نتائج ما ينشر.
أن اقل ما كان يمكن أن يدفعه الكاتب هو تحمل الثمن، هذه مسألة طبيعية لكل من يختار أن يتبنى موقفًا من أي نوع، ولا جديد في هذا، هذا يجوز على كاتب المقال وعلى غيره، والثمن هنا ينبع من أن الذي إختار أن يشتم جمهور الهدف (قراء فصل المقال وأنصار التجمع) عليه أن يقبل بالخيار أن يذهب إلى البيت، مثلما أن أحدا لا يستطيع أن يشتم رئيس الدولة في إسرائيل دون أن يجد نفسه عرضة للمسائلة القانونية في إسرائيل.
4-المطالبة بإعادة الكاتب إلى مكان عمله في تقديرنا هو أمر يقترب من الوقاحة، وليسمحوا لي كل الزملاء المدافعين عن حرية التعبير، أظن أنهم إما لم يقرؤوا ما كتب الكاتب بشكل دقيق أو لم يستوعبوا ما كتب أو أنهم لم يطلعوا عليه بما فيه الكفاية.
5-هل فكر المنتدى وإعلام انه أحيانا كذلك لا يمكن الوقوف إلى جانب كاتب أو صحفي ؟، هل يعتقدون انه من المفهوم ضمناً الدفاع عن أي زميل في مكان عمله بغض النظر عما فعل وبغض النظر عن موقفه؟ ، هل هكذا تكون حرية الصحافة ؟ ، هل ستقف إعلام والمنتدى كذلك مع صحفي عربي يشن هجومًا على الثوابت الوطنية الفلسطينية ويطالب بإلغائها، مثلا مثل حق العودة؟؟ ؟، هل كان المنتدى وإعلام ستقف إلى جانب صحفي يمدح أفعال الحكومة الإسرائيلية مثلا ؟ ، السؤال هنا هو لماذا لم تستنكر إعلام والمنتدى أقوال الكاتب أولا، و كنا سنفهم طبعًا وهذا حقها وحقهم المطالبة بإرجاعه إلى العمل، فهل نفهم انه لم يكن مسا بالمسلمين وبمعتقداتهم حتى انه لم يكن هناك أية ضرورة لمطالبة الكاتب بالاعتذار عن أقواله؟
الحقيقة أن البيان لا يترك لنا إمكانية أخرى، إلا إتهامه بالانحياز إلى طرف الكاتب، وهذا حق الذين كتبوا البيان، لكن من حقنا عليهم أن يكون بيانهم واضحاً بلا تلعثم وبدون توليفات من النوع الذي كانت في البيان.
6- البيان يصل إلى النقطة المهمة على الأقل بالنسبة للكاتب وهي إقالته من العمل أو ما سبق إقالته من العمل حين يؤكد انه :"يرفض التعامل مع ممارسة حرية التعبير بالطرق التحريضية أو العقابية، كما نرفض الوصاية الفكرية، وبناء عليه نطالب المعنيين بالأمر إعادة الزميل علاء حليحل إلى موقعه في رئاسة تحرير "فصل المقال" إذا ما كان قد فُصل على هذه الخلفية ، كما ونرفض أسلوب التحريض على هذه الخلفية ".
وهذا هو في تقديرنا بيت القصيد، وهنا لا يشي البيان بأي شئ، أي ليس من الواضح من هم الذين "حرضوا" على الكاتب، لكن إخفاء هذه المعلومة تحديدا فيه مشكلة، لأنه يخلق إنطباعًا أو إستنتاجاً أن هناك مجموعة بعينها هي التي حرضت، ويكفي جملة "نرفض الوصاية الفكرية" ليفهم اللبيب .
البيان هنا يقع في مغالطة، لأنه لا يكشف عن هوية الذين طالبوا بفصل الكاتب وفصلوه.
كاتبوا المقال يعرفون ان الذي فصل الكاتب هو التجمع الوطني الديموقراطي، حين خير بين الاعتذار أو الذهاب إلى البيت بحسب المعلومات التي بحوزتنا(وخيرا فعل التجمع)، وفصل أو استقالة الكاتب سبقت رسالة "الأصوليين" بالمطالبة بإقالته والاعتذار عما ورد ، وعليه كان من الأجدر بالبيان ان يشير إلى هذه الحقيقة المهمة جدًا.
ويغيب البيان حقيقة أخرى، وهي أن الذين عبروا عن غضبهم وإمتعاضهم ورفضهم لما ورد وطالبوا بإقالة الكاتب هم أبناء التجمع الوطني الديمقراطي تحديدًا، لأنهم يرفضون بشدة مثل الكلام الوارد في صحيفتهم التي لا تقراها الغالبية الساحقة من الأصوليين وأنصارهم في البلاد، لماذا لم تذكر هذه الحقيقة، حتى يعلم الناس أن ما فعله الكاتب كان مسًا فظًا غليظًا في الغالبية الساحقة من المسلمين بغض النظر عم درجة أصوليتهم، حتى أن أصوليين تصنيف "نص كم" من وجهة نظر التجمع كانوا أقل غضبًا من كثيرين من أبناء التجمع.
البيان في تقديرنا هو شئ من رفع العتب، ورفع الحرج، وحل الوسط ، لكن ما هو ملفت للنظر حتى الآن ان ثلاثة فقط دافعوا عن حرية التعبير عند الكتاب ثلاثتهم "زعلانين " من التجمع وعليه، لأسباب شخصية للغاية ومالية للغاية (ليس جميعهم طبعا)، وبيان إعلام والمنتدى الذي هو لا هنا ولا هناك ، فيما شن الأستاذ تميم منصور من قيادة التجمع هجومًا على كاتب المقال وعلى فحوى المقال وعلى أحد الذين دافعوا عن كاتب المقال.
7-لماذا يطالب البيان "جميع الجهات المعنية عدم تضخيم الموضوع ورفعه إلى منزلة لا يستأهلها أصلاً وتوظيفه في الصراعات الحزبية الداخلية والخارجية"(والمقصود طبعا الصراعات داخل التجمع بين التيار الليبرالي الاسرائيلي والتيار القومي – الوطني المحافظ)، كما جاء , من الذي يقرر إن كان هذا الموضوع يستأهل أم لا ؟ ، هل هم كاتبوا البيان ؟، وإذا كان ما كتب لا يستأهل لماذا يصدرون بيانا أصلا ليعملوا على شاكلة مصلحين اجتماعيين ؟ .
كل واحد يقرر حجم الموضوع من وجهة نظره، ولا أحد يقرر حجم وأهمية الموضوع للآخرين، من الممكن أن الموضوع لا يستأهل من وجهة نظر كاتبي البيان، هذا من حقهم طبعاً، لكن ليس من حقهم أن يقرروا للآخرين حجم وأهمية الموضوع بالنسبة لهم.
رمضان مهم جدًا، مهم للغالبية الساحقة من المسلمين والعرب، على ذلك كانت ردود الفعل غاضبة، وكانت غاضبة جدًا في أوساط مؤيدي التجمع ، من الممكن أن البعض يعتبر رمضان مسالة خاصة للغاية، هذا حقه طبعًا، لكن هناك من يعتبرون رمضان جزء لا ينفصل عن هويتهم، جزء لا يتجزأ من معتقدهم، ولذلك يصبح مهمًا للغاية.
أحيانا يشتم شخص فتقوم الدنيا ولا تقعد فكيف إذا شتم معتقد؟؟
وعليه نود أن نطلب من الإخوة مستقبلا أن يقرروا أهمية الأشياء بالنسبة لهم وليس بالنسبة لغيرهم.
8-ولعل هذا الإشكال يحل حين يتوجه البيان " لجميع صحفيينا وكتابنا إيصال الفكرة بصياغات تراعي المشاعر الإنسانية والدينية "، فالحديث حول مقال الكاتب المذكور لا يدور حول عدم احترام مشاعر فحسب، بل يزيد على ذلك، وهو ما يؤكد أن الذين أصدروا البيان كتبوه على عجالة من أمرهم وأرادوا فقط أن لا يظهروا بمظهر غير المدافع عن الحريات أو الذي ترتجف فرائصه من "الأصولية"كان من الأفضل أن لا يصدر مثل هذا البيان الذي يحاول مصالحة أن يكحلها فيعميها حيث يفسر أو يشرح مثل هذا " بالاستناد إلى ثقافتنا العربية الإسلامية العظيمة، التي تعايشت في نطاقها الاجتهادات والتيارات السياسية والفكرية المختلفة، دون أن يعرف تاريخها محاكم التفتيش".
هذا كلام مبهم وعام، يهرب من الخوض في ذات الموضوع، فالتاريخ الإسلامي لم يتقبل بتاتًا من شتم وطالب بإلغاء فريضة في سياق التشكيك بالذات الإلهية، هذه المسائل لم تكن أصلا موضع نقاش، بتاتًا، التاريخ الإسلامي لم يجتهد ولم يناقش في الأصول، بل إختلف وناقش في الفروع، وحين يحتج بالثقافة الإسلامية العظيمة على أنها كانت تحترم المشاعر في مثل هذه المسائل فان مثل هذه المعلومة لا تستند إلى أية واقعة تاريخية، وهي مجرد مقولة تحاول خلق حال توازن بين أنصار الليبرالية الحديثة الذين لا يحترمون أي من ثوابت أمتهم أصلا، وبين الغالبية من الموقعين على البيان من الصحفيين الذين يعتبرون الإسلام جزء أصيل من هويتهم وحياتهم .
لا يمكن في حالتنا الإمساك بالعصا من طرفيها، ولا يمكن خلق حالة من التوازن بين متناقضين، ولسنا هنا بصدد تكفير أحد بتاتًا، من الضرورة بمكان أن تكون الأمور واضحة بلا لبس وهذا البيان لا يعبر عن أي وضوح، بالعكس انه يزيد من البلبلة.