صدام..رجلاً، بطلاً وشهيداً
أولاً: تنفيذ حكم الإعدام بالرئيس العراقي السابق، الشهيد صدام حسين، بهذه الطريقة، هو في المحصلة العامة إهانة مزلزلة لكل الإنسانية على هذه البسيطة، ومحاولة إذلال للأمة العربية من محيطها إلى خليجها. فتصوير الفيلم خلال عملية الإعدام البربرية من قبل حفنة عملاء من الصف الثالث أو الرابع، لم يأت من فراغ ولا يدور في فراغ: هذا الأمر باعتقادنا تمّ بأوامر أمريكية حاقدة على كل ما هو عربي ومسلم. والمثير للدهشة أن نصدق ادعاءات واشنطن وجورج بوشها، بان العميل نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي، لم يقبل الطلب الأمريكي بتأجيل حكم الإعدام و"أصر"، على تنفيذه في أول أيام عيد الأضحى المبارك. انه فعلاً أمر عجيب غريب، فحتى اليوم لم نسمع أن العميل، يسمح لنفسه بالتطاول على رؤسائه، الذين عينوه في منصبه، وبالتالي نقترح على أنفسنا، كأبناء للأمة العربية، أن لا نسمح بان تنطلي علينا الألاعيب القادمة إلينا من بلد رعاة البقر وصناعة السينما وإنتاج أفلام الرعب والعنف والوحشية.
ثانياً: لا ننتمي إلى حزب البعث، ونعترف بان الرئيس العراقي الراحل ارتكب الأخطاء خلال ثلاثة عقود من حكمه، ولكن مع ذلك نرى لزاماً على أنفسنا أن نكتب بالبنط العريض أن الرئيس صدام ذهب إلى الموت مرفوع الهامة، في الوقت الذي كان فيه الأمراء والملوك والسلاطين والزعماء العرب يرتجفون في حياتهم. اغتيال الشهيد صدام حسين كشف عن آخر ورقة توت يغطون بها عوراتهم: حتى بيانات الشجب والاستنكار التي أدمن عليها الحكام في حظائر سايكس بيكو (الدول العربية) لم تصدر. فكيف يمكن أن نفسر للعالم أن الفاتيكان في روما أدان العملية، وكيف لنا أن نوضح للأجيال القادمة أن دول الاتحاد الأوروبي وصفت عملية الإعدام بالهمجية، في حين حافظ الزعماء العرب على صمت أهل الكهف. كيف نفسر مطالبة محام فرنسي بتشكيل لجنة تحقيق دولية في ملابسات عملية الإعدام، في الوقت الذي تقوم فيه مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي بتجاهل إعدام رئيس دولة عربية محتلة؟.
ثالثاً: عندما تمت عملية الاغتيال سادت الفرحة العارمة في إسرائيل، ربما لان صدام كان الزعيم العربي الوحيد الذي ضرب بصواريخه مدينة تل أبيب، ربما لأنه قدم الأموال لعائلات الشهداء الفلسطينيين الذين قضوا بنيران الاحتلال الإسرائيلي، ربما لأنه دعم الفلسطينيين في العراق واحترمهم، ولكن لا نفهم ولا نتفهم إيران قيادة وشعباً. التصريحات التي صدرت عن القيادة في طهران تؤكد للقاصي والداني أن الجمهورية الإسلامية في طهران تكن العداء لأسباب تاريخية معروفة للأمة العربية، فهنيئاً لإيران على تقاطع مصالحها مع إسرائيل وأمريكا. هل الدين الإسلامي أمركم، أيها الفرس، بالتشفي على الأموات؟ في الأسبوع الماضي قال زياد النجداوي، احد محامي الرئيس الراحل، بان إيران قدمت العراق لأمريكا على طبق من ذهب، وأنها تآمرت وتواطأت مع الغزاة الأجانب ومع الدولة العبرية لتقطيع الدولة العراقية وتقسيمها إلى دويلات، وفق المخططات الامبريالية الخبيثة. أقوال المحامي الأردني تثير فينا الشكوك حول النوايا الإيرانية المبيتة، وتلزمنا بإعادة التفكير في إستراتيجية هذه الدولة، ولكن في نفس الوقت نحذر من الوقوع في هذا المطب الذي نصبه الأمريكيون ووكلاؤهم العرب لإبعاد إيران أكثر عن الأمة العربية.
رابعاً: في هذا السياق علينا أن نعيد إلى ذاكرتنا الجماعية ما جرى بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران. شاه إيران، الذي كان عميلاً لواشنطن، وصديقاً ودوداً لإسرائيل، نفذ جرائم تقشعر لها الأبدان ضد أبناء شعبه، كان طاغية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان. سقط الشاه، وبقدرة قادر وافقت مصر العروبة على استقباله في أراضيها، ومنحته قصراً ليقضي فيه آخر أيامه، وبقي فيها معززاً ومكرماً حتى وفاته، والشيء بالشيء يذكر: النظام المصري تجاهل الرئيس صدام حسين، الذي قدم مليارات الدولارات لإنعاش الاقتصاد المصري، ولم يجرؤ حتى على شجب عملية الإعدام القذرة والبشعة، لان حسني مبارك، مثله مثل بقية الزعماء العرب، يدفع الضريبة لواشنطن مقابل حماية نظامه الشمولي والمتعفن. الأنظمة العربية حوّلت الإنسان العربي إلى دمية، تشتري الأسلحة للاستعراضات العسكرية، وتقوم مخابراتها بقمع كل محاولة لمعارضة النظام، لان المواطن العربي ممنوع من التفكير، ومن يفكر هو الزعيم الوحيد والأوحد.
خامساً: يقولون إن الشهيد صدام كان ديكتاتوراً، نعم كان ديكتاتوراً، وحكم بلاده بقبضة من حديد، يعيرون البعثيون بذلك، وعندما تسمع هذه الأقوال الممجوجة يخيل لك أن الدول العربية قطعت شوطاً كبيراً في الديمقراطية. من منكم يا أيها الحكام العرب ليس ديكتاتوراً؟ الفرق بينكم وبين الشهيد صدام، انه خلافاً لكم رفض الارتماء في أحضان الامبريالية الأمريكية وظل متمسكاً حتى آخر يوم من حياته بالقومية العربية، أما انتم فقد تحولتم إلى أداة طيعة بأيدي الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
سادساً: يقولون أيضاً إن صدام قتل الكثير من أبناء شعبه خلال فترة حكمه، واستحق الإعدام على هذه الأعمال. ولكن يحق لنا أن نسأل عن الـ650 ألف عراقي الذين قضوا منذ غزو العراق في مارس (آذار) من العام 2003، من هو المسؤول عن عمليات الإبادة في العراق؟ من الذي يجب أن يُحاكم على اقتراف الجرائم ضد الإنسانية؟ ولكن السؤال الأهم من هذا وذاك: هل ستتم محاكمة المجرمين على هذه الأفعال؟ المسؤول الأول والأخير هو المجرم رقم واحد في العالم، الرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي يجب تقديمه إلى العدالة، هذا إذا تبقى عدالة في هذا الزمن الرديء.
خلاصة الكلام: إننا إذ نعزي أنفسنا باستشهاد آخر زعيم قومي في الوطن العربي، يبقى أملنا كبيراً في هذه الأمة التي ستعرف كيف تنتصر.